اقتصاد أكثر كفاءة في تخصيص الموارد وإدارة المخاطر
إن العواقب الناجمة عن النظام القائم على الإدارة المشتتة تتجلى في عدة مظاهر رئيسية، أبرزها:
أولاً: شدة الرقابة الإدارية المفرطة، مقابل ضعف القوة الدافعة للابتكار الذاتي داخل المؤسسات والأسواق المالية، مما يحدّ من ديناميكيتها وقدرتها على التطور.
ثانياً: سعي مختلف القطاعات إلى الاستحواذ السريع على السلطة بدلاً من الالتزام بتطبيق القانون، وهو ما يضعف أسس بناء سوق مالية موحدة ومنظمة.
ثالثاً: تباين معايير الرقابة بين الجهات المختلفة، الأمر الذي يعرقل التنافس العادل بين المؤسسات التي تقدم منتجات متشابهة، ويضعف بناء نظام موحد وفعّال لحماية المستثمرين، كما يحدّ من تطوير منصة متكاملة وشفافة لتجميع البيانات ومعالجتها، ويزيد من صعوبة الوقاية من المخاطر النظامية والتعامل معها مبكراً.
رابعاً: إن التنافس بين جهات الرقابة قد أدى إلى تشجيع ما يُعرف بـ»مراجحة الرقابة»، حيث تلجأ بعض الأطراف إلى استغلال اختلاف الأنظمة الرقابية، مما يرفع من احتمالات المخاطر الأخلاقية في الأسواق، ولا يخدم هدف الاستقرار المالي.
خامساً: في ظل هيمنة النهج الإداري، تميل كل جهة إلى تعزيز سلطاتها الرقابية بشكل مفرط، مع تجاهل اعتبارات السوق، الأمر الذي يفضي إلى حالة من الفوضى التنظيمية عند تخفيف الرقابة أو تشديدها بصورة غير متوازنة.
إصلاح نظام التسجيل
وتوسيع نطاقه
وفيما يتعلق بنظام التسجيل، فقد اقتصر القرار على إصلاح نظام تسجيل الأسهم فقط، غير أن هذا التوجه يستدعي التوسع ليشمل مختلف الخدمات والمنتجات المالية، ولا سيما سوق السندات. إذ إن زيادة إصدار السندات في الاقتصاد الحقيقي لا تتوافق فقط مع أهداف تطوير سوق السندات والسوق الرأسمالية، بل تسهم أيضاً في تمكين المؤسسات الكبرى عالية الجودة من الاعتماد على السندات كبديل للقروض المصرفية، مما يخفف الضغوط على نسب القروض إلى الودائع في البنوك التجارية، ويتيح إعادة توجيه الموارد التمويلية نحو المؤسسات الأخرى، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى دعم أكبر.
كما أن السوق بين البنوك، القائم على المؤسسات والمستثمرين، والذي يعتمد على نظام تسجيل شفاف لإصدار السندات، يقابله سوق البورصة القائم على مستثمري التجزئة، حيث يمكن التحكم بالمخاطر بكفاءة أعلى، مع تحقيق مستوى جيد من الفاعلية ووضوح مسار الإصلاح. أما فيما يتعلق بإصدارات السندات الصغيرة والقروض الخاصة، فينبغي التعامل معها بأسلوب مماثل لما هو معمول به في العديد من الدول، من خلال تخفيف القيود الإدارية، وإتاحة إمكانية الإعفاء من إجراءات التسجيل عند الحاجة.
تحرير القيود وتعزيز كفاءة تخصيص الموارد
وبالتوازي مع إصلاح نظام التسجيل، من الضروري إلغاء القيود التي تحدد سقف إصدار السندات بنسبة لا تتجاوز 40% من صافي أصول المؤسسة، إذ لا يزال يتم تطبيق بعض القواعد غير الملائمة المستمدة من “لوائح سندات المؤسسات” الصادرة في تسعينات القرن الماضي على سندات المؤسسات غير المالية، رغم عدم وجود مبررات اقتصادية قوية لاستمرارها. ومن شأن تحرير هذه القيود، مع تشجيع المؤسسات الكبرى على إصدار السندات كبديل للتمويل المصرفي، أن يعزز كفاءة تخصيص الموارد، ويسهم في تقليل ضغوط السيولة، ويدفع نحو تطوير أعمق للسوق الرأسمالية.
وفي ظل التحول التدريجي من النظام القائم على الإدارة إلى نظام أكثر اعتماداً على السوق، يصبح تمكين السوق من أداء دوره المحوري في تخصيص الموارد أمراً يتطلب تنسيقاً عالياً بين الجهات الرقابية كافة، وبناء منظومة رقابية قائمة على الحذر واليقظة، بما يمنع حدوث فوضى تنظيمية سواء عند تخفيف الرقابة أو تشديدها. كما يستلزم بناء سوق مالية موحدة تعزيز التنسيق بين المؤسسات التنظيمية والمالية، بما في ذلك نموذج “بنك واحد وثلاث لجان” (البنك المركزي الصيني، لجنة تنظيم العمل المصرفي، لجنة تنظيم الأوراق المالية، لجنة تنظيم التأمين في الصين)، إلى جانب وزارة المالية والمفوضية الوطنية للتنمية والإصلاح، وذلك بهدف إنشاء آلية تنسيق فعّالة ومنصة موحدة لتجميع البيانات والرقابة.
تطوير القواعد السوقية
والاستفادة من التجارب الدولية
وبالإضافة إلى ذلك، تبرز أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في مجال الإصلاح المالي الحر، والعمل على تطوير قواعد تنظيم السوق وتحسين أنظمة الرقابة، بالتوازي مع تخفيف القيود التنظيمية. فالتسريع في وضع قواعد واضحة للسوق يمكن أن يسد الفجوات التي قد تنتج عن تخفيف الرقابة، ويعزز استقرار النظام المالي.
ويُعدّ بناء آليات فعّالة للإفصاح عن المعلومات أحد الركائز الأساسية في هذا السياق، حيث يتعين تطوير ونشر أنظمة شفافة تتيح الكشف عن الوضع المالي الحالي، ومستويات المخاطر، والعوائد المرتبطة بالخدمات والمنتجات المالية. كما ينبغي فرض متطلبات إفصاح إلزامية على المؤسسات المالية الكبرى، والمنتجات المالية المعقدة، والأدوات المتداولة في السوق. أما الركيزة الثانية فهي تطوير أنظمة التقييم الائتماني، باعتبارها من الأعمدة الأساسية في الأسواق المالية، على أن يتم هذا التقييم من قبل جهات مستقلة، وليس من قبل أطراف ذات مصلحة مباشرة أو جهات رقابية.
إلا أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 أظهرت محدودية الاعتماد على شركات التقييم الخاصة التي تسعى لتحقيق الربح، مما يجعل من الضروري البحث عن نموذج بديل يقوم على توازن بين أهداف الدولة والائتمان العام وآليات السوق، مع تعزيز دور التنظيم الذاتي في القطاعات المختلفة، وتطوير روابط صناعية وهيئات مهنية قادرة على دعم هذا التوجه.
تمويل ديون الحكومات
المحلية وإدارة المخاطر
وفيما يتعلق بتمويل ديون الحكومات المحلية، فإن إنشاء آليات تمويل شفافة وعلنية يمثل ضرورة ملحّة، نظراً لكون أحد أسباب ارتفاع مستويات المديونية في القطاعات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة يعود إلى اعتماد الحكومات المحلية على التمويل بالدين لدعم النمو الاقتصادي. ويستلزم ذلك معالجة هيكلية، لا سيما على مستوى النظام النقدي والمالي، رغم استمرار الحاجة الموضوعية للقروض لتمويل فجوات الخدمات العامة ومشروعات البنية التحتية، خصوصاً في ظل مرحلة التحضر التي تمر بها الصين، وما تتطلبه من استثمارات ضخمة.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير آليات تمويل شفافة للديون المحلية يسهم في تعزيز صلابة القيود المالية الحكومية والحد من المخاطر الأخلاقية، وهو ما يشكل ليس فقط جزءاً من إصلاح طويل الأمد للنظام الاقتصادي، بل أيضاً إجراءً ضرورياً للحد من المخاطر المالية قصيرة الأجل.
أطر تنظيم التمويل المحلي
وتوزيع الصلاحيات
وبالاستناد إلى تجارب الدول المختلفة، يمكن تلخيص هذه الآليات في النقاط التالية:
فصل الصلاحيات وحقوق الملكية بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية بشكل واضح، بما يضمن وضوح المسؤوليات وتجنب التداخل الإداري.
تحديد نطاق استخدام تمويل الديون بدقة، حيث تعتمد العديد من الدول ما يُعرف بـ»القاعدة الذهبية» في الاقتراض، والتي تقضي بأن يُستخدم الدين أساساً في تمويل العجز المؤقت والمشروعات الرأسمالية الأساسية ذات الطابع التنموي، دون توجيهه لتغطية عجز الموازنات التشغيلية أو دعم أنشطة لا تتوافق مع إصلاحات هيكلية في صلاحيات الحكومات المحلية. كما ينبغي أن يتماشى تمويل المشروعات التشغيلية مع توجهات الإصلاح المؤسسي، من خلال فتح المجال أمام رأس المال الخاص، وتطبيق نماذج الملكية المختلطة، والاعتماد على أدوات تمويل مثل السندات والأسهم بدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي المباشر.