تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬والاستقرار

HH.33

بدأت‭ ‬‮«‬الرأسمالية‭ ‬التجارية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تزامنت‭ ‬تقريباً‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭. ‬وقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬نشأة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬بتشكل‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وما‭ ‬رافقه‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬لفكرة‭ ‬‮«‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‮»‬،‭ ‬بحيث‭ ‬تمتد‭ ‬السوق‭ ‬لتشمل‭ ‬كامل‭ ‬إقليم‭ ‬الدولة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬الأقاليم‭ ‬مجزأة‭ ‬ضمن‭ ‬كيانات‭ ‬إقطاعية‭ ‬مغلقة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭.‬
ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬وحدات‭ ‬محلية‭ ‬متفرقة،‭ ‬بل‭ ‬نشأت‭ ‬سوق‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة‭ ‬تخضع‭ ‬لقوانين‭ ‬عامة،‭ ‬وتستخدم‭ ‬عملة‭ ‬واحدة،‭ ‬وتُفرض‭ ‬عليها‭ ‬نظم‭ ‬ضريبية‭ ‬وجمركية‭ ‬موحدة‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفهوم‭ ‬السوق‭ ‬مجرد‭ ‬فضاء‭ ‬جغرافي‭ ‬لتبادل‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬التشريع‭ ‬والنقد‭ ‬والتنظيم‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬ارتبطت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬مراحلها‭ ‬الأولى‭ ‬بنظم‭ ‬حكم‭ ‬صارمة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬نشوء‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬وحرية‭ ‬التعاقد‭. ‬فازدهار‭ ‬الأسواق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكناً‭ ‬دون‭ ‬وضوح‭ ‬القواعد‭ ‬القانونية‭ ‬واحترامها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأغلبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسس‭ ‬تدريجياً‭ ‬لبيئة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للنمو‭.‬

النشأة‭ ‬التاريخية

وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬التجارية‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أنظمة‭ ‬حكم‭ ‬مطلقة‭ ‬ولم‭ ‬تشهد‭ ‬دائماً‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬السياسية،‭ ‬فإنها‭ ‬تمتعت‭ ‬بدرجة‭ ‬من‭ ‬‮«‬حكم‭ ‬القانون‮»‬‭ ‬وحرية‭ ‬التبادل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬بتوسع‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭. ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬نموذج‭ ‬هولندا‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬رائداً‭ ‬في‭ ‬الرأسمالية‭ ‬التجارية،‭ ‬إذ‭ ‬تميزت‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬الحريات‭ ‬السياسية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مدنها‭ ‬تُدار‭ ‬عبر‭ ‬مجالس‭ ‬منتخبة‭ ‬من‭ ‬التجار‭.‬
وقد‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ازدهارها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬انفتاح‭ ‬فكري‭ ‬وثقافي‭ ‬لافت،‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬تداول‭ ‬أفكار‭ ‬فلسفية‭ ‬وتنويرية‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬أفكار‭ ‬سبينوزا‭ ‬وديكارت،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬مرتفع‭ ‬من‭ ‬التسامح‭ ‬الديني‭ ‬والفكري‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬إنجلترا،‭ ‬فقد‭ ‬ارتبط‭ ‬تطور‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الصناعية‭ ‬لاحقاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬وبشكل‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬بمسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬ترسيخ‭ ‬الحقوق‭ ‬الفردية‭ ‬والحريات‭ ‬السياسية‭. ‬فقد‭ ‬شكّل‭ ‬‮«‬الماجنا‭ ‬كارتا‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1215‭ ‬نقطة‭ ‬مبكرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتعزز‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬المجيدة‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1688،‭ ‬بما‭ ‬مهّد‭ ‬لبيئة‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والحريات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
تطور‭ ‬الدولة

وبذلك‭ ‬تداخلت‭ ‬مسارات‭ ‬الحرية‭ ‬السياسية‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الحرية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭ ‬وتطور‭ ‬البنية‭ ‬الرأسمالية‭.‬
وفي‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬وبعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬انتقلت‭ ‬ريادة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬مركزاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للنظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النموذج‭ ‬الديمقراطي‭ ‬السياسي،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الإعلان‭ ‬الدولي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬
يرتبط‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬التاريخية،‭ ‬ارتباطًا‭ ‬معقدًا‭ ‬بالنظام‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬حيث‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الرأسمالية‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬نظاماً‭ ‬اقتصادياً،‭ ‬و«الديمقراطية‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬إطاراً‭ ‬سياسياً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬الشعبية‭ ‬وتداول‭ ‬السلطة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوافق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬دائماً‭ ‬ولا‭ ‬شاملاً،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬التاريخ‭ ‬نماذج‭ ‬متعددة‭ ‬لدول‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬اقتصاد‭ ‬رأسمالي‭ ‬وأنظمة‭ ‬حكم‭ ‬غير‭ ‬ديمقراطية‭.‬

الرأسمالية‭ ‬والسياسة

ففي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬وسط‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬استمرت‭ ‬البنية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حكومات‭ ‬سلطوية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬مثل‭ ‬إسبانيا‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬فرانكو،‭ ‬والبرتغال‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬سالازار،‭ ‬حيث‭ ‬استمر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬دكتاتورية‭ ‬امتدت‭ ‬حتى‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬تجارب‭ ‬مشابهة،‭ ‬حيث‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أنظمة‭ ‬عسكرية‭ ‬استبدادية‭. ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر،‭ ‬تعتمد‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬رأسمالية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُصنف‭ ‬ضمن‭ ‬الأنظمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الكاملة‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬مجرد‭ ‬حماية‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬الفردية،‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬حكم‭ ‬الأغلبية‭ ‬وتداول‭ ‬السلطة،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬المساواة‭ ‬السياسية‭ ‬الكاملة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ ‬تحت‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬صوت‭ ‬واحد‭ ‬لكل‭ ‬فرد‮»‬‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يقوم‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬على‭ ‬تباين‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬يُقاس‭ ‬النفوذ‭ ‬بما‭ ‬يمتلكه‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬ثروة‭ ‬ودخل،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬بطبيعته‭ ‬إلى‭ ‬تفاوت‭ ‬اجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬واسع‭.‬
هذا‭ ‬التباين‭ ‬يخلق‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬البنيوي‭ ‬بين‭ ‬منطق‭ ‬الديمقراطية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المساواة‭ ‬السياسية،‭ ‬ومنطق‭ ‬الرأسمالية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬المساواة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬لعبت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الرأسمالية‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬هذا‭ ‬التفاوت،‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وسياسات‭ ‬إعادة‭ ‬التوزيع،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬على‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية‭.‬
التوازن‭ ‬السياسي

وبصورة‭ ‬عامة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬سياسية‭ ‬مختلفة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬ديمقراطية‭ ‬أو‭ ‬سلطوية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نجاحها‭ ‬يتطلب‭ ‬حدًا‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬القانون‮»‬،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية،‭ ‬وحرية‭ ‬العمل،‭ ‬وإنفاذ‭ ‬العقود‭. ‬فبدون‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لاقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬بشكل‭ ‬فعّال‭ ‬أو‭ ‬مستقر‭.‬
أما‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والقيم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فهي‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وإثارة‭ ‬للجدل‭. ‬إذ‭ ‬يصعب‭ ‬تحديد‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬واحدة‭ ‬ثابتة‭ ‬ارتبطت‭ ‬بنشوء‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬نظراً‭ ‬لأنه‭ ‬تطور‭ ‬تدريجياً‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬وتأثر‭ ‬بالقيم‭ ‬السائدة‭ ‬فيها،‭ ‬وقد‭ ‬انقسمت‭ ‬التفسيرات‭ ‬الفكرية‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬إلى‭ ‬اتجاهين‭ ‬رئيسيين‭.‬
يرى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الألماني‭ ‬فيرنر‭ ‬سومبارت‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬نزعة‭ ‬الاستحواذ‭ ‬وحب‭ ‬التملك،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬الجشع‭ ‬عنصراً‭ ‬محركاً‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الاقتصادي‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يقدم‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬تفسيراً‭ ‬مختلفاً‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬الأخلاق‭ ‬البروتستانتية‭ ‬وروح‭ ‬الرأسمالية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يربط‭ ‬نشأة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بنظام‭ ‬أخلاقي‭ ‬بروتستانتي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الكالفينية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الانضباط‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬والتقشف،‭ ‬والادخار،‭ ‬واعتبار‭ ‬النجاح‭ ‬المادي‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬القبول‭ ‬الروحي‭.‬
وبذلك‭ ‬تبدو‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ذات‭ ‬وجهين‭ ‬متناقضين‭: ‬وجه‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الدافع‭ ‬المادي‭ ‬والاستحواذ،‭ ‬وآخر‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬ترسيخها‭ ‬وتطورها‭.‬

القيم‭ ‬الفكرية

رغم‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬تعارض‭ ‬بين‭ ‬الطرحين‭ ‬اللذين‭ ‬قدّمهما‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬سومبارت‭ ‬وماكس‭ ‬فيبر،‭ ‬فإن‭ ‬القراءة‭ ‬الأعمق‭ ‬لتجربة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬البعدين‭ ‬معاً،‭ ‬وإن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ومن‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭.‬
فمن‭ ‬جهة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬يتأسس‭ ‬جزئياً‭ ‬على‭ ‬دوافع‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬فردي،‭ ‬تشمل‭ ‬حب‭ ‬الذات‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬التملك،‭ ‬وقد‭ ‬تمتد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬من‭ ‬الأنانية‭ ‬أو‭ ‬الجشع‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدوافع‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬المحرك‭ ‬الوحيد‭ ‬أو‭ ‬الحاسم‭ ‬للسلوك‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬دائماً‭ ‬بالشكل‭ ‬الحاد‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬تتفاوت‭ ‬من‭ ‬سياق‭ ‬لآخر،‭ ‬وقد‭ ‬تنحرف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬بما‭ ‬يسبب‭ ‬اختلالات‭ ‬أو‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬الغالبية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬يمكن‭ ‬ضبطها‭ ‬داخل‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسسي‭ ‬والقانوني‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬البعد‭ ‬القيمي‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر،‭ ‬والذي‭ ‬يربط‭ ‬نجاح‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والتنظيمية‭. ‬فالتقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬أنظمة‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نتيجة‭ ‬الدافع‭ ‬المادي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬ارتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بالعمل‭ ‬الجاد،‭ ‬والانضباط‭ ‬في‭ ‬الإنفاق،‭ ‬والتقشف،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالأمانة‭ ‬في‭ ‬التعاملات،‭ ‬والوفاء‭ ‬بالعهود،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الإيمان‭ ‬بأهمية‭ ‬المثابرة‭ ‬وربط‭ ‬النجاح‭ ‬بالسعي‭ ‬المستمر‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭.‬
وبشكل‭ ‬عام،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أداء‭ ‬النظم‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ونجاحها‭ ‬يرتبطان‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بانتشار‭ ‬قيم‭ ‬مثل‭ ‬المبادرة،‭ ‬وتحمل‭ ‬المخاطر،‭ ‬والصدق،‭ ‬والأمانة،‭ ‬والدقة،‭ ‬واحترام‭ ‬الالتزامات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬والتخطيط‭ ‬للمستقبل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العقلانية‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬والثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬تمثلان‭ ‬عنصرين‭ ‬أساسيين‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ونموه‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الرأسمالية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الملكية‭ ‬والتعاقد،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬سياسية‭ ‬مستقرة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬وحماية‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تحتاج،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬أخلاقية‭ ‬داعمة‭ ‬تعزز‭ ‬قيم‭ ‬العمل‭ ‬والانضباط‭ ‬والمبادرة،‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬الانحرافات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬الجشع‭ ‬أو‭ ‬الاستغلال‭.‬
وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬تتفاعل‭ ‬باستمرار‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والقيمية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها،‭ ‬فتؤثر‭ ‬فيها‭ ‬وتتأثر‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أبعاده‭ ‬السياسية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعده‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬نجاحه‭ ‬أو‭ ‬تعثره‭ ‬يظل‭ ‬مرهونًا‭ ‬بمدى‭ ‬توافر‭ ‬هذه‭ ‬المقومات‭ ‬مجتمعة‭.‬

رجوع لأعلى