اضطرابات الشحن ترفع كلفة تجارة الطاقة
تواصل الاضطرابات التي تضرب أهم ممرات الشحن العالمية إعادة تشكيل خريطة تجارة النفط والغاز، بعدما تحولت المخاطر الجيوسياسية والقيود التشغيلية إلى عنصر مؤثر في قرارات المنتجين والمشترين وشركات النقل. فمن مضيق هرمز إلى قناة بنما، بات الحفاظ على تدفق إمدادات الطاقة يتطلب ترتيبات أكثر تعقيداً ومسارات أطول وتكاليف إضافية، بينما تكشف أزمة وقود الطائرات في ناميبيا مدى حساسية الأسواق المستوردة لأي خلل مفاجئ في سلاسل الإمداد.
وفي الخليج، لم يعد التعامل مع اضطرابات الملاحة يقتصر على تغيير توقيت الشحنات أو مسارات السفن، إذ توسعت عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى خارج مضيق هرمز، بينما تدفع القيود في قناة بنما بعض ناقلات الغاز إلى الدوران حول أمريكا الجنوبية أو استخدام رأس الرجاء الصالح. وفي الوقت ذاته، تبرز فنزويلا باعتبارها ساحة محتملة لتحولات كبيرة في معادلة إمدادات النفط، وسط حديث عن اتفاق يمنح الشركات الأمريكية دوراً واسعاً في تطوير احتياطياتها.
بدائل هرمز
تتوسع شركات النفط الحكومية الخليجية في استخدام عمليات النقل من سفينة إلى سفينة «STS» خارج مضيق هرمز، بهدف تقليل تعرض الناقلات الرئيسية للمخاطر والمحافظة على استمرار الصادرات إلى الأسواق، خصوصاً آسيا. وتتركز هذه العمليات قبالة صحار في خليج عُمان والفجيرة، حيث تعبر ناقلات مكوكية المضيق محملة بالنفط قبل تحويل الشحنات إلى سفن أخرى تكمل رحلاتها.
وبحسب المعلومات المتاحة، عرضت أرامكو شحنات للتحميل بين 5 و15 سبتمبر باستخدام عمليات النقل قبالة صحار. كما اشترت ثلاث مصافٍ حكومية صينية ومصفاة خاصة شحنات من خامي العربي المتوسط والعربي الثقيل للتحميل في أواخر أغسطس بالآلية ذاتها.
وتستخدم الشركة ناقلات مكوكية لعبور هرمز ثم تنقل الخام إلى ناقلات أخرى خارج المضيق، مع إطفاء أجهزة التتبع خلال مرحلة العبور لتقليل مخاطر التعرض للهجمات. ونجحت أرامكو بهذه الآلية في بيع ما لا يقل عن 4 ملايين برميل إلى الصين خلال أغسطس، ما يعكس تحول عمليات «STS» من إجراء استثنائي إلى أداة مهمة للحفاظ على الصادرات.
تكاليف إضافية
لا تقتصر الاستراتيجية على النفط السعودي، إذ طرحت قطر للطاقة مناقصة لشحن خامي الشاهين وقطر مارين خلال الفترة من الأول إلى 15 أكتوبر عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة صحار أو الفجيرة، وبكميات تصل إلى مليوني برميل.
لكن الحل يحمّل المنتجين تكاليف ومخاطر إضافية. فبعض المشترين باتوا يفضلون شراء الخام على أساس التسليم في الوجهة النهائية، بدلاً من تسلمه عند نقطة النقل بين السفن، وهو ما يعني بقاء مسؤولية الشحنة على المنتج أو البائع لمسافة أطول، بما يشمل مخاطر العبور والشحن والتأمين.
ويزداد التعقيد مع تشديد إيران الرقابة على حركة السفن، والتحذير من إجراءات قد تشمل الغرامات والاحتجاز ومصادرة الشحنات للسفن التي تعتبرها غير ملتزمة بالقواعد، مع احتمال امتداد المخاطر إلى السفن المشاركة في عمليات النقل البحري.
ضغط بنما
على الجانب الآخر من العالم، تواجه تجارة الطاقة مشكلة مختلفة في قناة بنما، بعدما دفعت محدودية العبور وارتفاع تكلفته ناقلات النفط والغاز إلى البحث عن طرق بديلة. وأدت القيود المفروضة على حركة السفن الكبيرة إلى زيادة المنافسة على فتحات العبور المخصصة لناقلات «Neopanamax».
وبلغ متوسط سعر فتحة العبور نحو 2.3 مليون دولار عند وصول إحدى الناقلات إلى منطقة القناة، قبل أن يقفز إلى مستوى قياسي بلغ 3.1 ملايين دولار في 26 أغسطس، فيما دفع أحد المشترين 5.26 ملايين دولار مقابل فتحة عبور واحدة. وفي المقابل، بلغ متوسط تكلفة المرور عبر أهوسة «Panamax» القديمة نحو 690 ألف دولار في 24 أغسطس، أي أقل بنحو 4.5 مرة من تكلفة عبور السفن الكبيرة في اليوم نفسه.
وتدفع هذه الفجوة الشركات إلى إعادة حساب التكلفة الكاملة للرحلة، والمفاضلة بين دفع رسوم مرتفعة مقابل اختصار الوقت، أو اختيار رحلة أطول توفر رسوم القناة لكنها تزيد استهلاك الوقود وتكاليف تشغيل السفينة.
رحلات أطول
ومن الأمثلة على ذلك ناقلة الغاز العملاقة «Gas Scorpio»، التي استأجرتها شركة «ATC» السعودية في يوليو لرحلة بين هيوستن وتشيبا اليابانية بسعر 235 دولاراً للطن. وبعد وصول الناقلة إلى منطقة انتظار قناة بنما، غيرت مسارها في 21 أغسطس واتجهت إلى طريق أطول حول أمريكا الجنوبية.
ومن المتوقع أن يضيف المسار البديل نحو 20 يوماً إلى الرحلة، ما يؤخر عودة السفينة إلى الولايات المتحدة ويؤثر في موعد تحميل شحنتها التالية. ولا تنعكس هذه التأخيرات على الناقلة وحدها، إذ يؤدي بقاء السفن في البحر لفترات أطول إلى تقليص عدد الناقلات المتاحة في السوق، وبالتالي توفير دعم محتمل لأسعار الشحن.
وتستخدم ناقلات أخرى مضيق ماجلان أو رأس الرجاء الصالح، لكن البدائل تظل مكلفة زمنياً وتشغيلياً، ما يجعل شركات النقل أمام معادلة صعبة بين رسوم عبور قياسية ورحلات قد تزيد مدتها بنحو ثلاثة أسابيع.
إمدادات بديلة
وتكتسب التحركات الفنزويلية أهمية إضافية مع تزايد حساسية سوق الطاقة لأي تعطل في الإمدادات. فإذا نجحت الاستثمارات الجديدة في زيادة إنتاج فنزويلا على المدى الطويل، فقد توفر كميات إضافية للأسواق وتمنح المشترين خيارات أوسع، إلا أن تطوير الحقول ورفع الإنتاج يحتاجان إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية وقدرات تشغيلية لا يمكن توفيرها سريعاً.
وتوضح التطورات أن اضطرابات طرق الشحن لم تعد قضية تخص شركات الناقلات وحدها، بل أصبحت عاملاً يعيد تشكيل قرارات الاستثمار والإنتاج والتجارة. فكلما ارتفعت مخاطر الاعتماد على ممر واحد، ازدادت قيمة الإمدادات البديلة والبنية التحتية القادرة على تجاوز نقاط الاختناق.
هشاشة أفريقية
وفي ناميبيا، كشفت أزمة مختلفة جانباً آخر من هشاشة منظومة الطاقة العالمية، بعدما تسبب تلوث شحنة مستوردة من وقود الطائرات «Jet A-1» بالبنزين في نقص الإمدادات وإعادة توجيه بعض الرحلات الجوية.
وتعود المشكلة إلى شحنة استوردتها «Vivo Energy Namibia» التابعة لمجموعة «Vitol»، قبل اكتشاف تلوث الوقود بالبنزين الذي كان محملاً على السفينة نفسها. وبدأت الشركة العمل على استبدال الشحنة وتأمين كميات جديدة لعملائها، بينما اتخذت سلطات المطارات إجراءات للحد من تأثير الأزمة على حركة الطيران.
وتبرز أهمية المشكلة في مطار هوسيا كوتاكو الدولي الذي استحـوذ على 79.6 % من إجمالي حركة المسافرين عبر مطارات ناميبيا في أبريل، ما يجعل أي نقص في الوقود قادراً على التأثير سريعاً في شبكة الرحلات الدولية.
وتأتي الأزمة بينما تتراجع تدفقات وقود الطائرات القادمة من الخليج بفعل اضطرابات شحن الطاقة، وهو ما يزيد اعتماد الأسواق الأفريقية على مصادر بديلة ويجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي شحنة معيبة أو متأخرة.
مخاطر الشحن تعيد تسعير الطاقة
تكشف التطورات الممتدة من هرمز إلى بنما وناميبيا وفنزويلا أن سوق الطاقة تدخل مرحلة تصبح فيها مرونة سلاسل الإمداد عاملاً لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه. فوجود النفط أو الغاز لا يضمن وصوله إلى المستهلك بالتكلفة والسرعة المعتادتين عندما تضطرب الممرات البحرية أو ترتفع رسوم العبور أو تتراجع الإمدادات المتاحة.
والنتيجة هي انتقال جزء متزايد من التكلفة والمخاطر إلى المنتجين والمشترين، سواء عبر عمليات النقل بين السفن أو تحمل مسؤولية الشحن لمسافات أطول أو دفع رسوم أعلى أو البحث عن مصادر بديلة. ومع استمرار هذه الاضطرابات، قد تتحول الإجراءات المؤقتة إلى نمط أكثر ديمومة في تجارة الطاقة، بما يعيد رسم مسارات الناقلات ويرفع أهمية تنويع طرق التصدير والإمدادات، ويضيف علاوة جديدة مرتبطة بأمن الشحن إلى أسعار النفط والغاز عالمياً.