1.2 تيراواط شمسي يعيد تشكيل الكهرباء
تواجه شبكات الكهرباء التقليدية حول العالم اختباراً هيكلياً غير مسبوق، مع الانتشار المتسارع للألواح الشمسية منخفضة التكلفة، بعدما أدى فائض القدرة التصنيعية الصينية إلى إغراق الأسواق العالمية بمعدات أرخص، وفتح الباب أمام ملايين الأسر والشركات لإنتاج جزء متزايد من احتياجاتها من الكهرباء بعيداً عن الشبكات العامة.
ولم تعد الطاقة الشمسية مجرد أداة حكومية لخفض الانبعاثات وتحقيق أهداف التحول الأخضر، بل تحولت إلى خيار اقتصادي مباشر للمستهلكين الراغبين في تقليص فواتير الكهرباء، خصوصاً في الدول التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف المعيشة أو ضعفاً في موثوقية الشبكات. وهذا التحول يضع شركات المرافق أمام معادلة صعبة: انخفاض استهلاك بعض عملائها الأكثر قدرة على الدفع، مع استمرار الحاجة إلى تمويل شبكات ضخمة يجب أن تبقى جاهزة لتوفير الكهرباء عند الحاجة.
طفرة عالمية
وبنهاية 2025، بلغت القدرة التوليدية التراكمية للأنظمة الكهروضوئية نحو 1.2 تيراواط عالمياً، بما يعادل ثلاثة أضعاف الكهرباء التي تولدها جميع المفاعلات النووية في العالم. ويكشف هذا الحجم عن تحول جوهري في سوق الطاقة، إذ أصبح بمقدور المستهلكين إنتاج جانب من احتياجاتهم بأنفسهم، بدلاً من الاعتماد الكامل على استثمارات حكومية ضخمة في محطات توليد وشبكات جديدة.
ويقف الانخفاض الكبير في أسعار الألواح وراء جانب أساسي من هذا التوسع. فبعدما كانت تكلفة اللوح الشمسي تتراوح بين 5 و6 دولارات للواط مطلع الألفية، تراجعت إلى نحو 12 سنتاً حالياً، وهو مستوى وصفه ديف جونس، الشريك المؤسس لمؤسسة «إمبير»، بأنه «زهيد إلى حد الصدمة».
وتقف الصين في قلب هذه الطفرة العالمية، إذ تبلغ قدرتها التصنيعية للألواح الشمسية نحو 1.36 تيراواط سنوياً، وفق بيانات «وود ماكنزي». وأدى الحجم الهائل للإنتاج الصيني إلى وفرة عالمية دفعت الأسعار إلى مستويات أتاحت استخدام التكنولوجيا في أسواق لم تكن الطاقة الشمسية فيها مجدية اقتصادياً قبل سنوات قليلة.
إنقاذ المصانع
وتقدم باكستان نموذجاً واضحاً لكيفية تحول الطاقة الشمسية من خيار بيئي إلى استراتيجية اقتصادية للبقاء. ففي شقوال، أضاف مصنع «بيست واي سيمينت» للأسمنت 6.34 ميغاواط من الطاقة الشمسية بنهاية العام، إلى جانب 26 ميغاواط قائمة بالفعل، ليغطي بذلك نحو ربع احتياجات المصنع من الطاقة.
وقال مدير المصنع عبد الوحيد إن الاستثمار في الطاقة الشمسية أصبح الوسيلة الوحيدة أمام الشركة للحفاظ على قدرتها التنافسية في ظل ارتفاع تكلفة الكهرباء، ما يعكس الضغوط التي تدفع الشركات الصناعية إلى البحث عن مصادر طاقة يمكن التحكم في تكاليفها بعيداً عن تقلبات أسعار الشبكة.
لكن ما يمثل إنقاذاً مالياً للمصانع والأسر يتحول في الجانب الآخر إلى تحدٍ متزايد لشركات المرافق. ووصف سيد محمد طه، الرئيس التنفيذي لشركة «كاي إلكتريك» في كراتشي، الألواح الشمسية بأنها «نعمة ونقمة»، بعدما بدأ كبار المشتركين القادرين على تحمل تكلفة الاستثمار في التوليد الذاتي بالخروج جزئياً من الشبكة.
عبء الفقراء
وتظهر المشكلة بوضوح في حي «ديفينس» الراقي في كراتشي، حيث يستطيع عدد أكبر من السكان شراء الألواح والبطاريات وتوليد الكهرباء بأنفسهم، ما يحرم شركة المرافق من شريحة من أكثر عملائها ربحية، بينما تظل الشركة مطالبة بصيانة الشبكة وتوفير الطاقة عند انخفاض إنتاج الشمس.
وفي المقابل، تبقى المناطق الأقل دخلاً أكثر اعتماداً على الكهرباء التقليدية، رغم أن شركات المرافق تواجه فيها مشكلات أكبر في تحصيل قيمة الاستهلاك. ففي حي «لياري»، تخسر الشركة بين 30 و40 روبية مقابل كل 100 روبية تنفقها، وهو ما يفاقم الضغوط المالية وقد يؤدي في النهاية إلى ارتفاع الأعباء على العملاء الذين لا يملكون القدرة على الاستثمار في التوليد الذاتي.
وتثير هذه المعادلة مخاوف من تحول الطاقة الشمسية، رغم فوائدها الاقتصادية والبيئية، إلى عامل يعمق عدم المساواة في تحمل تكاليف منظومة الكهرباء، إذا لم تتغير طريقة تمويل الشبكات وتوزيع أعبائها بين المستهلكين.
تجربة أفريقيا
ولا تقتصر الظاهرة على آسيا، إذ تتسارع في أفريقيا أيضاً، التي ستضيف نحو 17 غيغاواط من الطاقة الشمسية هذا العام، معظمها لخدمة القطاع التجاري. وفي جنوب أفريقيا، تنتج مجموعة «شوب رايت» للأغذية نحو 43 ميغاواط من الطاقة الشمسية، وتتجه إلى إضافة أنظمة تخزين بالبطاريات لتعزيز قدرتها على الاعتماد على الكهرباء المنتجة ذاتياً.
وساهم انتشار الألواح بين الأسر الجنوب أفريقية في انخفاض مبيعات شركة الكهرباء الحكومية «إسكوم» بنسبة تعادل 7% من إجمالي انخفاض بلغ 11.7 تيراواط/ساعة، ما يقدم مثالاً مباشراً على التأثير المالي الذي يمكن أن يحدثه التوليد الموزع في شركات الكهرباء الكبرى.
ورغم ذلك، تبقى الشبكة العامة ضرورة يصعب الاستغناء عنها. وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«إسكوم» دان ماروكاني أن الاعتماد الكامل على التوليد الذاتي ليس ممكناً حتى الآن، إذ اضطرت البلاد إلى الاعتماد بصورة كاملة على المحطات الحكومية لمدة ثلاثة أيام متواصلة عندما أدى الطقس الغائم إلى تراجع إنتاج الأنظمة الشمسية المنزلية.
ملايين المنازل
ويتسارع الاتجاه نفسه في أسواق آسيوية أخرى. ففي الفلبين، تضاعفت المساحات المخصصة للألواح الشمسية فوق الأسطح خلال 12 شهراً حتى أبريل، مدفوعة بقدرة بعض المنازل على استرداد تكلفة استثماراتها في أقل من ثلاث سنوات، ما يعزز الجدوى الاقتصادية للتحول إلى التوليد الذاتي.
أما الهند، فوسعت نطاق التحول عبر برنامج وطني مدعوم أطلقته في فبراير 2024 بميزانية تبلغ 8 مليارات دولار، ونجح في تزويد أكثر من 5 ملايين منزل بالألواح الشمسية، مع وصول وتيرة الإضافة إلى نحو 500 ألف منزل شهرياً.
وقال الرئيس التنفيذي لـ«تاتا باور» برافير سينها إن الهند تمكنت من الحد من بعض التداعيات السلبية على شركات المرافق عبر توجيه الدعم إلى أصحاب الدخول المنخفضة، وإشراك شركات الكهرباء في عمليات التركيب والصيانة، بدلاً من السماح بتحول الطاقة الشمسية إلى عملية تفقد خلالها الشركات عملاءها تدريجياً.
وفي بريطانيا، يتزايد الإقبال على ألواح بقدرة 800 واط يمكن توصيلها بسهولة بالمقابس المنزلية، مدفوعاً بمحاولات الأسر تقليص فواتيرها، فيما يستمر انتشار الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة رغم إلغاء بعض الحوافز الضريبية.
دوامة الموت
وحذرت جوزفين بيرج من «إس آند بي جلوبال» من خطر دخول قطاع الكهرباء فيما يعرف بـ«دوامة الموت» الاستثمارية، التي تبدأ عندما يتجه المستهلكون الأكثر قدرة مالياً إلى إنتاج الكهرباء بأنفسهم، فتتراجع إيرادات شركات المرافق، بينما تبقى تكاليف صيانة الشبكات وتحديثها قائمة.
ومع انخفاض الإيرادات، تصبح الشركات مضطرة إلى توزيع تكلفة الشبكة على قاعدة أصغر من المستهلكين، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الفواتير ودفع مزيد من القادرين إلى شراء الألواح والبطاريات، فتتقلص قاعدة العملاء مجدداً وتزداد الضغوط المالية. وفي النهاية، قد يتحمل المستهلكون الذين لا يستطيعون شراء أنظمة الطاقة الشمسية حصة أكبر من تكلفة الشبكة.
تحديات التشغيل
ويزداد تعقيد مهمة مشغلي الشبكات مع صعوبة التنبؤ بالطلب والإنتاج في منظومة تعتمد بصورة أكبر على مصادر متغيرة مرتبطة بالطقس. وظهر هذا التحدي بوضوح خلال انقطاع التيار الذي ضرب إسبانيا والبرتغال العام الماضي، فيما يرى البروفيسور يانوش بيالك من «إمبريال كوليدج لندن» أن أنظمة التشغيل لم تكن مهيأة بالسرعة الكافية لاستيعاب التوسع في التوليد البديل.
وفي أستراليا، يواجه مشغلو شبكات الضغط العالي مشكلة مختلفة تتمثل في الانخفاض الحاد للطلب خلال ساعات الظهيرة، عندما تبلغ الألواح الشمسية ذروة إنتاجها. وأصبح فائض الكهرباء كبيراً في بعض الفترات إلى درجة دفعت المشغلين إلى تقديم الكهرباء مجاناً للمساعدة في الحفاظ على توازن النظام.