تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اقتصاد‭ ‬الفضاء‭.. ‬من‭ ‬سباق‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬إمبراطورية‭ ‬التريليونات

اقتصاد‭ ‬الفضاء‭.. ‬من‭ ‬سباق‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬إمبراطورية‭ ‬التريليونات

لم‭ ‬يعد‭ ‬الفضاء‭ ‬الخارجي‭ ‬مجرد‭ ‬مسرح‭ ‬للإنجازات‭ ‬العلمية‭ ‬أو‭ ‬ساحة‭ ‬للتنافس‭ ‬السياسي‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬نمواً‭ ‬وإثارة‭ ‬للاهتمام‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬هو‭ ‬محور‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬سبيس‭ ‬تو‭ ‬غرو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ألفه‭ ‬الباحثان‭ ‬ماثيو‭ ‬وينزيرل‭ ‬وبريندان‭ ‬روسو‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬هارفارد‭ ‬للأعمال،‭ ‬حيث‭ ‬يقدمان‭ ‬قراءة‭ ‬اقتصادية‭ ‬معمقة‭ ‬لمسيرة‭ ‬الفضاء‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬الحكومية‭ ‬وحتى‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬تجارية‭ ‬ضخمة‭ ‬تستقطب‭ ‬الشركات‭ ‬والمستثمرين‭.‬

تحول‭ ‬تاريخي
يرى‭ ‬المؤلفان‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفضائي‭ ‬مر‭ ‬بمرحلتين‭ ‬مختلفتين‭ ‬تماماً‭. ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬خلال‭ ‬حقبة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬عندما‭ ‬اعتُبر‭ ‬الفضاء‭ ‬مشروعاً‭ ‬وطنياً‭ ‬واستراتيجياً‭ ‬تموله‭ ‬الحكومات‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬لتحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬العلمي‭ ‬والعسكري‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أنفقت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مبالغ‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬برامج‭ ‬الفضاء،‭ ‬ووصلت‭ ‬تكلفة‭ ‬برنامج‭ ‬الهبوط‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬القمر‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬شكلت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬4‭% ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬الأمريكي‭.‬
لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬بدأت‭ ‬التحديات‭ ‬البيروقراطية‭ ‬وارتفاع‭ ‬التكاليف‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬التوسع‭ ‬بنفس‭ ‬الوتيرة،‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬ظهور‭ ‬شركات‭ ‬خاصة‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وأقل‭ ‬تكلفة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفضائي‭ ‬الحديث‭ ‬بالتشكل،‭ ‬لتنتقل‭ ‬قيادة‭ ‬الابتكار‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬الوكالات‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭.‬

ثورة‭ ‬الإطلاقات
يشير‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نقطة‭ ‬التحول‭ ‬الأبرز‭ ‬جاءت‭ ‬مع‭ ‬إطلاق‭ ‬برنامج‭ ‬الخدمات‭ ‬التجارية‭ ‬للنقل‭ ‬المداري‭ ‬عام‭ ‬2006،‭ ‬عندما‭ ‬منحت‭ ‬وكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأمريكية‭ ‬تمويلاً‭ ‬لشركات‭ ‬ناشئة‭ ‬بهدف‭ ‬تطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬النقل‭ ‬الفضائي‭ ‬التجاري‭. ‬وكانت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬سبيس‭ ‬إكس‮»‬‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج،‭ ‬لتصبح‭ ‬لاحقاً‭ ‬النموذج‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحاً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬صناعة‭ ‬الفضاء‭ ‬الحديثة‭.‬
أدى‭ ‬دخول‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬ثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الإطلاق‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬تكلفة‭ ‬إرسال‭ ‬كيلوغرام‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬المدار‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬90‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬عصر‭ ‬المكوك‭ ‬الفضائي،‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬التكاليف‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬وتيرة‭ ‬الإطلاقات‭ ‬وقدرة‭ ‬القطاع‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬السريع،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الفضاء‭ ‬أكثر‭ ‬قرباً‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬اليومي‭.‬
وأصبحت‭ ‬عمليات‭ ‬الإطلاق‭ ‬التجارية‭ ‬اليوم‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لقطاع‭ ‬الفضاء‭ ‬العالمي،‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬خدمات‭ ‬الإنترنت‭ ‬الفضائي‭ ‬والاتصالات‭ ‬ونقل‭ ‬البيانات،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬جاذبية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ورفع‭ ‬قيم‭ ‬الشركات‭ ‬العاملة‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬

اقتصاد‭ ‬البيانات
الانخفاض‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المدار‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬نشوء‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة‭ ‬بالكامل‭. ‬فالأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬الأغراض‭ ‬العسكرية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مصدراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للبيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والبيئية‭ ‬والتجارية‭.‬
وباتت‭ ‬شركات‭ ‬متخصصة‭ ‬توفر‭ ‬صوراً‭ ‬فضائية‭ ‬عالية‭ ‬الدقة‭ ‬لمراقبة‭ ‬المحاصيل‭ ‬الزراعية،‭ ‬ورصد‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وتتبع‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الكربونية،‭ ‬ومراقبة‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬والصيد‭ ‬البحري‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬الحكومات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬الفضائية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية‭.‬
هذا‭ ‬التطور‭ ‬حول‭ ‬المدار‭ ‬الأرضي‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والإنترنت،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬البيانات‭ ‬الفضائية‭ ‬سلعة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

تحديات‭ ‬الملكية
رغم‭ ‬النمو‭ ‬السريع،‭ ‬يؤكد‭ ‬الكتاب‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفضائي‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬قانونية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬معقدة‭. ‬فمعاهدة‭ ‬الفضاء‭ ‬الخارجي‭ ‬الموقعة‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الفضاء‭ ‬ملك‭ ‬للبشرية‭ ‬جمعاء،‭ ‬لكنها‭ ‬وضعت‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحد‭ ‬يتصور‭ ‬فيه‭ ‬وجود‭ ‬شركات‭ ‬خاصة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬الفضائية‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأرباح‭ ‬منها‭.‬
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الخطط‭ ‬الأمريكية‭ ‬والصينية‭ ‬لإقامة‭ ‬قواعد‭ ‬دائمة‭ ‬قرب‭ ‬القطب‭ ‬الجنوبي‭ ‬للقمر،‭ ‬حيث‭ ‬توجد‭ ‬احتياطيات‭ ‬جليدية‭ ‬ضخمة‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬لإنتاج‭ ‬الماء‭ ‬والوقود‭ ‬اللازمين‭ ‬للبعثات‭ ‬المستقبلية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬دولي‭ ‬واضح،‭ ‬تتزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬القمر‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬جديدة‭ ‬للتنافس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والجيوسياسي‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يواصل‭ ‬قطاع‭ ‬التعدين‭ ‬الفضائي‭ ‬جذب‭ ‬اهتمام‭ ‬المستثمرين‭ ‬بعد‭ ‬اكتشاف‭ ‬كويكبات‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬والثمينة‭. ‬وقد‭ ‬عززت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬عندما‭ ‬أقرت‭ ‬تشريعات‭ ‬تمنح‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬حق‭ ‬امتلاك‭ ‬الموارد‭ ‬المستخرجة‭ ‬من‭ ‬الفضاء،‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سباق‭ ‬استثماري‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬نحو‭ ‬الثروات‭ ‬الكامنة‭ ‬خارج‭ ‬الأرض‭.‬

مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفضائي
يخلص‭ ‬المؤلفان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفضاء‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬قطاعاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬متكاملاً‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬والتمويل‭ ‬والتجارة‭ ‬العالمية‭. ‬فكما‭ ‬غيرت‭ ‬الثورة‭ ‬الرقمية‭ ‬شكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬التوسع‭ ‬الفضائي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬قطاعات‭ ‬كاملة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬المقبلة‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬المستقبل‭ ‬الواعد‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬المخاطر،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬النفايات‭ ‬الفضائية‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬سلامة‭ ‬المدارات،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬والثروات‭ ‬الجديدة‭. ‬وبينما‭ ‬يتسابق‭ ‬العالم‭ ‬نحو‭ ‬استغلال‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬خارج‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬البشرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬تكرار‭ ‬الأخطاء‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

رجوع لأعلى