استحقاقات خيارات ضخمة تضغط على «البتكوين»
تتجه أنظار المستثمرين في أسواق العملات المشفرة إلى جلسة الجمعة، التي قد تمثل واحدة من أكثر المحطات حساسية منذ بداية العام، مع اقتراب انتهاء صلاحية عقود خيارات على عملة بتكوين تبلغ قيمتها الاسمية نحو 10 مليارات دولار. ويأتي هذا الاستحقاق في وقت تمر فيه أكبر العملات المشفرة بمرحلة من الضعف، بعد فقدانها جزءاً كبيراً من مكاسبها وتراجعها إلى أدنى مستوياتها منذ أكتوبر 2024، وسط استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع الطلب المؤسسي.
ويخشى المتعاملون من أن يؤدي الحجم الضخم للعقود المنتهية إلى زيادة التقلبات السعرية بصورة مؤقتة، خاصة مع انخفاض مستويات السيولة في الأسواق بالتزامن مع نهاية الربع المالي، وهو ما قد يضخم أي حركة بيع أو شراء خلال الساعات التي تسبق انتهاء العقود، قبل أن تستقر الأسعار لاحقاً مع انتهاء عمليات التحوط وإغلاق المراكز الاستثمارية.
استحقاق ضخم
وتستحوذ منصة «ديريبيت»، أكبر سوق لتداول خيارات العملات المشفرة، على النسبة الأكبر من هذه العقود، ما يجعل جلسة الجمعة حدثاً استثنائياً بالنسبة للمتعاملين في سوق المشتقات الرقمية. فمع انتهاء عقود بهذا الحجم، تزداد عادة عمليات إعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية، وإغلاق المراكز المفتوحة، وتنفيذ عمليات التحوط من قبل صناع السوق، وهو ما ينعكس غالباً على حركة الأسعار في الأجل القصير.
ورغم أن انتهاء صلاحية العقود لا يحدد بمفرده الاتجاه المستقبلي للسوق، فإنه يمثل عاملاً قادراً على زيادة حدة التقلبات، خصوصاً عندما يتزامن مع ضعف السيولة وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، كما هو الحال في الوقت الحالي.
ويعتقد العديد من المتعاملين أن الساعات الأخيرة قبل انتهاء العقود ستكون حاسمة في تحديد اتجاه التداولات قصيرة الأجل، في ظل محاولة المستثمرين حماية مراكزهم أو تقليص خسائرهم قبل انتهاء الاستحقاقات.
رهانات خاسرة
وتبرز المشكلة الأكبر في أن الجزء الأكبر من عقود الخيارات القائمة كان يراهن على استمرار ارتفاع بتكوين خلال الأشهر الماضية، إلا أن الهبوط المتواصل دفع معظم تلك العقود إلى الخروج من نطاق الربحية، بعدما أصبحت أسعار التنفيذ أعلى بكثير من السعر الفعلي للعملة.
وهذا الواقع يدفع عدداً من المستثمرين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم، بينما يلجأ آخرون إلى اتخاذ مراكز أكثر تحفظاً أو زيادة رهاناتهم على استمرار الهبوط، الأمر الذي يضيف مزيداً من الضغوط النفسية على السوق.
ورغم استمرار عدد عقود الشراء عند مستويات تفوق عقود البيع، فإن تغير ظروف السوق جعل جزءاً كبيراً من تلك الرهانات يفقد قيمته الفعلية، بعدما أصبحت احتمالات تحقيق أرباح منها محدودة في ظل الأسعار الحالية.
سيولة محدودة
وتتزامن استحقاقات الخيارات مع فترة تشهد انخفاضاً طبيعياً في السيولة نتيجة نهاية الربع المالي وبداية موسم الصيف، وهي مرحلة تتراجع خلالها أحجام التداول في العديد من الأسواق العالمية، بما فيها سوق العملات المشفرة.
ويؤدي انخفاض السيولة إلى تضخيم أثر أي أوامر بيع أو شراء كبيرة، ما يجعل تحركات الأسعار أكثر حدة مقارنة بالفترات التي تشهد تداولات مرتفعة. ولذلك، يرى العديد من المحللين أن التقلبات المنتظرة خلال جلسة الجمعة قد تعكس ظروف التداول أكثر من كونها تعبر عن تغير جوهري في اتجاه السوق.
كما أن عمليات التحوط التي ينفذها صناع السوق لإدارة المخاطر المرتبطة بعقود الخيارات قد تزيد من حدة التحركات اللحظية، قبل أن تعود الأسعار إلى مستويات أكثر توازناً بعد انتهاء الاستحقاقات.
ضغوط نقدية
ولا تقتصر الضغوط التي تواجه بتكوين على سوق المشتقات فقط، بل تمتد أيضاً إلى البيئة الاقتصادية العالمية، حيث لا تزال توقعات استمرار أسعار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة تلقي بظلالها على الأصول عالية المخاطر.
فارتفاع أسعار الفائدة يقلل جاذبية الأصول التي لا توفر عائداً دورياً، وفي مقدمتها العملات المشفرة، إذ يفضل المستثمرون في مثل هذه الظروف توجيه أموالهم نحو أدوات استثمارية أكثر استقراراً، مثل السندات الحكومية أو الودائع ذات العائد المرتفع.
كما أن استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية يعزز قوة الدولار، وهو ما يضغط بدوره على شهية المستثمرين تجاه الأصول البديلة، ويزيد من صعوبة استعادة العملات الرقمية للزخم الذي شهدته خلال السنوات الماضية.
ضغوط الشركات
ومن بين الملفات التي يراقبها المستثمرون أيضاً أوضاع شركة «ستراتيجي»، أكبر مالك مؤسسي لعملة بتكوين، والتي تواجه ضغوطاً متزايدة مع استمرار انخفاض قيمة أصولها الرقمية، وسط مخاوف بشأن قدرتها على إدارة التزاماتها المالية إذا استمرت الأسعار عند مستوياتها الحالية.
ويكتسب وضع الشركة أهمية خاصة، لأن أي تغير في استراتيجيتها الاستثمارية أو في حجم حيازاتها من بتكوين قد ينعكس بصورة مباشرة على معنويات السوق، نظراً إلى مكانتها الكبيرة بين المستثمرين المؤسسيين.
كما أن استمرار الضغوط على الشركات المرتبطة بالعملات المشفرة قد يضيف تحديات جديدة أمام القطاع بأكمله، خاصة إذا استمرت بيئة التمويل المشددة وارتفاع تكلفة الاقتراض.
اختبار حقيقي
ويرى عدد من المحللين أن انتهاء عقود الخيارات لن يكون العامل الحاسم في تحديد الاتجاه المستقبلي لبتكوين، بل إن الاختبار الحقيقي سيبدأ مع مطلع يوليو، بعد انقضاء استحقاقات نهاية الربع المالي وتراجع تأثير الرافعة المالية وعمليات التحوط.
فإذا نجحت العملة المشفرة في استعادة الاستقرار بعد انتهاء هذه العوامل المؤقتة، فقد تتمكن من بناء قاعدة سعرية جديدة تسمح لها بالتعافي تدريجياً. أما إذا استمرت الضغوط الاقتصادية، وواصلت التدفقات الاستثمارية الخروج من السوق، فقد تدخل بتكوين مرحلة أطول من التحركات الضعيفة.
تبدو سوق العملات المشفرة أمام فترة شديدة الحساسية، حيث تتداخل العوامل الفنية مع المتغيرات الاقتصادية والنقدية بصورة غير مسبوقة. وبينما قد تشهد الأسعار تقلبات حادة خلال جلسة الجمعة نتيجة انتهاء عقود الخيارات الضخمة، فإن الاتجاه الحقيقي للسوق سيظل مرتبطاً بعودة السيولة المؤسسية، ومسار السياسة النقدية الأميركية، ومدى قدرة المستثمرين على استعادة الثقة في الأصول الرقمية خلال النصف الثاني من العام.