تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسهم‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬قممها‭ ‬السنوية‭ ‬

الأسهم‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬قممها‭ ‬السنوية‭ ‬

شهدت‭ ‬قاعات‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬تعاملات‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬فصلاً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬الثقة‭ ‬المفرطة،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬الأسهم‭ ‬الأمريكية‭ ‬صعوداً‭ ‬جماعياً‭ ‬قوياً‭ ‬عكس‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬المناعة‮»‬‭ ‬المكتسبة‭ ‬ضد‭ ‬الأزمات‭ ‬الخارجية‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المالي،‭ ‬الذي‭ ‬يتسم‭ ‬بالمرونة‭ ‬الفائقة،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الأنظار‭ ‬تتجه‭ ‬بقلق‭ ‬نحو‭ ‬التعقيدات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتزايدة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬اختار‭ ‬المستثمرون‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬تجاهل‭ ‬الضجيج‮»‬،‭ ‬مفضلين‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬آفاق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستقبلي‭ ‬وإشارات‭ ‬التهدئة‭ ‬المحتملة،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬بالمؤشرات‭ ‬الرئيسية‭ ‬نحو‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬تلامس‭ ‬القمم‭ ‬السنوية‭ ‬المحققة‭ ‬سابقاً‭.‬
لقد‭ ‬كان‭ ‬الأداء‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬بمثابة‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية؛‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬المحركات‭ ‬الداخلية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ثورة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬واستقرار‭ ‬البيانات‭ ‬الكلية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتفوق‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬المخاوف‭ ‬السياسية‭ ‬العابرة‭. ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬صعود‭ ‬عشوائي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬تحركاً‭ ‬مدروساً‭ ‬قادته‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬مما‭ ‬عزز‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬الأسهم‭ ‬كخيار‭ ‬استثماري‭ ‬أول‭ ‬رغم‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬المتبقية‭ ‬والتوترات‭ ‬الدولية‭.‬

قفزات‭ ‬نوعية‭ ‬للمؤشرات‭ ‬الرئيسية

عند‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬مؤشر‭ ‬S&P 500،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬المقياس‭ ‬الأوسع‭ ‬لصحة‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬قد‭ ‬قفز‭ ‬بنسبة‭ ‬1‭.‬18‭%. ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬وضعت‭ ‬المؤشر‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬قصيرة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬له‭ ‬خلال‭ ‬52‭ ‬أسبوعاً،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يفصله‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬سوى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬1‭%. ‬هذا‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬القمة‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الأسعار‭ ‬نحو‭ ‬مناطق‭ ‬استكشافية‭ ‬جديدة،‭ ‬مدعومين‭ ‬بتدفقات‭ ‬نقدية‭ ‬قوية‭.‬
من‭ ‬جانبه،‭ ‬لم‭ ‬يتخلف‭ ‬مؤشر‭ ‬Dow Jones Industrial Average‭ ‬عن‭ ‬الركب،‭ ‬حيث‭ ‬أضاف‭ ‬إلى‭ ‬رصيده‭ ‬نحو‭ ‬317‭ ‬نقطة‭. ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬الشركات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصعود‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬أسهم‭ ‬النمو‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬شمل‭ ‬أيضاً‭ ‬القيمة‭ ‬والشركات‭ ‬التقليدية،‭ ‬مما‭ ‬يعطي‭ ‬طابعاً‭ ‬شمولياً‭ ‬للتعافي‭. ‬أما‭ ‬النجم‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجلسة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬مؤشر‭ ‬Nasdaq Composite،‭ ‬الذي‭ ‬حلق‭ ‬عالياً‭ ‬بارتفاع‭ ‬بلغت‭ ‬نسبته‭ ‬1‭.‬96‭%. ‬هذا‭ ‬التفوق‭ ‬النوعي‭ ‬للنازداك‭ ‬يعود‭ ‬بالأساس‭ ‬إلى‭ ‬الوزن‭ ‬النسبي‭ ‬الثقيل‭ ‬لشركات‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬شهية‭ ‬المخاطرة‭ ‬المفتوحة‭ ‬لدى‭ ‬المستثمرين‭.‬
المحرك‭ ‬التوربيني‭ ‬لقطار‭ ‬الصعود

لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬مطولاً‭ ‬عند‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يمثل‭ ‬‮«‬العمود‭ ‬الفقري‮»‬‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬الحديث‭. ‬إن‭ ‬الزخم‭ ‬الذي‭ ‬تولده‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬تفاؤل‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬هيكلي‭ ‬للنمو‭. ‬خلال‭ ‬جلسة‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬برزت‭ ‬شركة‭ ‬Oracle‭ ‬كأحد‭ ‬القادة‭ ‬الميدانيين،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفع‭ ‬سهمها‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭%. ‬ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬استكمالاً‭ ‬لمكاسب‭ ‬ضخمة‭ ‬حققتها‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬السابقة‭ ‬تجاوزت‭ ‬12‭%‬،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬ثقة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬تحول‭ ‬الشركة‭ ‬نحو‭ ‬الخدمات‭ ‬السحابية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬
بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬واصلت‭ ‬أسهم‭ ‬العمالقة‭ ‬مثل‭ ‬NVIDIA‭ ‬وPalantir‭ ‬Technologies‭ ‬مسارها‭ ‬التصاعدي‭. ‬إن‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وأنظمة‭ ‬تحليل‭ ‬البيانات‭ ‬المتقدمة‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬ملاذاً‭ ‬للمستثمرين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬نمو‭ ‬مستدام‭. ‬ورغم‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تحذر‭ ‬من‭ ‬‮«‬فقاعة‮»‬‭ ‬محتملة‭ ‬بسبب‭ ‬التقييمات‭ ‬المرتفعة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬المالية‭ ‬الفعلية‭ ‬وتوقعات‭ ‬التدفقات‭ ‬النقدية‭ ‬المستقبلية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تبرر‭ ‬هذه‭ ‬الارتفاعات‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الكثيرين‭. ‬إن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قطاعاً‭ ‬مضاربيًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الجديدة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬دورها‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬اتجاه‭ ‬المؤشرات‭.‬

مفارقة‭ ‬الجيوسياسة‭: ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الانهيار‭ ‬والأمل

من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية،‭ ‬كانت‭ ‬الأنباء‭ ‬الواردة‭ ‬خلال‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تعثر‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬محادثات‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭. ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية،‭ ‬كانت‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأخبار‭ ‬كفيلة‭ ‬بإثارة‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬واسعة‭ (‬Sell-off‭) ‬وهروب‭ ‬نحو‭ ‬الأصول‭ ‬الآمنة‭ ‬مثل‭ ‬الذهب‭ ‬والسندات‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬كان‭ ‬مغايراً‭ ‬تماماً؛‭ ‬حيث‭ ‬أظهر‭ ‬المتداولون‭ ‬قدرة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭.‬
لقد‭ ‬استندت‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬الإيجابية‭ ‬إلى‭ ‬تصريحات‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬والتي‭ ‬ألمح‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬رغبة‭ ‬كامنة‭ ‬لدى‭ ‬الأطراف‭ ‬الأخرى‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات‭. ‬هذه‭ ‬التصريحات،‭ ‬رغم‭ ‬افتقارها‭ ‬لخطوات‭ ‬تنفيذية‭ ‬ملموسة،‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لتهدئة‭ ‬روع‭ ‬الأسواق‭. ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬أصبحوا‭ ‬يطبقون‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬شراء‭ ‬الأخبار‭ ‬السيئة‮»‬‭ ‬مراهنين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التصعيد‭ ‬الحالي‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬تكتيكاً‭ ‬للتفاوض،‭ ‬وليس‭ ‬مقدمة‭ ‬لصراع‭ ‬شامل‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬النوعي‭ ‬في‭ ‬سيكولوجية‭ ‬السوق‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬باتت‭ ‬تُسعّر‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬‮«‬الاحتمالات‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬اليقين‭ ‬السلبي‮»‬‭.‬

المعطيات‭ ‬الاقتصادية‭: ‬رياح‭ ‬مواتية‭ ‬
من‭ ‬جبهة‭ ‬التضخم

إلى‭ ‬جانب‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬والسياسية،‭ ‬كانت‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصلبة‭ ‬هي‭ ‬الوقود‭ ‬الحقيقي‭ ‬لهذا‭ ‬الصعود‭. ‬لقد‭ ‬جاءت‭ ‬قراءة‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬المنتجين‭ (‬PPI‭) ‬لشهر‭ ‬مارس‭ ‬لتقدم‭ ‬هدية‭ ‬ثمينة‭ ‬للأسواق،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬بوتيرة‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يخشاه‭ ‬المحللون‭. ‬هذا‭ ‬التباطؤ‭ ‬في‭ ‬ضغوط‭ ‬التكلفة‭ ‬لدى‭ ‬المنتجين‭ ‬يعتبر‭ ‬مؤشراً‭ ‬استباقياً‭ ‬لتباطؤ‭ ‬التضخم‭ ‬لدى‭ ‬المستهلكين‭ ‬مستقبلاً‭.‬
إن‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لهذه‭ ‬البيانات‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭. ‬فمع‭ ‬ظهور‭ ‬إشارات‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬التضخم،‭ ‬تزداد‭ ‬احتمالية‭ ‬لجوء‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬خفضها‭ ‬لاحقاً‭ ‬هذا‭ ‬العام‭. ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬يعتبر‭ ‬‮«‬المثالي‮»‬‭ ‬للأسهم،‭ ‬لأنه‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬للشركات‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬جاذبية‭ ‬الأرباح‭ ‬المستقبلية‭ ‬عند‭ ‬خصمها‭ ‬بمعدلات‭ ‬فائدة‭ ‬أقل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬يعزز‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمستهلك‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭.‬

استعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بسرعة‭ ‬قياسية

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تعاملات‭ ‬مطلع‭ ‬الأسبوع‭ ‬أن‭ ‬‮«‬وول‭ ‬ستريت‮»‬‭ ‬تمتلك‭ ‬ذاكرة‭ ‬قصيرة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأزمات‭ ‬وقدرة‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬التعافي‭. ‬فبحلول‭ ‬نهاية‭ ‬جلسة‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬قد‭ ‬محت‭ ‬تقريباً‭ ‬كافة‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تكبدها‭ ‬مؤشر‭ ‬S&P 500‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬التوترات‭ ‬الأخيرة‭. ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬السريعة‭ ‬لمستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة‭ ‬تعكس‭ ‬ثقة‭ ‬مؤسسية‭ ‬في‭ ‬متانة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭.‬
هذه‭ ‬المرونة‭ ‬ليست‭ ‬وليدة‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬لتوافر‭ ‬سيولة‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬المؤسسيون،‭ ‬من‭ ‬صناديق‭ ‬التحوط‭ ‬وصناديق‭ ‬التقاعد،‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬أمام‭ ‬خيارات‭ ‬محدودة؛‭ ‬فالعوائد‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متقلبة،‭ ‬بينما‭ ‬توفر‭ ‬الأسهم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والنمو،‭ ‬آفاقاً‭ ‬واعدة‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الدولار‭ ‬بشكل‭ ‬طفيف‭ ‬واستقرار‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬وفرا‭ ‬بيئة‭ ‬تشغيلية‭ ‬مريحة‭ ‬للشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬مما‭ ‬حسن‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬أرباحها‭ ‬الفصلية‭.‬

هل‭ ‬التقييمات‭ ‬الحالية‭ ‬مستدامة؟

رغم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التفاؤل،‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬حذرة‭ ‬تنادي‭ ‬بضرورة‭ ‬الانتباه‭ ‬للتقييمات‭ ‬السعرية‭. ‬فنسبة‭ ‬السعر‭ ‬إلى‭ ‬الربحية‭ (‬P/E Ratio‭) ‬لعديد‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية‭ ‬مرتفعة‭. ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬يجعل‭ ‬السوق‭ ‬‮«‬هشاً‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬مفاجآت‭ ‬سلبية؛‭ ‬فإذا‭ ‬جاءت‭ ‬نتائج‭ ‬الأعمال‭ ‬القادمة‭ ‬دون‭ ‬التوقعات،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬حدث‭ ‬تصعيد‭ ‬عسكري‭ ‬غير‭ ‬محسوب،‭ ‬فقد‭ ‬نشهد‭ ‬عملية‭ ‬تصحيح‭ ‬قاسية‭ ‬تعيد‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭.‬
علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تركز‭ ‬مكاسب‭ ‬السوق‭ ‬في‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ (‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بأسهم‭ ‬العمالقة‭ ‬السبعة‭) ‬يخلق‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التوازن‭. ‬فإذا‭ ‬تعثر‭ ‬أحد‭ ‬هؤلاء‭ ‬العمالقة،‭ ‬فقد‭ ‬يسحب‭ ‬المؤشرات‭ ‬بأكملها‭ ‬نحو‭ ‬الأسفل،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬بقية‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭.‬

سيناريوهات‭ ‬المستقبل‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تتجه‭ ‬البوصلة؟

بناءً‭ ‬على‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية،‭ ‬يمكن‭ ‬رسم‭ ‬ثلاث‭ ‬مسارات‭ ‬محتملة‭ ‬لحركة‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور‭:‬
السيناريو‭ ‬المتفائل‭ (‬The Bull Case‭): ‬ويقوم‭ ‬على‭ ‬فرضية‭ ‬نجاح‭ ‬الجهود‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬استئناف‭ ‬المفاوضات‭ ‬الدولية،‭ ‬وتزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬هبوط‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬نحو‭ ‬مستهدفات‭ ‬الفيدرالي‭ (‬2%‭). ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬قد‭ ‬نشهد‭ ‬‮«‬رالي‮»‬‭ ‬صعودي‭ ‬يدفع‭ ‬بالمؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭.‬
السيناريو‭ ‬المتوازن‭ (‬The Sideways Case‭): ‬وهو‭ ‬الاحتمال‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحاً،‭ ‬حيث‭ ‬تدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التذبذب‭ ‬العرضي‭. ‬يتم‭ ‬فيه‭ ‬استيعاب‭ ‬المكاسب‭ ‬الحالية‭ ‬مع‭ ‬ترقب‭ ‬نتائج‭ ‬الشركات‭ ‬الفصلية،‭ ‬حيث‭ ‬تظل‭ ‬المؤشرات‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬قممها‭ ‬دون‭ ‬اختراقات‭ ‬كبيرة،‭ ‬بانتظار‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬بشأن‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬
السيناريو‭ ‬الحذر‭ (‬The Bear Case‭): ‬ويفترض‭ ‬وقوع‭ ‬أحداث‭ ‬جيوسياسية‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭ ‬أو‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬للارتفاع‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬نتيجة‭ ‬صدمة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭. ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عمليات‭ ‬بيع‭ ‬لجني‭ ‬الأرباح‭ ‬وتصحيح‭ ‬سعري‭ ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬5‭% ‬إلى‭ ‬10‭%‬،‭ ‬لإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬الأصول‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المخاطر‭ ‬الجديدة‭.‬

رجوع لأعلى