الأسهم الصغيرة والمتوسطة تواصل جذب اهتمام المستثمرين
أنهت بورصة الكويت تعاملات الأسبوع الفائت على أداء متباين بين مؤشرات السوق الرئيسية، في مشهد يعكس استمرار حالة إعادة توزيع السيولة بين الأسهم والقطاعات، مع ميل واضح نحو الشركات الصغيرة والمتوسطة، ورغم الضغوط التي تعرضت لها الأسهم القيادية، استطاع السوق الحفاظ على قدرته على امتصاص التراجعات، مدعوماً بتحسن ملحوظ في مؤشرات النشاط والسيولة وأحجام التداول.
وجاء الأداء الأسبوعي في ظل بيئة استثمارية لا تزال تتأثر بالتطورات الجيوسياسية، خصوصاً مع ترقب المستثمرين لما ستؤول إليه الأوضاع بعد انتهاء هدنة مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، الأمر الذي جعل التحركات اليومية للسوق أكثر حساسية تجاه الأخبار والتطورات الخارجية.
وبالنظر إلى الصورة الإجمالية، فإن التراجع المسجل في المؤشرات القيادية لم يكن مصحوباً بحالة بيع مكثفة، وهو ما يعطي قراءة أكثر توازناً لأداء السوق، خصوصاً أن جزءاً من الضغوط التي ظهرت خلال الأسبوع يمكن إدراجه ضمن عمليات جني الأرباح الطبيعية بعد التحركات السابقة.
صعود قوي
سجل مؤشر السوق الأول تراجعاً بنسبة 0.63 % خلال الأسبوع، بما يعادل 58.14 نقطة، ليغلق عند مستوى 9239.72 نقطة، في حين انخفض مؤشر السوق العام بنسبة 0.23 %، فاقداً 20.69 نقطة، لينهي التعاملات عند 8818.26 نقطة.
في المقابل، قدمت الأسهم المدرجة ضمن السوق الرئيسي أداءً أكثر إيجابية، إذ ارتفع مؤشر السوق الرئيسي بنسبة 1.70 %، بما يعادل 150.12 نقطة، ليصل إلى 8988.42 نقطة، كما صعد مؤشر السوق الرئيسي 50 بنسبة 1.99 %، مرتفعاً 207.73 نقطة، ليغلق عند مستوى 10632.25 نقطة.
وتكشف هذه الأرقام عن اختلاف واضح في اتجاهات السيولة بين مكونات السوق، إذ بدت الأسهم الصغيرة والمتوسطة أكثر جذباً للمتعاملين خلال الأسبوع، في وقت تعرضت فيه الأسهم القيادية لضغوط محدودة حالت دون استمرار موجة الصعود السابقة.
ويعكس هذا التباين أيضاً وجود فرص انتقائية داخل السوق، بدلاً من تحرك جماعي في اتجاه واحد، مع استمرار المستثمرين في البحث عن الأسهم التي تتمتع بتقييمات مناسبة أو تمتلك مقومات أساسية قادرة على دعم أدائها على المدى الطويل.
السيولة تقفز
كان التحسن في نشاط التداول أحد أبرز ملامح الأسبوع، إذ ارتفعت السيولة المتداولة بنسبة 37% لتصل إلى 472.59 مليون دينار، في إشارة إلى زيادة واضحة في حركة الأموال داخل السوق.
ولم يقتصر التحسن على قيمة التداولات، إذ ارتفع عدد الصفقات المنفذة بنسبة 22.82 % ليبلغ نحو 117.47 ألف صفقة، فيما قفزت أحجام التداول إلى 1.79 مليار سهم، مسجلة زيادة أسبوعية قدرها 38.98 %.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة عند مقارنتها بأداء المؤشرات، إذ جاءت الزيادة الكبيرة في التداولات بالتزامن مع تراجع محدود للمؤشر الأول والسوق العام، وهو ما يشير إلى أن النشاط لم يكن مرتبطاً فقط بعمليات بيع، وإنما يعكس أيضاً انتقالاً للسيولة بين الأسهم وارتفاعاً في معدلات التداول.
كما أن ارتفاع أحجام التداول بالتوازي مع زيادة عدد الصفقات يؤكد اتساع قاعدة النشاط داخل السوق، ويشير إلى مشاركة أكبر من المتعاملين في تنفيذ عمليات الشراء والبيع، بدلاً من اقتصار الحركة على عدد محدود من الأسهم القيادية.
الأسهم الصغيرة
برزت الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها الأكثر استفادة من التحركات الأخيرة في السوق، بعدما حققت مؤشرات السوق الرئيسي والرئيسي 50 مكاسب أسبوعية تجاوزت تلك التي سجلتها المؤشرات القيادية.
ويشير ذلك إلى تغير نسبي في بوصلة المستثمرين، مع توجه جزء من السيولة نحو الأسهم التي تتمتع بإمكانات نمو أو التي تراجعت أسعارها خلال الفترات السابقة، الأمر الذي يتيح للمستثمرين فرصاً لإعادة بناء مراكزهم بأسعار أكثر جاذبية.
وفي المقابل، لا تزال الشركات الكبيرة تحتفظ بمقومات استثمارية مهمة، خصوصاً أن التراجعات التي طالت عدداً من الأسهم القيادية لا تعكس بالضرورة قوة أساسياتها، وهو ما يجعل التقييمات الحالية محل اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص طويلة الأجل.
ومن هنا، فإن التباين بين المؤشرات لا يعني بالضرورة ضعفاً عاماً في السوق، بل يمكن قراءته باعتباره نتيجة طبيعية لتفاوت أداء الشركات وتغير توجهات السيولة بين المكونات المختلفة.
القيمة السوقية
على الرغم من التحسن الكبير في التداولات، تراجعت القيمة السوقية للأسهم المدرجة في نهاية الأسبوع إلى نحو 52.77 مليار دينار، مقابل 52.89 مليار دينار في نهاية الأسبوع السابق، بانخفاض بلغ نحو 124 مليون دينار، أو ما نسبته 0.23 %.
ويعكس هذا الانخفاض محدودية أثر التراجعات السعرية على القيمة الإجمالية للسوق، خصوصاً في ظل بقاء مؤشر السوق العام قريباً من مستوياته السابقة، مع تسجيل المؤشر الأول تراجعاً أسبوعياً محدوداً.
ومن زاوية تحليلية، فإن تراجع القيمة السوقية بنسبة أقل بكثير من معدل نمو السيولة وأحجام التداول يعطي مؤشراً على ارتفاع معدل دوران الأسهم، إذ تحركت كميات كبيرة من الأسهم بين المتعاملين دون أن يؤدي ذلك إلى موجة انخفاض واسعة في القيمة الإجمالية للشركات المدرجة.
وهذه الصورة تختلف عن حالات الخروج الجماعي للسيولة، التي عادة ما تترافق مع انخفاضات حادة في المؤشرات والقيمة السوقية مع ارتفاع الضغوط البيعية.
جني الأرباح
شهدت جلسة الاثنين الماضي ضغوطاً واضحة على السوق، إلا أن هذا التراجع لم يستمر بالحدة نفسها خلال بقية جلسات الأسبوع، إذ تمكنت المؤشرات من استعادة جزء من خسائرها وإظهار قدر من التماسك.
ويمكن تفسير جزء من هذا التحرك بعمليات جني أرباح طبيعية، خصوصاً بعد المكاسب التي حققتها بعض الأسهم خلال الفترة السابقة. كما أن حالة الترقب للتطورات المرتبطة بالهدنة بين الولايات المتحدة وإيران ساهمت في زيادة الحذر لدى المستثمرين، ودفعت بعضهم إلى تقليص مراكزهم أو تأجيل قرارات استثمارية جديدة.
لكن اللافت أن السوق لم يشهد عمليات بيع مكثفة، وهو ما يعزز فكرة أن التراجع كان في نطاق إعادة ترتيب المراكز أكثر من كونه تحولاً شاملاً في الاتجاه الاستثماري.
ومع عودة المؤشرات إلى تعويض جزء من الخسائر، ظهر مستوى من التماسك يؤكد أن السوق لا يزال قادراً على التعامل مع الضغوط الخارجية دون الدخول في موجة هبوط واسعة.
الأساسيات الاقتصادية
لا يرتبط أداء بورصة الكويت بالتطورات اليومية وحدها، إذ يستند السوق إلى قاعدة اقتصادية ومالية تمنحه قدراً من المرونة في مواجهة التقلبات.
ويأتي في مقدمة عوامل الدعم المركز المالي للكويت، إلى جانب امتلاك الدولة أصولاً خارجية ضخمة، وتصنيفات ائتمانية مستقرة، فضلاً عن تعدد خيارات التمويل وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها والاستمرار في الإنفاق الرأسمالي.
وتوفر هذه العوامل أرضية داعمة للاستثمار، خصوصاً بالنسبة للمستثمرين الذين ينظرون إلى السوق من منظور متوسط وطويل الأجل، وليس فقط وفقاً لحركة المؤشرات في جلسة أو أسبوع.
وبالتالي، فإن التراجع المحدود في بعض المؤشرات لا يغير الصورة الأساسية للسوق، ما دامت العوامل الاقتصادية والمالية التي تدعم الثقة لا تزال قائمة، مع بقاء التطورات الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً في اتجاهات المستثمرين خلال المرحلة الحالية.
نتائج النصف الأول
تزامن الأسبوع مع انتهاء فترة الإفصاح عن القوائم المالية الفصلية، لتظهر نتائج الشركات كأحد أبرز عناصر الدعم الأساسي للسوق.
وبلغت أرباح 131 شركة مدرجة متوافقة في سنتها المالية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 1.36 مليار دينار، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 7.94%.
كما سجل صافي أرباح تلك الشركات خلال الربع الثاني من العام قفزة كبيرة بلغت 89.72 %، ليصل إلى نحو 969.58 مليون دينار، وهو ما يقدم دعماً مهماً للصورة الأساسية للسوق، خصوصاً في ظل ارتباط تقييمات الأسهم بقدرة الشركات على تحقيق الأرباح والنمو.
ولم تتوقف المؤشرات الإيجابية عند الأرباح، إذ قررت 10 شركات توزيع أرباح مرحلية بقيمة 306.74 مليون دينار على مساهميها عن النصف الأول من العام.
وتمنح هذه النتائج المستثمرين أساساً إضافياً لتقييم الأسهم بعيداً عن التقلبات اليومية، خاصة أن تحسن الأرباح والتوزيعات يمكن أن يعزز جاذبية الشركات ذات الأساسيات القوية.
حركة انتقائية للسيولة
انعكس اختلاف توجهات المستثمرين على أداء قطاعات بورصة الكويت خلال الأسبوع، إذ تراجعت مؤشرات 6 قطاعات، بينما ارتفعت مؤشرات 7 قطاعات، بما يؤكد أن حركة السوق لم تكن موحدة بين مختلف الأنشطة.
وتصدر قطاع الرعاية الصحية قائمة القطاعات المتراجعة، بعدما انخفض بنسبة 2.57 %، في حين جاء قطاع التكنولوجيا على رأس القطاعات الصاعدة بقفزة بلغت 34.43 %.
وتكشف الفجوة الكبيرة بين أداء القطاعين عن مدى الانتقائية التي اتسمت بها التداولات، إذ انتقلت السيولة بصورة واضحة بين قطاعات السوق، بحثاً عن فرص تحقق عائداً أفضل أو تستفيد من تحركات الأسعار.
كما أن ارتفاع عدد القطاعات الصاعدة مقارنة بالقطاعات المتراجعة يوفر قراءة أكثر إيجابية للحركة الداخلية للسوق، حتى مع تراجع المؤشر الأول والسوق العام على أساس أسبوعي.
ومن ثم، فإن تحليل أداء السوق لا يمكن أن يتوقف عند حركة المؤشرات العامة، بل يجب أن يمتد إلى قراءة القطاعات والأسهم الأكثر نشاطاً، وهو ما يفسر جانباً كبيراً من التباين المسجل خلال الأسبوع.