تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اقتصاد‭ ‬الإزعاج‭.. ‬كيف‭ ‬تُستنزف‭ ‬أموالنا‭ ‬وأعصابنا؟

اقتصاد‭ ‬الإزعاج‭.. ‬كيف‭ ‬تُستنزف‭ ‬أموالنا‭ ‬وأعصابنا؟

بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬استمتع‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬الاسترخاء،‭ ‬وبفترات‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬أتناول‭ ‬خلالها‭ ‬المثلجات،‭ ‬بدت‭ ‬العطلة‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬الإسباني‭ ‬فرصة‭ ‬مثالية‭ ‬لمعالجة‭ ‬مشكلة‭ ‬كانت‭ ‬تؤرقني‭ ‬لشهور‭ ‬عدة‭: ‬إلغاء‭ ‬اشتراك‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬خدمات‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬لكنني‭ ‬وجدتُ‭ ‬نفسي‭ ‬أتنقل‭ ‬بين‭ ‬موظفي‭ ‬خدمة‭ ‬العملاء‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ساعة،‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬من‭ ‬التحويلات‭ ‬والموسيقى‭ ‬الرديئة‭ ‬والوعود‭ ‬الزائفة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أستسلم‭ ‬تماماً‭.‬
هذا‭ ‬الموقف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عثرة‭ ‬في‭ ‬عطلة‭ ‬صيفية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تجسيد‭ ‬حي‭ ‬لما‭ ‬بات‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‮«‬اقتصاد‭ ‬الإزعاج‮»‬‭ . ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬لا‭ ‬يصف‭ ‬مجرد‭ ‬سوء‭ ‬إدارة،‭ ‬بل‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬متكامل‭ ‬يتغذى‭ ‬على‭ ‬وقتنا،‭ ‬وأعصابنا،‭ ‬ومدخراتنا،‭ ‬مستخدماً‭ ‬ترسانة‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬المزعجة،‭ ‬والمكالمات‭ ‬الآلية،‭ ‬والرسوم‭ ‬الخفية،‭ ‬وبرامج‭ ‬الدردشة‭ ‬التي‭ ‬صُممت‭ ‬لتعيق‭ ‬لا‭ ‬لتعين‭.‬

أرقام‭ ‬صادمة‭.. ‬كم‭ ‬تبلغ‭ ‬قيمة‭ ‬‮«‬صداعنا‮»‬‭ ‬السنوي؟

وفقاً‭ ‬لتقرير‭ ‬حديث،‭ ‬يشمل‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإزعاج‭ ‬عدداً‭ ‬لا‭ ‬يُحصى‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الناس‭ ‬يشعرون‭ ‬‮«‬بالإرهاق،‭ ‬والتجاهل،‭ ‬أو‭ ‬التلاعب‭ ‬بهم‮»‬‭. ‬الإجمالي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعور‭ ‬بالضيق،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نزيف‭ ‬مادي‭ ‬مهول‭ ‬يقدر‭ ‬بـ‭ ‬165‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحدها‭.‬
هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يعكس‭ ‬تكلفة‭ ‬الفرصة‭ ‬البديلة‭ ‬للوقت‭ ‬الذي‭ ‬يقضيه‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬البيروقراطية‭ ‬الرقمية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬تُسحب‭ ‬من‭ ‬الحسابات‭ ‬البنكية‭ ‬عبر‭ ‬اشتراكات‭ ‬‮«‬منسية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬رسوم‭ ‬لم‭ ‬يُعلن‭ ‬عنها‭ ‬بوضوح‭. ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬توفير‭ ‬الراحة‮»‬‭ ‬اليوم‭ ‬خدمة‭ ‬فاخرة‭ ‬تستوجب‭ ‬دفع‭ ‬مبالغ‭ ‬إضافية؛‭ ‬حيث‭ ‬تروي‭ ‬كاثرين‭ ‬كلارك،‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬مساعدين‭ ‬شخصيين‭ ‬بشريين،‭ ‬أن‭ ‬طلبات‭ ‬عملائها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتعلق‭ ‬بحجز‭ ‬طائرات‭ ‬خاصة،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تتركز‭ ‬حول‭ ‬مهمة‭ ‬واحدة‭: ‬‮«‬تولَّ‭ ‬عني‭ ‬مهمة‭ ‬الانتظار‭ ‬على‭ ‬الهاتف‭ ‬مع‭ ‬مراكز‭ ‬الخدمات،‭ ‬واسترد‭ ‬لي‭ ‬أموالي‭ ‬من‭ ‬براثن‭ ‬الروبوتات‮»‬‭.‬

من‭ ‬‮«‬التوجيه‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التحايل‮»‬‭.. ‬هندسة‭ ‬الخيارات‭ ‬الخبيثة

في‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السلوكي،‭ ‬صاغ‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬ريتشارد‭ ‬ثالر،‭ ‬مع‭ ‬زميله‭ ‬كاس‭ ‬سانستين،‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التوجيه‮»‬‭ (‬Nudging‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬استخدام‭ ‬تصميمات‭ ‬ذكية‭ ‬لمساعدة‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬أفضل‭ (‬مثل‭ ‬وضع‭ ‬الفاكهة‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬المقاصف‭ ‬المدرسية‭).‬
لكن‭ ‬الشركات‭ ‬قلبت‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬لتبتكر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬التحايل‮»‬‭. ‬التحايل‭ ‬هو‭ ‬‮«‬هندسة‭ ‬خيارات‮»‬‭ ‬مصممة‭ ‬لعرقلة‭ ‬المستخدم‭ ‬ومنعه‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بما‭ ‬ينفعه‭ (‬مثل‭ ‬إلغاء‭ ‬اشتراك‭ ‬مكلف‭). ‬يكتب‭ ‬ثالر‭ ‬محذراً‭: ‬‮«‬التحايل‭ ‬يدفع‭ ‬نحو‭ ‬الشر‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬‮«‬الاحتفاظ‭ ‬القسري‮»‬‭ ‬بالعملاء؛‭ ‬فبينما‭ ‬يمكنك‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬خدمة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬نقرة‭ ‬واحدة‮»‬،‭ ‬يتطلب‭ ‬الخروج‭ ‬منها‭ ‬رحلة‭ ‬ماراثونية‭ ‬تشمل‭ ‬مكالمات‭ ‬هاتفية‭ ‬واستبيانات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬‮«‬القصور‭ ‬الذاتي‮»‬‭ ‬وإرهاق‭ ‬الإنسان‭ ‬ليدفع‭ ‬ثمن‭ ‬اشتراك‭ ‬لا‭ ‬يريده‭.‬

فخ‭ ‬الاشتراكات‭.. ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬‮«‬البنطال‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬خاسر

قصة‭ ‬السيدة‭ ‬التي‭ ‬اتصلت‭ ‬بإذاعة‭ ‬‮«‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬4‮»‬‭ ‬تلخص‭ ‬مأساة‭ ‬هذا‭ ‬الاقتصاد؛‭ ‬فبعد‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬بناطيل‭ ‬ضيقة،‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬شراءً‭ ‬لمرة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬فخ‭ ‬اشتراك‮»‬‭ ‬شهري‭ ‬كلفها‭ ‬إجمالاً‭ ‬5000‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭.‬
هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الرسوم‭ ‬الخلفية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الاشتراكات‭ ‬المظلمة‮»‬‭. ‬الشركات‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المستهلك‭ ‬المعاصر،‭ ‬الغارق‭ ‬في‭ ‬مئات‭ ‬الرسائل‭ ‬البريدية،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يلاحظ‭ ‬خصماً‭ ‬صغيراً‭ ‬كل‭ ‬شهر‭. ‬وبمرور‭ ‬السنوات،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬المبالغ‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬أرباح‭ ‬طائلة‭ ‬للشركات،‭ ‬مستغلةً‭ ‬تشتت‭ ‬الانتباه‭ ‬البشري‭ ‬كأصل‭ ‬مالي‭.‬

الإزعاج‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭.. ‬بيروقراطية‭ ‬الرقمنة

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الإزعاج‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬الشركة‭ ‬بالعميل،‭ ‬بل‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬مكاتبنا‭. ‬البرمجيات‭ ‬المعقدة‭ ‬والأنظمة‭ ‬الإدارية‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬تزيد‭ ‬الإنتاجية‮»‬‭ ‬أصبحت‭ ‬تستنزف‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مهام‭ ‬‮«‬بائسة‮»‬‭.‬
وبحسب‭ ‬روبرت‭ ‬ساتون،‭ ‬المؤلف‭ ‬المشارك‭ ‬لـ«مشروع‭ ‬الاحتكاك‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬أفضل‭ ‬المديرين‭ ‬هم‭ ‬‮«‬منظفو‭ ‬الطريق‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬بشتى‭ ‬السبل‭ ‬لتقليل‭ ‬‮«‬الاحتكاك‮»‬‭ ‬الإداري‭ ‬حتى‭ ‬يتمكن‭ ‬الموظفون‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مهامهم‭ ‬الحقيقية‭. ‬الإزعاج‭ ‬الداخلي‭ ‬‭(‬مثل‭ ‬طلبات‭ ‬الموافقة‭ ‬المعقدة‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬كلمات‭ ‬المرور‭ ‬المتكرر‭) ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬الرضا‭ ‬الوظيفي‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الاحتراق‭ ‬النفسي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يكلف‭ ‬الشركات‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬نتيجة‭ ‬انخفاض‭ ‬الإنتاجية‭.‬

المواجهة‭ ‬القانونية‭.. ‬هل‭ ‬تكفي‭ ‬الغرامات؟

بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬التحرك‭ ‬لمواجهة‭ ‬‮«‬هندسة‭ ‬الإزعاج‮»‬‭. ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬وافقت‭ ‬‮«‬أمازون‮»‬‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬كتعويضات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجدت‭ ‬لجنة‭ ‬التجارة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬استقطبت‮»‬‭ ‬ملايين‭ ‬العملاء‭ ‬لخدمة‭ ‬‮«‬برايم‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬جعلت‭ ‬إلغاءها‭ ‬يشبه‭ ‬محاولة‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬متاهة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يرى‭ ‬أندريه‭ ‬سبايسر،‭ ‬المؤلف‭ ‬المشارك‭ ‬لـ«فن‭ ‬التقليل‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬القوانين‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬رد‭ ‬فعل‮»‬،‭ ‬وبينما‭ ‬تسد‭ ‬ثغرة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬تفتح‭ ‬الشركات‭ ‬ثغرات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭. ‬الحل‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬قانونياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ثقة‭ ‬العميل‮»‬‭ ‬أصل‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬‮«‬الرسوم‭ ‬الخفية‮»‬‭.‬

المقاومة‭ ‬بالجمال‭ ‬والسخرية

في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الجحيم‭ ‬الرقمي‮»‬،‭ ‬يجد‭ ‬البعض‭ ‬ملاذاً‭ ‬في‭ ‬الفن‭. ‬الشاعر‭ ‬الأيرلندي‭ ‬كياران‭ ‬أودريسكول‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬‮«‬الرجاء‭ ‬الانتظار‮»‬‭ ‬يصف‭ ‬ببراعة‭ ‬تجربة‭ ‬الانتظار‭ ‬على‭ ‬الهاتف،‭ ‬حيث‭ ‬الموسيقى‭ ‬الرديئة‭ ‬وصوت‭ ‬الروبوت‭ ‬الذي‭ ‬يكرر‭ ‬ببرود‭: ‬‮«‬مكالمتك‭ ‬مهمة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬تشير‭ ‬كل‭ ‬ثانية‭ ‬تمر‭ ‬إلى‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬تماماً‭.‬
هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬تلك‭ ‬الردود‭ ‬الفردية‭ ‬الساخرة،‭ ‬مثل‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬‮«‬كسر‮»‬‭ ‬روبوت‭ ‬الدردشة‭ ‬الخاص‭ ‬بشركة‭ ‬توصيل،‭ ‬ودفعه‭ ‬للاعتراف‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬عديم‭ ‬الفائدة‮»‬‭ ‬وأن‭ ‬الشركة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬العالم‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬من‭ ‬‮«‬الانتصار‭ ‬الإنساني‮»‬‭ ‬الصغير‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يمنحنا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬عالم‭ ‬يحاول‭ ‬تحويلنا‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬ربحية‭ ‬مزعجة‭.‬

نحو‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬الاحترام‮»‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬اليوم‭ ‬بـ«اقتصاد‭ ‬الإزعاج‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬لتطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬انتشار‭ ‬الرقمنة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬حصيلـة‭ ‬خيارات‭ ‬تصميميــة‭ ‬وتجارية‭ ‬اتخذتها‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬بهدف‭ ‬تعظيم‭ ‬الأرباح‭ ‬وتقليل‭ ‬التكاليف،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬راحة‭ ‬المستخدم‭ ‬ووقته‭ ‬وتركيزه‭. ‬فالمكالمات‭ ‬الآلية،‭ ‬والإشعارات‭ ‬المتكررة،‭ ‬والنوافذ‭ ‬المنبثقة،‭ ‬ورسائل‭ ‬التسويق‭ ‬غير‭ ‬المرغوب‭ ‬فيها،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬تقنية‭ ‬بريئة،‭ ‬بل‭ ‬نمط‭ ‬اقتصادي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬الانتباه‭ ‬باعتباره‭ ‬موردًا‭ ‬تجاريًا‭.‬
إن‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يُهدره‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬إلغاء‭ ‬اشتراك‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬عملاء‭ ‬آلية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬معقدة‭ ‬ومصممة‭ ‬بشكل‭ ‬مربك،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬وقت‭ ‬مسلوب‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثيره‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الفردي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليؤثر‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية‭ ‬العامة،‭ ‬والإبداع،‭ ‬وجودة‭ ‬الحياة،‭ ‬وحتى‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تتآكل‭ ‬تدريجياً‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الانشغال‭ ‬الرقمي‭ ‬المستمر‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬بـ«اقتصاد‭ ‬الاحترام‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬لزمن‭ ‬الإنسان‭ ‬وطاقته‭ ‬الذهنية،‭ ‬ويضع‭ ‬تجربة‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬عملية‭ ‬التصميم‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬هامشها‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬نجاح‭ ‬الشركات‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الأرباح‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬المستخدمين،‭ ‬بل‭ ‬يُقاس‭ ‬أيضًا‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬الاحتكاك،‭ ‬وتبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصية‭ ‬ووقت‭ ‬المستهلك‭.‬
إن‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يتطلب‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«ثورة‭ ‬على‭ ‬الاحتكاك‭ ‬الرقمي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬بشكل‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬التعقيد‭ ‬غير‭ ‬الضروري،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الإزعاج‭ ‬المتعمد،‭ ‬ويمنح‭ ‬المستخدم‭ ‬تجربة‭ ‬أكثر‭ ‬سلاسة‭ ‬وشفافية‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬أنظمة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إرباك‭ ‬المستخدم‭ ‬لدفعه‭ ‬إلى‭ ‬خيارات‭ ‬معينة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬بيئات‭ ‬رقمية‭ ‬واضحة،‭ ‬سريعة،‭ ‬ومحترمة‭ ‬لقرارات‭ ‬الفرد‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يصبح‭ ‬دور‭ ‬التشريعات‭ ‬والرقابة‭ ‬الرقمية‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية،‭ ‬لضبط‭ ‬ممارسات‭ ‬الشركات‭ ‬ومنع‭ ‬الاستخدام‭ ‬المفرط‭ ‬لأساليب‭ ‬الإزعاج‭ ‬التجاري،‭ ‬مثل‭ ‬الرسائل‭ ‬غير‭ ‬المرغوب‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬المكالمات‭ ‬التلقائية‭ ‬المتكررة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وعي‭ ‬المستخدمين‭ ‬أنفسهم‭ ‬يلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬السوق‭ ‬نحو‭ ‬التغيير،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفض‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬وقتهم‭ ‬وتجربتهم‭.‬

رجوع لأعلى