تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭.. ‬مليارات‭ ‬تصنع‭ ‬الثروة

إعادة‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭.. ‬مليارات‭ ‬تصنع‭ ‬الثروة

تبدو‭ ‬إعادة‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬جاذبية‭ ‬للمساهمين،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعظيم‭ ‬الثروة‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬للسيولة‭. ‬ويقدم‭ ‬تاريخ‭ ‬‮«‬أوتوزون‮»‬‭ ‬و«بيد‭ ‬باث‭ ‬آند‭ ‬بيوند‮»‬‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً؛‭ ‬فالأولى‭ ‬أنفقت‭ ‬عشرات‭ ‬المليارات‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬أسهمها‭ ‬وحققت‭ ‬نتائج‭ ‬استثنائية،‭ ‬بينما‭ ‬أنفقت‭ ‬الثانية‭ ‬11‭.‬73‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬الإفلاس‭.‬
ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬الفارق‭ ‬بعملية‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬نفسها،‭ ‬وإنما‭ ‬بالسعر‭ ‬الذي‭ ‬تدفعه‭ ‬الشركة‭ ‬وقوة‭ ‬أعمالها‭ ‬واحتياجاتها‭ ‬للسيولة‭ ‬والفرص‭ ‬البديلة‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬

رهان‭ ‬الإدارة
منذ‭ ‬1998‭ ‬وحتى‭ ‬مايو‭ ‬2025،‭ ‬أنفقت‭ ‬‮«‬أوتوزون‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬38‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لإعادة‭ ‬شراء‭ ‬155‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬سهم،‭ ‬وبحلول‭ ‬أوائل‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬لم‭ ‬يتبق‭ ‬لديها‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬16‭.‬7‭ ‬مليون‭ ‬سهم‭ ‬قائم‭.‬
وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬قفز‭ ‬سعر‭ ‬سهم‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬دولاراً‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬4‭ ‬آلاف‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬ارتفعت‭ ‬ربحية‭ ‬السهم‭ ‬السنوية‭ ‬من‭ ‬1‭.‬48‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬145‭ ‬دولاراً،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تأثير‭ ‬الانخفاض‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الأسهم‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬أعمال‭ ‬الشركة‭.‬
وتكمن‭ ‬جاذبية‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬بسيطة‭: ‬إذا‭ ‬ربحت‭ ‬شركة‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬100‭ ‬مليون‭ ‬سهم،‭ ‬ثم‭ ‬اشترت‭ ‬وألغت‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬سهم‭ ‬مع‭ ‬ثبات‭ ‬الأرباح،‭ ‬ترتفع‭ ‬ربحية‭ ‬السهم‭ ‬تلقائياً،‭ ‬لأن‭ ‬الأرباح‭ ‬أصبحت‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الأسهم‭.‬
لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الشركة‭ ‬ارتفعت‭ ‬بالضرورة‭. ‬فإذا‭ ‬دفعت‭ ‬الإدارة‭ ‬سعراً‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للسهم،‭ ‬فقد‭ ‬تدمر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ثروة‭ ‬المساهمين‭ ‬الباقين‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬زيادتها‭.‬
ولهذا‭ ‬اعتمدت‭ ‬‮«‬بيركشاير‭ ‬هاثاواي‮»‬‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬وارن‭ ‬بافت‭ ‬قاعدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬سعر‭ ‬السهم‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬الجوهرية‭ ‬بصورة‭ ‬متحفظة،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بسيولة‭ ‬كافية‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬2024‭ ‬امتلكت‭ ‬الشركة‭ ‬نحو‭ ‬318‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬وما‭ ‬يعادله‭ ‬وأذون‭ ‬الخزانة،‭ ‬لكنها‭ ‬أنفقت‭ ‬2‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬أسهمها‭.‬

أرقام‭ ‬خادعة
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬تقييم‭ ‬جودة‭ ‬عمليات‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬مع‭ ‬ضخ‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬مبالغ‭ ‬قياسية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭. ‬فقد‭ ‬أنفقت‭ ‬شركات‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‮»‬‭ ‬نحو‭ ‬249‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬2025،‭ ‬ونحو‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬المالي‭.‬
ورغم‭ ‬هذه‭ ‬الأرقـام،‭ ‬لم‭ ‬تخفض‭ ‬سوى‭ ‬17‭.‬1‭ % ‬من‭ ‬شركات‭ ‬المؤشر‭ ‬عدد‭ ‬الأسهم‭ ‬المستخـدم‭ ‬لحســاب‭ ‬ربحية‭ ‬السهم‭ ‬بنسبـة‭ ‬4‭ % ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬سنوي،‭ ‬بينما‭ ‬ارتفع‭ ‬العدد‭ ‬لدى‭ ‬160‭ ‬شركة‭.‬
ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬شراء‭ ‬أسهم‭ ‬من‭ ‬السوق،‭ ‬لكنها‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أسهماً‭ ‬جديدة‭ ‬ضمن‭ ‬تعويضات‭ ‬الموظفين‭ ‬أو‭ ‬لأغراض‭ ‬أخرى،‭ ‬ما‭ ‬يمتص‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬المشتريات‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬للمستثمر‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بحجم‭ ‬برنامج‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء،‭ ‬بل‭ ‬مراقبة‭ ‬مقدار‭ ‬الانخفاض‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الأسهم‭.‬
وتقدم‭ ‬‮«‬بيد‭ ‬باث‭ ‬آند‭ ‬بيوند‮»‬‭ ‬نموذجاً‭ ‬صارخاً‭ ‬لمخاطر‭ ‬سوء‭ ‬توزيع‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬فمنذ‭ ‬2004‭ ‬وحتى‭ ‬نهاية‭ ‬عامها‭ ‬المالي‭ ‬2022،‭ ‬أعادت‭ ‬شراء‭ ‬نحو‭ ‬265‭.‬1‭ ‬مليون‭ ‬سهم‭ ‬مقابل‭ ‬11.73‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬لكنها‭ ‬طلبت‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الإفلاس‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2023‭ ‬واحتاجت‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬تمويلي‭ ‬بقيمة‭ ‬240‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬لدعم‭ ‬عملياتها‭ ‬خلال‭ ‬التصفية‭.‬
وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬الانهيار،‭ ‬أصبحت‭ ‬المفارقة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬إذ‭ ‬أنفقت‭ ‬الشركة‭ ‬589‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬لعامها‭ ‬المالي‭ ‬2022،‭ ‬ثم‭ ‬استخدمت‭ ‬نحو‭ ‬991‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬نقداً‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التشغيل‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬التالي‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬الإفلاس‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬عمليات‭ ‬الشراء‭ ‬التي‭ ‬نفذتها‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬نحو‭ ‬عقدين‭ ‬كانت‭ ‬خاطئة،‭ ‬لكنه‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬الحكمة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬المساهمين‭ ‬عندما‭ ‬يبدأ‭ ‬النشاط‭ ‬في‭ ‬التراجع‭ ‬وتصبح‭ ‬السيولة‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭.‬

قيمة‭ ‬حقيقية
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬الخيارات‭ ‬أمام‭ ‬الإدارة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬توزيعات‭ ‬نقدية،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬توجيه‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬سداد‭ ‬الديون‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتوسع‭ ‬والاستحواذ‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالسيولة‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمات‭.‬
وعندما‭ ‬تدفع‭ ‬الشركة‭ ‬دولاراً‭ ‬كتوزيعات،‭ ‬يحصل‭ ‬المساهم‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬مباشرة‭ ‬قبل‭ ‬أثر‭ ‬الضرائب‭. ‬أما‭ ‬عند‭ ‬إنفاقه‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬شراء‭ ‬سهم،‭ ‬فإن‭ ‬الإدارة‭ ‬تراهن‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السعر‭ ‬الذي‭ ‬تدفعه‭ ‬مناسب‭.‬
وأظهرت‭ ‬دراسة‭ ‬لعمليات‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬المعلنة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬بين‭ ‬1980‭ ‬و1990‭ ‬تحقيق‭ ‬الأسهم‭ ‬عائداً‭ ‬إضافياً‭ ‬بلغ‭ ‬12‭.‬1‭ % ‬خلال‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الإعلان،‭ ‬وارتفع‭ ‬إلى‭ ‬45‭.‬3‭ % ‬بالنسبة‭ ‬لأسهم‭ ‬القيمة‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬لا‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭ ‬كانت‭ ‬وحدها‭ ‬سبب‭ ‬الصعود،‭ ‬إذ‭ ‬ربما‭ ‬اشترت‭ ‬الإدارات‭ ‬أسهمها‭ ‬لأنها‭ ‬رأت‭ ‬أنها‭ ‬مقومة‭ ‬بأقل‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭.‬

السعر‭ ‬يصنع‭ ‬نجاح‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء
تكشف‭ ‬تجربتا‭ ‬‮«‬أوتوزون‮»‬‭ ‬و‮«‬بيد‭ ‬باث‭ ‬آند‭ ‬بيوند‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المليارات‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تحدد‭ ‬نجاح‭ ‬برامج‭ ‬إعادة‭ ‬الشراء‭. ‬فقد‭ ‬ساعد‭ ‬إنفاق‭ ‬‮«‬أوتوزون‮»‬‭ ‬38‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬انكماش‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬أسهمها‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬القيمة،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬مشتريات‭ ‬‮«‬بيد‭ ‬باث‮»‬‭ ‬البالغة‭ ‬11‭.‬73‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬انهيارها‭. ‬لذلك،‭ ‬يحتاج‭ ‬المستثمر‭ ‬عند‭ ‬إعلان‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬إلى‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسئلة‭: ‬كم‭ ‬سهماً‭ ‬سيختفي‭ ‬فعلياً؟‭ ‬وبأي‭ ‬سعر‭ ‬ستشتري‭ ‬الشركة؟‭ ‬وما‭ ‬الاستخدام‭ ‬البديل‭ ‬للأموال؟‭ ‬فإعادة‭ ‬الشراء‭ ‬ليست‭ ‬مكافأة‭ ‬تلقائية‭ ‬للمساهمين،‭ ‬وإنما‭ ‬قرار‭ ‬استثماري‭ ‬قد‭ ‬يصنع‭ ‬قيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬أو‭ ‬يبددها‭.‬

رجوع لأعلى