إمبراطورية والتر تهز ثقة الائتمان الخاص
تحول الملياردير الأميركي مارك والتر خلال ثلاثة عقود من ممول غير معروف يعمل في زاوية متخصصة من أسواق الدين إلى واحد من أبرز المستثمرين في وول ستريت والرياضة والترفيه، قبل أن تجد الإمبراطورية التي بناها نفسها في مواجهة تدقيق أميركي واسع قد تتجاوز تداعياته ثروته الشخصية إلى صناعة الائتمان الخاص التي تدير تريليونات الدولارات.
ويحقق مدعون اتحاديون وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في تعاملات مرتبطة بشركات والتر، مع التركيز على ما إذا كانت شركات تأمين يسيطر عليها قدمت مليارات الدولارات من التمويل إلى كيانات مرتبطة بإمبراطوريته من دون الإفصاح بصورة كافية عن طبيعة العلاقات بينها. ولم توجه اتهامات جنائية إلى والتر حتى الآن، بينما تقول شركاته إنها تتعاون مع التحقيقات.
وتكتسب القضية أهمية تتجاوز شخص والتر لأن النموذج الذي ساعد على تطويره، والقائم على الجمع بين أموال التأمين واستثمارات الائتمان الخاص والأصول البديلة، تحول لاحقاً إلى استراتيجية رئيسية تبنتها مجموعات استثمار عملاقة في وول ستريت.
بداية هادئة
بعيداً عن الأندية الرياضية وصفقات المليارات، بدأت مسيرة والتر من واحدة من أكثر زوايا التمويل هدوءاً. فبعد نشأته في مزرعة بولاية أيوا ودراسة المحاسبة، عمل في شركة «ليبرتي هامبشاير» المتخصصة في سوق الأوراق التجارية، حيث تصدر الشركات ديوناً قصيرة الأجل للحصول على السيولة.
وكانت المهمة الأساسية تقوم على إدارة كميات كبيرة من سندات الدين قصيرة الأجل، ومطابقة توقيت استحقاق الأصول مع الالتزامات والبحث عن فروق صغيرة في التسعير يمكن تحويلها إلى أرباح. ومن هنا اكتسب والتر الخبرة التي ستصبح لاحقاً حجر الأساس لاستراتيجيته الاستثمارية: البحث عن عدم الكفاءة في الأسواق، ثم استخدام هياكل مالية معقدة للاستفادة منها.
وفي أواخر التسعينيات، قاد اتصال بعائلة غوغنهايم الثرية إلى نقلة كبيرة في حياته المهنية. وأسس والتر وشركاؤه «غوغنهايم بارتنرز»، التي تطورت لاحقاً إلى إحدى المؤسسات الاستثمارية الكبرى في وول ستريت.
صفقة رياضية
انتقلت شهرة والتر من وول ستريت إلى الرياضة عندما شارك في شراء فريق لوس أنجلوس دودجرز للبيسبول. ولم تكن الصفقة مجرد استثمار في نادٍ رياضي شهير، بل مثالاً واضحاً على الطريقة التي ينظر بها والتر إلى الأصول.
فقد امتلك «دودجرز» حقوق بث تلفزيوني كانت قيمتها السوقية المحتملة أكبر من العوائد التي يحصل عليها النادي، وأتاح تغيير الملكية التفاوض على عقد جديد أكثر ربحية. وبعد ذلك جرى استخدام التدفقات المتوقعة من حقوق البث ضمن عمليات تمويل بمليارات الدولارات.
وأصبحت الرياضة لاحقاً جزءاً أساسياً من محفظة والتر، إلى جانب حصص ومصالح في فرق ودوريات مختلفة. وقد توسعت إمبراطوريته عبر الشركة القابضة TWG Global لتجمع بين الخدمات المالية والتأمين والرياضة والترفيه واستثمارات أخرى.
مليارات مترابطة
وتصاعدت المخاوف بعد مراجعات كشفت عن حجم استثمارات مرتبطة بأطراف ذات صلة أكبر بكثير مما كان معلناً سابقاً. وأعادت شركتا Delaware Life وClear Spring، الخاضعتان لسيطرة والتر، تصنيف أكثر من 20 مليار دولار من الأصول وسط التدقيق الأميركي، وبدأتا العمل على إعادة هيكلة أو التخلص من أجزاء من الاستثمارات المرتبطة بكيانات أخرى داخل شبكة أعماله.
وتبحث السلطات في كيفية الإفصاح عن معاملات الائتمان الخاص وما إذا كانت العلاقات بين الأطراف المختلفة قد عرضت بصورة صحيحة. وذكرت تقارير أميركية أن التحقيق يركز على مليارات الدولارات من القروض، بينما أثارت التعديلات في الإفصاحات مخاوف بشأن رأس المال والتصنيفات الائتمانية لشركات التأمين.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في خسارة محتملة، بل في معرفة مدى استقلالية الأصول التي يفترض أنها تدعم التزامات شركات التأمين. فعندما يمول أحد أجزاء المجموعة جزءاً آخر، تصبح معرفة هوية المقترض الحقيقية وطبيعة المخاطر أمراً أساسياً للمستثمرين والمنظمين وحملة الوثائق.
وتؤكد TWG Global من جانبها أنها وغوغنهايم حققتا قيمة كبيرة للعملاء والمساهمين على مدار عقود، وأنهما تعملان داخل صناعات تخضع لتنظيم أميركي صارم، في وقت تؤكد فيه الشركات المعنية تعاونها مع التحقيقات.
سيولة مطلوبة
وتزامنت التحقيقات مع تحركات لجمع رؤوس أموال وتعزيز السيولة. وأفادت تقارير بأن والتر عرض استخدام حصته في «غوغنهايم بارتنرز» ضماناً ضمن جهود لتأمين تمويل بمليارات الدولارات لشركات التأمين التابعة له، بينما عُرضت على المستثمرين عوائد من خانتين لتقديم التمويل إلى TWG Global.
ثم جاءت مفاجأة عالم الرياضة، عندما وافق والتر على بيع السيطرة على لوس أنجلوس ليكرز إلى مجموعة بقيادة المستثمر جوشوا كوشنر والرئيس التنفيذي السابق لـ«ديزني» بوب إيغر، في صفقة تقدر قيمة النادي بنحو 12.5 مليار دولار، بعد أقل من عام من إتمام والتر استحواذه بتقييم بلغ 10 مليارات دولار. ولا تزال الصفقة الجديدة بحاجة إلى موافقة مجلس محافظي دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين.
الائتمان الخاص أمام اختبار ثقة
تمثل قضية والتر اختباراً يتجاوز مصير ملياردير أو شركة تأمين أو حتى صفقة رياضية قياسية. فالسؤال الأكبر يتعلق بمدى قدرة نموذج ربط التأمين بالائتمان الخاص على الاستمرار في النمو من دون زيادة المخاطر الناتجة عن التعقيد وتضارب المصالح وصعوبة تقييم الأصول. ولم تثبت التحقيقات حتى الآن وقوع مخالفات جنائية، لكن إعادة تصنيف مليارات الدولارات والتحركات لتعزيز السيولة أعادتا التدقيق في واحدة من أسرع مناطق التمويل نمواً. وإذا ظلت المشكلة محصورة في إمبراطورية والتر فقد يتجاوزها القطاع، أما إذا كشفت عن نقاط ضعف أوسع في النموذج، فقد تكون التداعيات التنظيمية والاستثمارية أكبر بكثير من حدود صفقة «ليكرز» أو ثروة صاحب «دودجرز».