تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬مراكز‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬الصين

UHB33

تشهد‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحوّلاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬سياساتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬مركز‭ ‬الثقل‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬الإدارة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الأقاليم‭ ‬بوصفها‭ ‬وحدات‭ ‬اقتصادية‭ ‬فاعلة‭ ‬تتنافس‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمار،‭ ‬ورفع‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬الصين‭ ‬مجرد‭ ‬امتداد‭ ‬جغرافي‭ ‬هامشي‭ ‬ضمن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬مراكز‭ ‬النمو،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تحولات‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية‭ ‬متسارعة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الخريطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للصين‭ ‬ككل‭.‬
فمن‭ ‬جهة،‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬ضغوطاً‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬المتغيرة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬تتصاعد‭ ‬حدة‭ ‬المنافسة‭ ‬الداخلية‭ ‬مع‭ ‬أقاليم‭ ‬صينية‭ ‬أخرى‭ ‬تشهد‭ ‬نمواً‭ ‬سريعاً،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬مثل‭ ‬الشمال‭ ‬الغربي‭ ‬والجنوب‭ ‬الغربي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مقاطعات‭ ‬مثل‭ ‬شانشي‭ ‬ومنغوليا‭ ‬الداخلية‭ ‬ونينغشيا‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬المنافسة‭ ‬الخارجية‭ ‬والداخلية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬خريطة‭ ‬توزيع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬داخل‭ ‬الصين‭.‬
هذا‭ ‬التحول‭ ‬انعكس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬حركة‭ ‬الصناعات،‭ ‬وإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬شبكات‭ ‬النقل،‭ ‬وتغير‭ ‬أنماط‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬الإقليمية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الصيني،‭ ‬تتجاوز‭ ‬فيها‭ ‬التنمية‭ ‬حدود‭ ‬التقسيمات‭ ‬الإدارية‭ ‬التقليدية‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمام‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬الصين‭ ‬خيار‭ ‬التكيف‭ ‬السلبي‭ ‬مع‭ ‬التحولات،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مطالبة‭ ‬بالانتقال‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الفاعل‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية،‭ ‬وتحسين‭ ‬إنتاجيتها،‭ ‬وتسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬اندماجها‭ ‬في‭ ‬الاقتصادين‭ ‬الوطني‭ ‬والعالمي‭.‬

الانفتاح‭ ‬الخارجي‭ ‬كأداة‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع‭ ‬الاقتصادي

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬توسيع‭ ‬الانفتاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الخارجي‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬الأدوات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لإعادة‭ ‬تموضع‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬الصين‭. ‬ويقوم‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مسارات‭ ‬مترابطة‭.‬
أولاً،‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لمناطق‭ ‬الغرب،‭ ‬والتي‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬واسعة‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬تطوير‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬متعدد‭ ‬الاتجاهات‭. ‬هذا‭ ‬الانفتاح‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬المجاورة،‭ ‬وممرات‭ ‬التجارة‭ ‬البرية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭.‬
ثانياً،‭ ‬تعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬الغرب‭ ‬وبقية‭ ‬الأقاليم‭ ‬الصينية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬المناطق‭ ‬الشرقية‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬البنية‭ ‬الصناعية‭ ‬والتكنولوجية‭. ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬تقليص‭ ‬الحواجز‭ ‬الإدارية‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬تاريخياً‭ ‬بفعل‭ ‬التقسيمات‭ ‬الجغرافية،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وفق‭ ‬اعتبارات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والكفاءة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وليس‭ ‬وفق‭ ‬الحدود‭ ‬الإدارية‭.‬
ثالثاً،‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬التعاون‭ ‬الخارجي‭ ‬ليشمل‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة‭ ‬مثل‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الصناعية،‭ ‬والتبادل‭ ‬الثقافي‭ ‬والمعرفي‭. ‬ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬انفتاح‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمعرفي،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

من‭ ‬النمو‭ ‬الكمي‭ ‬إلى‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تطور‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الانفتاح‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أعمق‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬الكمي‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بوصفها‭ ‬معياراً‭ ‬أساسياً‭ ‬لقياس‭ ‬فعالية‭ ‬التنمية‭ ‬واستدامتها‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبرز‭ ‬محور‭ ‬إضافي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الابتكار،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬المشاريع‭ ‬الدولية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬قوية‭ ‬للابتكار‭ ‬المحلي‭. ‬كما‭ ‬يهدف‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المحلية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬بناء‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬وطنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬لمؤسسات‭ ‬مناطق‭ ‬الغرب‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬نجحت‭ ‬منذ‭ ‬إطلاق‭ ‬استراتيجية‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبياً،‭ ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭ ‬العالمية‭ ‬مثل‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬الكمي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭ ‬يتعلق‭ ‬بجودة‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬ومدى‭ ‬استدامته‭.‬

إشكالية‭ ‬القياس‭: ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي؟
تقليدياً،‭ ‬يُستخدم‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ (‬GDP‭) ‬كمؤشر‭ ‬رئيسي‭ ‬لقياس‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬طبيعة‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭.‬
فالنمو‭ ‬المرتفع‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬الرفاه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬جودة‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬لذلك،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬تقيس‭ ‬جودة‭ ‬النمو‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬سرعته‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يُعرّف‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عالي‭ ‬الجودة‭ ‬بأنه‭ ‬النمو‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬للموارد،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التلوث‭ ‬البيئي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬النمو،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المادي‭.‬
كما‭ ‬يتميز‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬بالاستقرار‭ ‬النسبي،‭ ‬وانخفاض‭ ‬التقلبات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬العوائد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع‭.‬
يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬جودة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بوصفها‭ ‬مفهوماً‭ ‬مركباً‭ ‬متعدد‭ ‬الأبعاد،‭ ‬يشمل‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭: ‬الكفاءة،‭ ‬والاستقرار،‭ ‬والتناسق‭ ‬الهيكلي،‭ ‬والاستدامة،‭ ‬والابتكار،‭ ‬وعدالة‭ ‬توزيع‭ ‬الدخل‭.‬
فالكفاءة‭ ‬تعكس‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المدخلات‭ ‬إلى‭ ‬مخرجات‭ ‬بأفضل‭ ‬استخدام‭ ‬ممكن‭ ‬للموارد‭. ‬أما‭ ‬الاستقرار‭ ‬فيشير‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعكس‭ ‬التناسق‭ ‬الهيكلي‭ ‬درجة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭.‬
أما‭ ‬الاستدامة،‭ ‬فتتعلق‭ ‬بقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬دون‭ ‬استنزاف‭ ‬موارده‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬الإضرار‭ ‬بالبيئة‭. ‬بينما‭ ‬يمثل‭ ‬الابتكار‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬لرفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تعكس‭ ‬العدالة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مدى‭ ‬شمولية‭ ‬توزيع‭ ‬عوائد‭ ‬النمو‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭.‬
الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬
وتقلبات‭ ‬الأصول

يُعد‭ ‬استقرار‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬جودة‭ ‬النمو،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنه‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يمثل‭ ‬شرطاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لاستمراريته‭. ‬فالتقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد،‭ ‬ورفع‭ ‬مستويات‭ ‬المخاطر‭ ‬الكلية،‭ ‬وتقويض‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬
ومن‭ ‬منظور‭ ‬أكثر‭ ‬تفصيلاً،‭ ‬تلعب‭ ‬تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الأصول‭ ‬العقارية‭. ‬فبينما‭ ‬تتسم‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬بدرجة‭ ‬من‭ ‬التوحيد‭ ‬النسبي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني،‭ ‬تظل‭ ‬الأصول‭ ‬العقارية‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للفروقات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬مؤشراً‭ ‬أدق‭ ‬لقياس‭ ‬ديناميكيات‭ ‬النمو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المناطق‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الارتفاع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول‭ ‬العقارية‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬اختلالات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشويه‭ ‬آليات‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد،‭ ‬وزيادة‭ ‬احتمالات‭ ‬ظهور‭ ‬فقاعات‭ ‬سعرية،‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬استقرار‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وجودته‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل‭.‬

التحول‭ ‬الهيكلي

تعكس‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1978‭ ‬نموذجاً‭ ‬واضحاً‭ ‬للنمو‭ ‬السريع‭ ‬الذي‭ ‬حقق‭ ‬معدلات‭ ‬مرتفعة‭ ‬قارب‭ ‬متوسطها‭ ‬10‭ % ‬سنوياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬اقتصادي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مراحله‭ ‬الأولى‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬للموارد‭ ‬والضغط‭ ‬البيئي،‭ ‬ما‭ ‬أفرز‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬لاحقة‭.‬
ومع‭ ‬تعمق‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬نحو‭ ‬الجودة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الكم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬مزدوجة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالبيئة،‭ ‬والموارد،‭ ‬وهيكل‭ ‬الاقتصاد‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬الصين‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬متوازن‭ ‬ومستدام،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والابتكار‭ ‬والاستقرار‭.‬
فالمستقبل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لهذه‭ ‬المناطق‭ ‬لن‭ ‬يُقاس‭ ‬بسرعة‭ ‬النمو‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬اقتصادها،‭ ‬وتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬نموها،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬ونقاط‭ ‬اتصال‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

للحديث‭ ‬بقية

رجوع لأعلى