إعادة تدوير السيولة ودورها في اختلالات النظام المالي
في سياق ما يُعرف بـ«لعبة إعادة الإقراض» اليابانية، برزت الأسواق الخارجية وخاصة لندن وهونغ كونغ كقنوات رئيسية لإعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال نحو الداخل الياباني. وبالاستناد إلى بيانات مصرفية صادرة عن مصرف التسويات الدولية، يتضح أن صافي الخصوم اليابانية على المؤسسات المصرفية العاملة في لندن (أي فروع البنوك اليابانية هناك) بلغ نحو 112.2 مليار دولار، في حين وصل صافي الخصوم في بقية الأسواق الخارجية إلى 240.5 مليار دولار. وقد مثّل الرقم الأول نحو 29 % من إجمالي الديون المصرفية في تقرير اليابان لعام 1990، مقابل 62 % للرقم الثاني.
وتُعد هونغ كونغ عنصراً محورياً في هذه المنظومة المالية الخارجية، إذ تكشف البيانات عن مستوى عالٍ من التنسيق بين ديون المؤسسات المصرفية اليابانية هناك والإقراض الصادر عن المؤسسات غير المصرفية اليابانية. ويعكس ذلك نمطاً دائرياً لحركة الين، يبدأ بخروجه من اليابان نحو هونغ كونغ، ثم يعود مجدداً إلى قطاع الشركات داخل اليابان. ولم تتوقف هذه الآلية إلا مع اندلاع الأزمة المالية الآسيوية، التي شكلت نقطة تحول مفصلية في مسار هذه الظاهرة.
وتبدو نهاية «لعبة إعادة الإقراض» واضحة من خلال عاملين رئيسيين:
أولاً: إن عودة التدفقات المالية إلى سوقي الأسهم والعقارات المحليين رغم ما كانا يعانيانه من اختلالات هيكلية عميقة أسهمت بشكل مباشر في تفاقم أزمة عام 1990، وما تبعها من فترة ركود اقتصادي طويلة الأمد.
ثانياً: بعد التعرض لصدمة مزدوجة تمثلت في أزمة عام 1990 والأزمة المالية الآسيوية عام 1997، شهدت جهود تطوير الأسواق الخارجية للين ودفع مسار تدويله الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على هذه الآلية تراجعاً ملحوظاً. وهنا يبرز تساؤل جوهري: لماذا بادرت اليابان إلى تحرير حساب رأس المال قبل استكمال إصلاحاتها المالية الداخلية، بل وسمحت بتوسع «لعبة إعادة الإقراض»؟
تكمن الإجابة في أن تحرير حساب رأس المال والمضي في تدويل الين لم يكونا نتاج قرار داخلي بحت، بل جاءا في إطار ضغوط مباشرة من الولايات المتحدة، التي سعت إلى فتح الأسواق المالية اليابانية أمامها، مع حرصها في الوقت ذاته على ألا تتحول الإصلاحات المالية اليابانية أو صعود الين إلى تهديد لمكانة الدولار الأميركي على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق، أدرك عدد من الخبراء الأميركيين أن التوسع الخارجي للقطاع المصرفي الياباني أي تطوير أسواق الين خارجياً لم يكن يشكل تهديداً حقيقياً لمصالح الولايات المتحدة، طالما أن القيود والرقابة داخل اليابان ظلت قائمة. فقد أشار مختصون أميركيون إلى أن وزارة الخزانة الأميركية كانت تدفع باستمرار نحو تحرير الأسواق المالية اليابانية والتخلي عن نموذج «الكارتيل»، مؤكدين في الوقت ذاته أن تضخم الأصول اليابانية يسهم عملياً في دعم قوة الدولار الأميركي.
في المقابل، لم يكن هذا الإدراك غائباً عن الجانب الياباني، إذ أقرّ عدد من المتخصصين بأن زيادة انفتاح النظام المالي ستحدّ من قدرة وزارة المالية اليابانية على مجاراة السياسات الأميركية، سواء من حيث الاستفادة من انخفاض معدلات الادخار في الولايات المتحدة أو التكيف مع سياسات مالية توسعية.
لكن المفارقة تكمن في أنه، رغم هذا الوعي بأهمية الإصلاح، لم تُترجم هذه القناعة إلى خطوات فعلية على أرض الواقع. ويعود ذلك إلى عاملين رئيسيين:
أولاً: إن تداخل المصالح بين النظام الرأسمالي السائد، والقطاع المصرفي، والجهاز البيروقراطي، أدى إلى نشوء شبكة معقدة من مراكز النفوذ، حالت دون تمرير إصلاحات هيكلية عميقة وطويلة الأمد.
ثانياً: إن بطء الإصلاحات الداخلية، بالتزامن مع التحرير السريع لحساب رأس المال، أسفر عن تحقيق مكاسب قصيرة الأجل لمعظم الفاعلين الاقتصاديين، ما أضعف الحافز نحو التغيير. فعلى سبيل المثال، أسهمت الملكيات المتداخلة بين كبار المستثمرين والبنوك في تثبيت أسعار الأسهم عند مستويات مرتفعة نسبياً، كما أن محدودية السيولة المتداولة كانت كفيلة بدفع السوق ككل نحو الارتفاع. وفي ظل هذه البيئة، لم يتشكل ضغط شعبي فعّال لدفع الإصلاح، بل على العكس، ساعدت قوة سوق الأسهم المؤسسات المالية اليابانية الكبرى على التوسع في التمويل الخارجي، وأصبحت الأدوات المالية المرتبطة بأسعار الأسهم قبل أزمة 1990 ركيزة أساسية في نشاطها.
تدويل اليوان… هل يعيد
التجربة اليابانية؟
في ضوء هذه التجربة، تتجه الأنظار إلى النموذج الصيني، حيث يبدو أن مفهوم تدويل اليوان يعيد إلى حد كبير ملامح التجربة اليابانية. فبحسب بنك الشعب الصيني، يقوم تدويل اليوان على توسيع استخدامه في المعاملات العابرة للحدود. أما من حيث النموذج التطبيقي، فإنه يعتمد على صيغة «تسوية المبادلات التجارية + الأسواق الخارجية»، وهي ذات المقاربة التي استندت إليها تجربة تدويل الين.
غير أن هذه المقاربة لم تحقق النجاح المنشود في الحالة اليابانية، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل سيتمكن اليوان الصيني من كسر هذا النمط، أم أنه يسير في المسار ذاته؟
خصائص تدويل اليوان الصيني في مرحلته الحالية
يتجلى التوسع في استخدام اليوان الصيني في المعاملات التجارية العابرة للحدود بشكل رئيسي في مجالي تجارة السلع والخدمات. ورغم أن هذا الاستخدام يمتد تاريخياً إلى فترات سابقة، إلا أنه كان يتركز في نطاق التجارة الحدودية ولم يحظَ بانتشار واسع أو بدفع رسمي واضح.
وقد بدأ التحول الفعلي في سبتمبر 2008، عندما أطلق مجلس الدولة الصيني توجيهاته لتعزيز الإصلاح والانفتاح في مناطق دلتا نهر اليانغتسي، لتبدأ بعدها تجارب محدودة لاستخدام اليوان في تسوية المبادلات التجارية عبر الحدود. وفي أبريل 2009، دخل التطبيق الرسمي حيّز التنفيذ في عدد من المناطق التجريبية، شملت مدناً مثل شنغهاي وقوانغتشو وتشوهاي وماكاو، إضافة إلى دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، حيث لم يتجاوز حجم التسويات آنذاك 3 مليارات دولار.
ومع عامي 2010 و2011، بدأت القيود تُرفع تدريجياً، واتسع نطاق التطبيق ليشمل مزيداً من المناطق والمقاطعات، كما أصدرت الجهات الرسمية بقيادة بنك الشعب الصيني إعلانات مشتركة لتوسيع التجربة وتعزيزها. وشمل هذا التوسع مدناً رئيسية مثل بكين وتيانجين، إلى جانب عشرات المقاطعات، مع إدراج تجارة الخدمات والحساب الجاري ضمن نطاق التسويات.
وقد انعكس هذا التوسع سريعاً على حجم المعاملات، إذ ارتفعت تسويات تجارة السلع إلى 438 مليار يوان، في حين بلغت تسويات تجارة الخدمات والحساب الجاري 6.83 مليار يوان. وبحلول أغسطس 2011، أصبحت التغطية شاملة تقريباً، لترتفع تسويات تجارة السلع إلى 1.56 تريليون يوان، وتجارة الخدمات إلى 520 مليار يوان.
وفي سياق موازٍ، سُمح لمؤسسات التصدير وليس فقط تلك الموجودة في المناطق التجريبية باستخدام اليوان في تسوياتها، ما أدى إلى إزالة معظم القيود على المعاملات التجارية العابرة للحدود. ونتيجة لذلك، تجاوزت تسويات تجارة السلع 2 تريليون يوان، وتخطت تجارة الخدمات 876 مليار يوان، قبل أن تصل في عام 2013 إلى أكثر من 3 تريليونات يوان للسلع و1.61 تريليون يوان للخدمات.
ومن اللافت أن هذا التوسع السريع ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث تزامن مع تراجع قوة الدولار الأميركي وصعود نسبي في قيمة اليوان.
ومع ذلك، يكشف تحليل هيكل ميزان المدفوعات عن اختلال مهم، إذ كان استخدام اليوان في الواردات (الإنفاق) أعلى بكثير من استخدامه في الصادرات (الدخل). فقد بلغت نسبة الدخل إلى الإنفاق 1 إلى 5.5 في عام 2010، ثم تقلصت إلى 1 إلى 1.7 في 2011، و1 إلى 1.2 في 2012، قبل أن ترتفع مجدداً إلى 1 إلى 1.46 في 2013. ويعكس ذلك استمرار اعتماد اليوان بدرجة أكبر في تمويل الواردات مقارنة باستخدامه كعملة لتسوية الصادرات، وهو ما يشير إلى اختلال هيكلي في مسار تدويله.
وفي ضوء هذه المعطيات، يظل السؤال قائماً: هل يتمكن اليوان الصيني من تحقيق توازن حقيقي في استخدامه الدولي، أم أنه سيعيد إنتاج الاختلالات نفسها التي واجهها الين الياباني في تجربته السابقة؟