النفط يشتعل فوق 110 دولارات
شهدت أسواق النفط العالمية بداية أسبوع شديدة التوتر بعدما واصلت أسعار الخام ارتفاعها فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، في ظل تعثر الجهود الدولية الرامية إلى احتواء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة العسكرية في منطقة الخليج بعد تعرض محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات لهجوم بطائرات مسيرة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة هواجس اضطراب الإمدادات النفطية العالمية وتهديد أمن الطاقة الدولي.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً تجاوز 111 دولاراً للبرميل خلال التعاملات المبكرة قبل أن تقلص بعض مكاسبها لاحقاً لتستقر قرب 110.2 دولار، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 106.5 دولار للبرميل، في استمرار لموجة الصعود الحادة التي بدأت الأسبوع الماضي مع تنامي المخاوف من تعثر الملاحة البحرية في مضيق هرمز وتزايد احتمالات اتساع الصراع إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في الخليج.
ويعكس هذا الارتفاع الحاد حالة القلق التي تسيطر على المتعاملين في الأسواق العالمية، خصوصاً مع فشل المحادثات السياسية الأخيرة في تحقيق أي اختراق ملموس يفتح الباب أمام تسوية دبلوماسية للأزمة، إضافة إلى غياب مؤشرات واضحة من القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، بشأن إمكانية التدخل للحد من التصعيد العسكري الذي بات يهدد واحداً من أهم ممرات الطاقة في العالم.
تصعيد ميداني
أعادت الهجمات بالطائرات المسيرة على محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات رسم مشهد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، بعدما اعتُبرت الهجمات تحولاً خطيراً في طبيعة الأهداف التي قد تتعرض للاستهداف خلال المرحلة المقبلة. فبعد أشهر من التوترات البحرية والهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، باتت منشآت الطاقة الحيوية داخل دول الخليج نفسها ضمن دائرة التهديد المباشر.
عاد مضيق هرمز مجدداً إلى قلب التوترات الدولية باعتباره الشريان الأهم لتجارة النفط العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط يومياً، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادم من دول الخليج.
ومع تصاعد الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، ارتفعت المخاوف من تعرض السفن التجارية وناقلات النفط لمزيد من الهجمات أو عمليات الاحتجاز، وهو ما دفع شركات شحن عالمية إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية ورفع تكاليف التأمين بشكل كبير.
وأدت هذه التطورات إلى زيادة علاوات المخاطر في أسعار النفط، حيث باتت الأسواق تسعر احتمالات تعطل جزئي أو كامل للإمدادات القادمة من الخليج، خاصة إذا تحولت المواجهات إلى صراع مفتوح يمتد لأسابيع أو أشهر.
ويرى خبراء الطاقة أن مجرد استمرار حالة التوتر الحالية يكفي للحفاظ على الأسعار عند مستويات مرتفعة، حتى دون حدوث انقطاع فعلي في الإمدادات، نظراً إلى حساسية الأسواق تجاه أي اضطرابات في منطقة الخليج التي تمثل مركز الثقل الأساسي للإنتاج النفطي العالمي.
كما تخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تقليص الاستثمارات في قطاع الطاقة، وتأخير عمليات الشحن والإمداد، فضلاً عن اضطراب سلاسل التوريد المرتبطة بالبتروكيماويات والغاز الطبيعي.
تحذير دولي
في خضم هذه التطورات، أطلقت وكالة الطاقة الدولية تحذيرات قوية بشأن وضع الإمدادات العالمية، حيث أكد مدير الوكالة فاتح بيرول أن هناك فجوة واضحة بين الواقع الفعلي لسوق النفط والتحركات التي تعكسها أسواق العقود الآجلة.
وأشار بيرول إلى أن السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية ساهم في ضخ نحو 2.5 مليون برميل يومياً في الأسواق خلال الفترة الماضية، ما ساعد مؤقتاً على تهدئة الأسعار والحد من النقص في الإمدادات، لكنه شدد على أن هذه الآلية لا يمكن الاستمرار بالاعتماد عليها لفترة طويلة.
وحذر من أن المخزونات النفطية التجارية العالمية قد تتعرض للاستنزاف خلال أسابيع قليلة إذا استمرت الاضطرابات الحالية وارتفع الطلب العالمي على الطاقة، ما قد يدفع الأسواق إلى موجة جديدة وأكثر حدة من الارتفاعات السعرية.
وتعكس تصريحات وكالة الطاقة الدولية حجم القلق المتزايد داخل المؤسسات الاقتصادية العالمية من احتمال دخول العالم في أزمة طاقة جديدة، خصوصاً مع محدودية الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى العديد من المنتجين، واستمرار الضغوط الجيوسياسية في أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لأسواق النفط.
رهان الأسواق
على الرغم من بعض محاولات التهدئة السياسية، فإن أسواق النفط تبدو أكثر اقتناعاً بسيناريو التصعيد، حيث يواصل المستثمرون بناء مراكز شرائية تحسباً لاحتمال تفاقم الأزمة العسكرية.
وأظهرت التداولات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عقود الشراء المستقبلية، مع زيادة الطلب على الأصول المرتبطة بالطاقة والسلع الأولية، في وقت تعرضت فيه أسواق الأسهم العالمية لضغوط متزايدة نتيجة المخاوف من تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي.
ويرى خبراء أن الأسواق أصبحت تتعامل مع الأزمة الحالية باعتبارها تهديداً طويل الأمد، وليس مجرد توتر مؤقت يمكن احتواؤه سريعاً، خاصة بعد دخول منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية ضمن دائرة الاستهداف.
كما ساهمت التصريحات الأميركية والإيرانية المتشددة في تعزيز هذه المخاوف، إذ لم تظهر أي مؤشرات فعلية على قرب العودة إلى المسار الدبلوماسي، بينما تتزايد التوقعات بإمكانية تنفيذ عمليات عسكرية جديدة خلال الأيام المقبلة.
وأدى ذلك إلى ارتفاع حدة التقلبات اليومية في أسعار النفط، حيث باتت الأسواق تتفاعل بشكل مباشر مع أي تطورات سياسية أو أمنية تصدر من واشنطن أو طهران أو العواصم الخليجية.
خيارات عسكرية
زاد تقرير نشره موقع «أكسيوس» بشأن اجتماع مرتقب للرئيس الأميركي دونالد ترامب مع كبار مستشاري الأمن القومي لبحث الخيارات العسكرية تجاه إيران من حدة القلق في الأسواق، خصوصاً أن مثل هذه الاجتماعات غالباً ما تُفسر باعتبارها تمهيداً لتحركات عسكرية أو تصعيد استراتيجي جديد.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي أي تدخل عسكري أميركي مباشر أو ضربات إضافية ضد أهداف إيرانية إلى ردود فعل واسعة تشمل استهداف منشآت النفط والطاقة أو إغلاق ممرات بحرية حيوية.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تجاوزت مرحلة الضغوط السياسية التقليدية، ودخلت في مرحلة «عض الأصابع» الاستراتيجي، حيث يحاول كل طرف اختبار قدرة الطرف الآخر على تحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
كما يخشى محللون من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات العسكرية إلى انفجار مواجهة إقليمية أوسع قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق المال والطاقة.
ضغوط اقتصادية
تثير القفزات الحالية في أسعار النفط مخاوف واسعة بشأن انعكاساتها على الاقتصاد العالمي، خصوصاً بالنسبة للدول المستوردة للطاقة التي لا تزال تعاني من تبعات التضخم وارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة.
ومن المتوقع أن يؤدي استمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل إلى زيادة تكاليف النقل والشحن والطاقة والصناعة، ما قد يدفع معدلات التضخم العالمية إلى الارتفاع مجدداً بعد أشهر من محاولات البنوك المركزية احتوائها.
كما تواجه الاقتصادات الأوروبية والآسيوية مخاطر إضافية نتيجة اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، في وقت تعاني فيه بعض الدول من تباطؤ اقتصادي وضعف في معدلات النمو.
ويرى اقتصاديون أن استمرار الأزمة الحالية قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي قد يضغط على الاستثمارات والاستهلاك والنشاط الاقتصادي العالمي.
في المقابل، قد تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات المالية وتحسن الفوائض العامة، إلا أن هذه المكاسب تبقى مرتبطة بقدرة الأسواق على تجنب سيناريو الانهيار الاقتصادي العالمي الناتج عن صدمة طاقة جديدة.
مرحلة حساسة
تدخل أسواق النفط حالياً واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، مع تداخل العوامل الجيوسياسية والعسكرية والاقتصادية في وقت واحد، ما يجعل مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة مرهوناً بالتطورات الميدانية والسياسية أكثر من أي عوامل تقليدية مرتبطة بالعرض والطلب.
ويجمع محللون على أن أي انفراجة سياسية حقيقية قد تدفع الأسعار إلى التراجع سريعاً، لكن استمرار التصعيد الحالي أو اتساع نطاق الحرب سيبقي النفط تحت ضغوط صعودية قوية قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الأسابيع المقبلة.
كما تبقى الأنظار موجهة نحو تحركات القوى الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة والصين وروسيا، ومدى قدرتها على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرار الاقتصاد العالمي بالكامل.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تبدو أسواق الطاقة أمام اختبار بالغ الصعوبة، حيث لم تعد المخاوف مقتصرة على ارتفاع الأسعار فقط، بل امتدت إلى أمن الإمدادات العالمية واستقرار النظام الاقتصادي الدولي في واحدة من أكثر الفترات توتراً منذ سنوات طويلة.