تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي

DD.33

تقوم‭ ‬مبادئ‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬عودة‭ ‬تدريجية‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬نظام‭ ‬أسعار‭ ‬صرف‭ ‬ثابتة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالذهب‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬بالدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬المرتبط‭ ‬بدوره‭ ‬بالذهب‭. ‬كما‭ ‬نصّ‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬تسريع‭ ‬إزالة‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬العملات،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬قابليتها‭ ‬للتحويل‭ ‬الحر‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬دون‭ ‬عوائق‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬أوكلت‭ ‬الاتفاقية‭ ‬إلى‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬مهمة‭ ‬مساعدة‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬اختلالات‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬مدفوعاتها،‭ ‬بهدف‭ ‬دعم‭ ‬استقرارها‭ ‬المالي‭. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬للإنشاء‭ ‬والتعمير،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬هدفه‭ ‬الأساسي‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬أوروبا‭ ‬واليابان‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬اللاحقة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬إطلاق‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لمشروع‭ ‬مارشال‭ ‬لإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬أوروبا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬اليابان،‭ ‬دفعت‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬نشاطه‭ ‬نحو‭ ‬تمويل‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬ظل‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬يركز‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬النقدي‭ ‬للدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مع‭ ‬محدودية‭ ‬اهتمامه‭ ‬بالدول‭ ‬النامية‭ ‬حتى‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

الإطار‭ ‬المؤسسي

ومع‭ ‬بلوغ‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصناعية‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التعافي‭ ‬والتكامل‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬تراجع‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬ما‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬اهتمامه‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬محور‭ ‬نشاطه‭ ‬الأساسي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬عاد‭ ‬للتوسع‭ ‬لاحقاً‭ ‬مع‭ ‬اندلاع‭ ‬أزمات‭ ‬مالية‭ ‬كبرى،‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬المكسيك‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬ثم‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬عام‭ ‬1995،‭ ‬وروسيا‭ ‬عام‭ ‬1998،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬2008‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬في‭ ‬اليونان،‭ ‬حيث‭ ‬عاد‭ ‬الصندوق‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الأوضاع‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة‭.‬
ومهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أمر،‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬إحياء‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬ونظام‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬الثابتة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬اتفاقية‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬عالمي‭ ‬مختلف‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اتساع‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتنامي‭ ‬أهمية‭ ‬التدفقات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
تقوم‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات،‭ ‬سواء‭ ‬بعجز‭ ‬أو‭ ‬فائض،‭ ‬يتم‭ ‬تصحيحه‭ ‬تلقائياً‭ ‬عبر‭ ‬حركة‭ ‬الذهب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬فائضاً‭ ‬تستقبل‭ ‬تدفقات‭ ‬من‭ ‬الذهب،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الكتلة‭ ‬النقدية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬داخلها،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تراجع‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تتعرض‭ ‬الدولة‭ ‬ذات‭ ‬العجز‭ ‬إلى‭ ‬خروج‭ ‬الذهب‭ ‬منها،‭ ‬مما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬تقلص‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬وانخفاض‭ ‬الأسعار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬الصادرات‭ ‬وتقليص‭ ‬الواردات‭.‬
وبذلك،‭ ‬تعمل‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬تلقائياً‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية،‭ ‬حيث‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الفائض‭ ‬وتنخفض‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العجز،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬تصحيح‭ ‬الاختلالات‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭.‬
وعند‭ ‬تأسيس‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬بريتون‭ ‬وودز‮»‬،‭ ‬تم‭ ‬فرض‭ ‬التزام‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف،‭ ‬وعدم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تعديلها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬استثنائية‭ ‬وبموافقة‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عند‭ ‬وجود‭ ‬اختلالات‭ ‬هيكلية‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬المدفوعات‭. ‬وبموجب‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬أصبح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬أولوية‭ ‬تتقدم‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الداخلي،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬قد‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬التضحية‭ ‬بأهدافها‭ ‬الداخلية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬الخارجي‭.‬

قاعدة‭ ‬الذهب

ويترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحكومات،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أنظمة‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬الثابتة،‭ ‬تصبح‭ ‬مقيدة‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬الداخلية،‭ ‬حيث‭ ‬تخضع‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لمتطلبات‭ ‬التوازن‭ ‬الخارجي‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬مقبولاً‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬آلية‭ ‬السوق‭ ‬كفيلة‭ ‬وحدها‭ ‬بإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬حكومي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬انهار‭ ‬تدريجياً‭ ‬بعد‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬1929،‭ ‬ومع‭ ‬صعود‭ ‬الفكر‭ ‬الكينزي‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬لضمان‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ومواجهة‭ ‬الأزمات‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬أصبحت‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تفترض‭ ‬حياد‭ ‬الدولة‭ ‬وتراجع‭ ‬دورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬موضع‭ ‬رفض‭ ‬متزايد،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬الحكومات‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬التشغيل‭ ‬وحماية‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬الخارجية‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬برزت‭ ‬صعوبة‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬حياد‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وبين‭ ‬الدور‭ ‬المتزايد‭ ‬للدولة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تدخل‭ ‬حكومي‭ ‬نشط‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية‭. ‬وبذلك،‭ ‬واجه‭ ‬نظام‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬الثابتة‭ ‬أولى‭ ‬أزماته‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬نتيجة‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭ ‬الحر‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
واجهت‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬إشكالية‭ ‬جوهرية‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬سابقاتها،‭ ‬إذ‭ ‬افترضت‭ ‬ضمنياً‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬تقوم‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬وخدمات،‭ ‬وأن‭ ‬تدفقات‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬تحتل‭ ‬دوراً‭ ‬ثانوياً‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬التاريخي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وخلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬بات‭ ‬تحكمه‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬استثمارات‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬محافظ‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬مضاربات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الصرف‭ ‬والعملات‭.‬
وتكفي‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬السلعية‭ ‬العالمية‭ ‬السنوية‭ ‬وبين‭ ‬حجم‭ ‬التعاملات‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الصرف‭ ‬أو‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬لإبراز‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭. ‬فبينما‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمة‭ ‬الصادرات‭ ‬والواردات‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثانية‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً‭ ‬تقريباً،‭ ‬كانت‭ ‬تعاملات‭ ‬سوق‭ ‬الصرف‭ ‬الأجنبي‭ ‬وحدها‭ ‬تتجاوز‭ ‬ثلاثة‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار‭ ‬يومياً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬عشرات‭ ‬التريليونات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬البنيوي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتحدد‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬ميزان‭ ‬التجارة‭ ‬السلعية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تتأثر‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بحركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المضاربات‭ ‬المالية‭ ‬والتحويلات‭ ‬الاستثمارية‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تراجع‭ ‬تأثير‭ ‬الآلية‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بحركة‭ ‬الذهب‭ ‬أو‭ ‬بتعديلات‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف،‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬التجارة‭ ‬هي‭ ‬العنصر‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭.‬

التحول‭ ‬المالي

ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬نظري‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬عملي،‭ ‬إذ‭ ‬تحول‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«قاعدة‭ ‬الدولار‮»‬،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬الدولار‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتحويل‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬ليغدو‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للنظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬تفاقم‭ ‬اختلالات‭ ‬موازين‭ ‬المدفوعات،‭ ‬وارتفاع‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وتزايد‭ ‬الإنفاق‭ ‬المرتبط‭ ‬بحرب‭ ‬فيتنام،‭ ‬بدأت‭ ‬الشكوك‭ ‬تتزايد‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬نظام‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬الثابتة‭. ‬وقد‭ ‬شكل‭ ‬قرار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬1971‭ ‬بوقف‭ ‬تحويل‭ ‬الدولار‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬حاسمة‭ ‬أنهت‭ ‬عملياً‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬الدولار‭ ‬الذهبي‮»‬‭.‬
لاحقاً،‭ ‬ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬وفرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬الإنتاج،‭ ‬تسارعت‭ ‬وتيرة‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬الصرف‭ ‬الثابت‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1976،‭ ‬جاء‭ ‬التعديل‭ ‬الثاني‭ ‬لاتفاقية‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬ليكرّس‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقرار‭ ‬حرية‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬أنظمة‭ ‬الصرف‭ ‬التي‭ ‬تناسبها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬الانتقال‭ ‬الواسع‭ ‬نحو‭ ‬أنظمة‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬المرنة‭.‬
ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬ظل‭ ‬الدولار‭ ‬محافظاً‭ ‬على‭ ‬موقعه‭ ‬المركزي‭ ‬كعملة‭ ‬احتياط‭ ‬وركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭.‬

الدولار‭ ‬ونظام‭ ‬النقد‭ ‬الدولي

عند‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأكبر‭ ‬عالمياً،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الدولار‭ ‬قابلاً‭ ‬للتحويل‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬بالنسبة‭ ‬لغير‭ ‬المواطنين‭ ‬خارج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تمتلك‭ ‬فائضاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬ميزانها‭ ‬التجاري،‭ ‬وتنتج‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭.‬
ومع‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬وبدء‭ ‬مرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬أوروبا‭ ‬واليابان،‭ ‬ارتفع‭ ‬الطلب‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والآلات‭. ‬هذا‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬الواسع‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬الدولار،‭ ‬وظهور‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بـ«أزمة‭ ‬نقص‭ ‬الدولار‮»‬،‭ ‬نتيجة‭ ‬الحاجة‭ ‬العالمية‭ ‬المتزايدة‭ ‬للعملة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬التجارة‭ ‬وإعادة‭ ‬الإعمار‭.‬

رجوع لأعلى