الأسهم العالمية تراهن على التهدئة
بدأت الأسواق العالمية تعاملات الأسبوع على نبرة حذرة تميل إلى الإيجابية، في مشهد يعكس محاولة المستثمرين استيعاب التناقض بين التصعيد السياسي من جهة، وتنامي الرهان على احتواء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى.
ففي الولايات المتحدة، سجلت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية ارتفاعات محدودة في تعاملات الاثنين، بعد أسبوع إيجابي في وول ستريت، وسط استمرار متابعة المستثمرين لتطورات الحرب في الشرق الأوسط وتقلبات أسعار النفط. وصعدت عقود مؤشر داو جونز بنحو 74 نقطة، أو ما يعادل 0.1 %، فيما ارتفعت عقود ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.4 %، وزادت عقود ناسداك 100 بنحو 0.7 %.
هذه التحركات توحي بأن السوق الأمريكية لم تدخل بعد مرحلة «نفور واسع من المخاطر»، رغم حساسية المشهد الجيوسياسي، بل تبدو في حالة ترقب محسوبة، حيث لا تزال الأموال تتجه نحو قطاعات النمو والتكنولوجيا، مع بقاء التوترات السياسية في خانة المخاطر التي يمكن احتواؤها حتى الآن.
وهذا النوع من الأداء يعكس عادةً قناعة ضمنية لدى المستثمرين بأن السوق لا تسعّر حالياً سيناريو الانفجار الكامل، بل تراهن على أن التصعيد السياسي سيبقى محكوماً بخطوط تفاوضية أو توازنات تمنع اتساعه إلى صدمة مالية عالمية.
وول ستريت تتماسك.. والتكنولوجيا تحتفظ بالقيادة
اللافت في تعاملات العقود الأمريكية أن الزخم الإيجابي كان أوضح في عقود ناسداك 100 مقارنة ببقية المؤشرات، وهو ما يعكس استمرار شهية المستثمرين تجاه أسهم التكنولوجيا والنمو، حتى في بيئة ترتفع فيها أسعار النفط وتتزايد فيها المخاطر السياسية.
وهذه نقطة مهمة، لأن الأسواق في الفترات التي تخشى فيها توسع النزاعات الجيوسياسية تميل عادة إلى التحول نحو القطاعات الدفاعية أو تقليص الانكشاف على الأصول عالية الحساسية. لكن ما حدث يشير إلى أن المستثمرين لم يغادروا بعد رهاناتهم الأساسية على التكنولوجيا، بل يواصلون التمييز بين «الخطر السياسي» و«المسار البنيوي لنمو الأرباح».
كما أن الأسبوع الإيجابي السابق في وول ستريت منح السوق الأمريكية قاعدة دعم نفسية إضافية، وساهم في امتصاص جزء من القلق المتعلق بالنفط أو بالمواجهة مع إيران، خصوصاً إذا ظلت الحرب ضمن حدود يمكن للأسواق استيعابها من دون تعطيل مباشر وكبير للنشاط الاقتصادي العالمي.
ومع ذلك، فإن هذا التماسك لا يعني غياب الهشاشة. فالسوق الأمريكية تبدو في وضعية «تفاؤل مشروط»، أي أنها مستعدة لمواصلة الصعود طالما بقيت التطورات العسكرية والسياسية تحت السيطرة، لكنها ستظل سريعة التأثر بأي تحول مفاجئ في لهجة البيت الأبيض أو في أمن الطاقة العالمي.
طوكيو تتجاهل التهديدات.. وتراهن على الانفراج
في آسيا، قدمت السوق اليابانية واحدة من أكثر الإشارات وضوحاً على هذا المزاج العالمي الجديد، إذ ارتفع مؤشر نيكي الياباني عند الإغلاق الاثنين، رغم أحدث تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة بنية تحتية إيرانية.
وصعد مؤشر نيكي بنسبة 0.55 % إلى 53,413.68 نقطة، بينما بدد مؤشر توبكس الأوسع نطاقًا مكاسبه السابقة وأغلق منخفضًا بشكل طفيف بنسبة 0.01 % عند 3,644.8 نقطة، ما يعكس تبايناً داخلياً في أداء السوق، لكنه لا يغير الصورة العامة التي تميل إلى الصمود.
هذا الأداء الياباني مهم، لأنه يكشف أن المستثمرين في طوكيو لم يعودوا يتفاعلون مع تصريحات ترامب بذات الدرجة التي كانوا يفعلونها في مراحل سابقة، بل أصبحوا أكثر ميلاً إلى تقييم «قابلية التنفيذ» بدل الاكتفاء برد الفعل على العنوان السياسي نفسه.
فالسوق اليابانية، كغيرها من الأسواق العالمية، لم تتجاهل التصعيد تماماً، لكنها تعاملت معه باعتباره عنصر ضغط نفسي أكثر منه متغيراً محسوماً سيغير اتجاهات الاستثمار فورًا.
خطاب ترامب لم يعد
يحرك الأسواق وحده
أحد أبرز ملامح الجلسة أن الأسواق العالمية، وخصوصاً في آسيا، بدت أقل حساسية تجاه خطاب التصعيد الأمريكي، حتى مع تهديد ترامب الأحد باستهداف محطات الكهرباء والجسور في إيران غداً الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز الاستراتيجي.
هذا النوع من التهديدات كان كفيلًا في فترات سابقة بإشعال موجات بيع حادة في الأسهم، لكنه اليوم لم ينتج الأثر نفسه، لأن المستثمرين باتوا يقرأون خطاب ترامب من زاويتين: زاوية التصعيد الإعلامي، وزاوية الاحتمال العملي للتنفيذ.
وقد لخص تاكاماسا إيكيدا، مدير المحفظة الكبير لدى «جي.سي.آي لإدارة الأصول»، هذه النظرة بوضوح حين قال إن ترامب «أصبح مثل الصبي الذي يطلق ادعاءات كاذبة»، مضيفاً أنه لو كان يعتزم فعلًا مهاجمة منشآت إيرانية «لنفذ ذلك بالفعل».
ورغم أن هذه العبارة حادة، فإنها تعكس ما يبدو أنه مزاج متنامٍ داخل بعض دوائر السوق: أن تهديدات ترامب باتت تُستهلك سريعاً، وأن المستثمرين أصبحوا أكثر ميلًا للرهان على انسحاب أمريكي تدريجي أو انتقال إلى مرحلة مفاوضات ما بعد الحرب، بدل الانزلاق إلى تصعيد شامل.
كما عززت تقارير إعلامية أمريكية، من بينها ما أوردته «فوكس نيوز»، هذا المزاج بعدما أشارت إلى أن ترامب لمح أيضاً إلى احتمال اقتراب انفراجة دبلوماسية، مع إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران الاثنين.
الذكاء الاصطناعي والشحن
يقودان المزاج الياباني
العامل الآخر الذي ساعد بورصة طوكيو على الحفاظ على توازنها كان الأداء الإيجابي لعدد من الأسهم المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب قطاع الشحن الذي استفاد من استمرار اضطراب الملاحة والتجارة البحرية.
فقد صعد سهم شركة «أدفانتست» المصنعة لمعدات اختبار الرقائق بنسبة 1.74 %، بينما ارتفع سهم «سوفت بنك جروب»، المستثمر البارز في قطاع التكنولوجيا، بنسبة 1.08 %، في دلالة على أن الرهانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تزال تشكل ركيزة قوية لدعم السوق اليابانية.
كما ربح قطاع الشحن 1.55 % ليصبح الأفضل أداءً بين مؤشرات القطاعات الفرعية البالغ عددها 33 في بورصة طوكيو، وهو أمر منطقي في ضوء الاضطرابات المستمرة في حركة الملاحة، وما تتيحه من فرص تسعيرية وربحية لبعض الشركات العاملة في هذا المجال.
ومن بين أكثر من 1600 سهم متداول في السوق الرئيسية لبورصة طوكيو، ارتفع نحو 60 % من الأسهم، فيما انخفض 35 % واستقر 4 %، وهي قراءة تعكس أن المزاج الإيجابي لم يكن محصوراً في عدد محدود من الأسهم فقط، بل امتد نسبيًا إلى شريحة واسعة من السوق.
أوروبا خارج الشاشة.. والسيولة العالمية أضعف من المعتاد
في المقابل، غابت الأسواق الأوروبية عن مشهد التداولات، بعدما أُغلقت البورصات الرئيسية، بما في ذلك لندن وفرانكفورت وباريس، بمناسبة عطلة عيد الفصح (Easter Monday)، ما أدى إلى توقف التداولات بشكل كامل في معظم المراكز المالية الأوروبية.
هذا الإغلاق لا يُعد تفصيلاً ثانوياً في جلسة كهذه، لأن غياب أوروبا يعني تلقائيًا انخفاضًا في مستويات السيولة العالمية، وتراجعًا في عمق السوق، وهو ما قد يفسر جزئيًا هدوء بعض التحركات أو محدودية رد الفعل على بعض الأخبار الجيوسياسية.
وفي كثير من الأحيان، تميل الأسواق في مثل هذه الجلسات إلى التحرك بشكل أكثر «انتقائية»، حيث تكون السيولة أقل، لكن حساسية الأسعار أعلى إذا ظهرت مفاجآت أو تطورات سياسية حادة خارج التوقعات.
ومن المتوقع أن تعاود هذه الأسواق نشاطها يوم الثلاثاء، وهو ما يعني أن جلسة الغد ستكون أكثر أهمية في اختبار ما إذا كان التفاؤل الحالي في وول ستريت وآسيا قابلًا للاستمرار، أم أنه مجرد هدوء مؤقت قبل إعادة التسعير الكامل مع عودة أوروبا.