تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختلالات‭ ‬السيولة‭ ‬وأثرها‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المصرفي

ِِTT.33

في‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬القانوني‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬شكّل‭ ‬أحد‭ ‬الأدوات‭ ‬المحورية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التقلبات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتدفقات‭ ‬الأموال‭ ‬المستحقة‭ ‬بالعملات‭ ‬الأجنبية‭. ‬فقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬مستويات‭ ‬السيولة‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الائتمانية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬كان‭ ‬أداة‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬مزدوج،‭ ‬تتغير‭ ‬فعاليتها‭ ‬تبعاً‭ ‬للظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭.‬

التقلبات‭ ‬التاريخية

فعلـى‭ ‬المستـوى‭ ‬الـتـاريخي‭ ‬والتطبيقــي،‭ ‬لعـب‭ ‬رفع‭ ‬نسـبة‭ ‬الاحتياطي‭ ‬القانوني‭ ‬دوراً‭ ‬بارزاً‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬النمو‭ ‬السريع‭ ‬لتدفقات‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬وفي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬وكذلك‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬الائتماني‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬حيث‭ ‬استخدم‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬كأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬لسحب‭ ‬السيولة‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬النقدي‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2008،‭ ‬وتباطؤ‭ ‬نمو‭ ‬التدفقات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬اتجهت‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬إلى‭ ‬العكس‭ ‬تماماً‭ ‬عبر‭ ‬خفض‭ ‬نسب‭ ‬الاحتياطي‭ ‬بهدف‭ ‬توسيع‭ ‬السيولة‭ ‬وتحفيز‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬مع‭ ‬التباطؤ‭ ‬الملحوظ‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بسياسة‭ ‬“التقليص‭ ‬الموجه‭ ‬لنسب‭ ‬الاحتياطي”‭.‬

خلل‭ ‬الهيكل

غير‭ ‬أن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬إشكالية‭ ‬بنيوية‭ ‬تتعلق‭ ‬بتوحيد‭ ‬نسب‭ ‬الاحتياطي‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الودائع،‭ ‬حيث‭ ‬طُبقت‭ ‬معايير‭ ‬موحدة‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬الجارية‭ ‬والودائع‭ ‬لأجل‭ ‬والمدخرات،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬طبيعتها‭ ‬وسيولتها‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬العرض‭ ‬النقدي‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭ ‬عند‭ ‬تغير‭ ‬تدفقات‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬فترات‭ ‬التدفق‭ ‬المرتفع‭ ‬كانت‭ ‬ترتبط‭ ‬أساساً‭ ‬بزيادة‭ ‬ودائع‭ ‬المؤسسات،‭ ‬أي‭ ‬بارتفاع‭ ‬العرض‭ ‬النقدي‭ ‬الضيق‭ (‬M1‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬رفع‭ ‬الاحتياطي‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬أنواع‭ ‬الودائع‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬امتصاص‭ ‬جزئي‭ ‬فقط‭ ‬لهذه‭ ‬السيولة‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬دقيقة‭ ‬لمصدرها‭ ‬الحقيقي‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬التباطؤ،‭ ‬فقد‭ ‬ظهرت‭ ‬مفارقة‭ ‬معاكسة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬انخفاض‭ ‬الاحتياطي‭ ‬بشكل‭ ‬فعلي‭ ‬عند‭ ‬قياسه‭ ‬بمؤشرات‭ ‬العرض‭ ‬النقدي‭ ‬الضيق،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬ارتفع‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬عند‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬بعض‭ ‬النسب،‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬تقديره‭ ‬وفقاً‭ ‬لبعض‭ ‬القياسات‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬60‭ % ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قيس‭ ‬على‭ ‬أساس‭ (‬M1‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬القياس‭ ‬النقدي‭ ‬الضيق‭ ‬والموسع‭ (‬M2‭).‬
المقارنة‭ ‬الدولية

وعند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الإطار‭ ‬المقارن‭ ‬الدولي،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬القانوني‭ ‬نشأ‭ ‬رسمياً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1863‭ ‬بهدف‭ ‬حماية‭ ‬استقرار‭ ‬البنوك‭ ‬وضمان‭ ‬حقوق‭ ‬المودعين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭ ‬لاحقاً‭ ‬قلّل‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬كأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬للاستقرار‭ ‬المالي‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬والنظم‭ ‬المصرفية‭ ‬الحديثة،‭ ‬تراجعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬عن‭ ‬استخدامه،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬وتسعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬إلى‭ ‬تقليصه‭ ‬أو‭ ‬إلغائه‭ ‬بالكامل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بقيت‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬متمسكة‭ ‬به،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصين،‭ ‬نتيجة‭ ‬خصوصية‭ ‬تدفقات‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لديها‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونه‭ ‬أداة‭ ‬سريعة‭ ‬وذات‭ ‬تكلفة‭ ‬منخفضة‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيرها‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬

آثار‭ ‬جانبية

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الاستمرار‭ ‬لم‭ ‬يخلُ‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬جانبية،‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭:‬
أولاً‭: ‬الإخلال‭ ‬بأهداف‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬العملة‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬أولاً‭ ‬ثم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الخارجي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ربط‭ ‬أدوات‭ ‬مثل‭ ‬الاحتياطي‭ ‬القانوني‭ ‬بسندات‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬وتدفقات‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬جعل‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬أكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بالعوامل‭ ‬الخارجية،‭ ‬وأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬باستقلالية‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬متوازن‭ ‬ومرن‭ ‬لسعر‭ ‬صرف‭ ‬العملة‭ ‬المحلية،‭ ‬مثل‭ ‬اليوان،‭ ‬دون‭ ‬تدخلات‭ ‬متكررة‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬فعالية‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬
ثانياً‭: ‬الإخلال‭ ‬بكفاءة‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬دور‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬بشكل‭ ‬فعال‭. ‬فحجز‭ ‬نسبة‭ ‬تقارب‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬التدفقات‭ ‬الأجنبية‭ ‬داخل‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬بشكل‭ ‬إلزامي،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مصدرها‭ ‬أو‭ ‬طبيعتها،‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬السيولة‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقييد‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬حيث‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إبقاء‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬منخفضة‭ ‬نسبياً،‭ ‬مقابل‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الإقراض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬خلق‭ ‬تشوهاً‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬المال،‭ ‬وأضعف‭ ‬تطور‭ ‬سوق‭ ‬السندات،‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬قيود‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬توسع‭ ‬النشاط‭ ‬الاستثماري‭ ‬الحقيقي‭.‬
ثالثاً‭: ‬وجود‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬النظام‭ ‬ذاته‭ ‬وضعف‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الشفافية‭. ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬تطوير‭ ‬نظام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬القانوني‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬منذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬دون‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬متكامل‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬إجراءاته‭ ‬تُدار‭ ‬بشكل‭ ‬تطبيقي‭ ‬تراكمي‭ ‬وليس‭ ‬وفق‭ ‬هيكل‭ ‬مؤسسي‭ ‬واضح‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬أنواع‭ ‬الودائع‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الآجال‭ ‬والسيولة‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تناقض‭ ‬بين‭ ‬الهدف‭ ‬التقليدي‭ ‬للنظام‭ (‬ضمان‭ ‬سيولة‭ ‬البنوك‭) ‬وبين‭ ‬استخدامه‭ ‬كأداة‭ ‬لإدارة‭ ‬تدفقات‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬اختلاف‭ ‬نسب‭ ‬الاحتياطي‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬المختلفة‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬الشفافية‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬لظهور‭ ‬مخاطر‭ ‬أخلاقية‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي‭.‬

الإصلاح‭ ‬المستقبلي

أمام‭ ‬هذه‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬إصلاح‭ ‬مالي‭ ‬شامل‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬تحرير‭ ‬دور‭ ‬السوق‭ ‬تدريجياً‭ ‬وزيادة‭ ‬كفاءة‭ ‬تدفق‭ ‬السيولة،‭ ‬عبر‭ ‬تخفيف‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الاحتياطي‭ ‬كأداة‭ ‬رئيسية‭ ‬للسياسة‭ ‬النقدية‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬فيمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنطقة‭ ‬اليورو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليل‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬إلغاء‭ ‬نسب‭ ‬الاحتياطي‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬متوسطة‭ ‬وطويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬هيكل‭ ‬أكثر‭ ‬تدرجاً‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬ودائع‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والودائع‭ ‬الجارية،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نسب‭ ‬ثابتة‭ ‬للودائع‭ ‬الجارية‭ ‬بوصفها‭ ‬الأكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالسيولة‭ ‬الفورية‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬الاحتياطي‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬لأجل‭ ‬وودائع‭ ‬الادخار‭ ‬بمقدار‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬واحدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الاحتياطي‭ ‬داخل‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬بما‭ ‬يتـراوح‭ ‬بين‭ ‬0‭.‬7‭ % ‬و0‭.‬8‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬نقص‭ ‬السيولة‭ ‬دون‭ ‬إحداث‭ ‬صدمة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل،‭ ‬فإن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تنسيق‭ ‬نظام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬مع‭ ‬إصلاحات‭ ‬إدارة‭ ‬الصرف‭ ‬الأجنبي،‭ ‬مع‭ ‬الاتجاه‭ ‬التدريجي‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬ثم‭ ‬إلغائه‭ ‬بالنسبة‭ ‬للودائع‭ ‬محددة‭ ‬الأجل،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الأصول‭ ‬والخصوم‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬انتقالاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وشفافية‭ ‬وكفاءة‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭.‬
وبذلك،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬يتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الاحتياطي‭ ‬القانوني،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬مركزية‭ ‬دائمة،‭ ‬بل‭ ‬كأداة‭ ‬انتقالية‭ ‬قابلة‭ ‬للتعديل‭ ‬أو‭ ‬الاستبدال‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬الحديثة‭.‬

رجوع لأعلى