الأسهم المتوسطة والصغيرة تواصل جذب المستثمرين
جاءت جلسة الأمس في بورصة الكويت لتعكس صورة مختلفة عن الجلسات التي تعتمد على الارتفاع أو الانخفاض الجماعي، إذ اتسم الأداء بحالة واضحة من التباين، حيث تراجعت مؤشرات السوق الأول والسوق العام بشكل محدود، في مقابل ارتفاع مؤشري السوق الرئيسي والرئيسي 50، وهو ما يعكس تغيراً في اتجاه السيولة أكثر من كونه تغيراً في شهية المستثمرين.
هذا التباين يعد من الظواهر الصحية في الأسواق المالية، لأنه يعكس انتقال الأموال بين القطاعات والأسهم وفقاً للفرص المتاحة، بدلاً من التحرك الجماعي الذي غالباً ما يكون مدفوعاً بالعوامل النفسية أكثر من العوامل الأساسية.
وسجلت البورصة تداولات بلغت 68.31 مليون دينار توزعت على 241.71 مليون سهم عبر 17.71 ألف صفقة، وهي مستويات تعكس استمرار النشاط الأمسي عند معدلات جيدة، وتؤكد أن السيولة ما زالت موجودة داخل السوق، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في توزيعها.
السوق الأول يتراجع
رغم انخفاض السوق الأول بنسبة 0.25%، فإن هذا التراجع لا يمكن اعتباره تحولاً سلبياً في اتجاه السوق، خاصة أن نسبة الانخفاض جاءت محدودة ولم يصاحبها خروج واسع للسيولة.
وغالباً ما تتعرض الأسهم القيادية إلى عمليات جني أرباح بعد موجات الصعود أو مع اقتراب مستويات مقاومة فنية، وهو ما يدفع المؤشر إلى التراجع مؤقتاً، بينما تبقى النظرة العامة مستقرة طالما استمرت التداولات عند مستويات جيدة.
كما أن انخفاض السوق العام بنسبة 0.13 % يؤكد أن الضغوط البيعية لم تكن واسعة النطاق، بل تركزت على عدد محدود من الأسهم ذات الأوزان الكبيرة.
«الرئيسي» يثبت حضوره
في المقابل، واصل السوق الرئيسي أداءه الإيجابي بعدما ارتفع بنسبة 0.50 %، كما صعد الرئيسي 50 بنسبة 0.23 %.
ويشير هذا الأداء إلى استمرار انتقال جزء من السيولة نحو الأسهم المتوسطة والصغيرة، التي أصبحت تجذب اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص نمو أعلى، خاصة مع انخفاض أسعار العديد منها مقارنة بالأسهم القيادية.
كما يعكس هذا الاتجاه استمرار تدوير السيولة داخل السوق، وهي ظاهرة غالباً ما تمنح التداولات زخماً إضافياً خلال الفترات المقبلة.
8 قطاعات باللون الأخضر
أحد أبرز مؤشرات قوة الجلسة تمثل في ارتفاع ثمانية قطاعات مقابل تراجع خمسة فقط.
وهذا الرقم يعكس أن القوة الشرائية لم تكن محصورة في قطاع واحد، بل توزعت على أكثر من نشاط اقتصادي، وهو ما يمنح السوق قدراً أكبر من التوازن.
وتصدر قطاع التأمين المكاسب بنسبة بلغت 3.02 %، ليكون الرابح الأكبر بين القطاعات، وهو ما يعكس دخول سيولة انتقائية على شركات القطاع.
أما القطاع الأكثر تراجعاً فكان قطاع المنافع بانخفاض بلغ 0.68 %، إلا أن هذا التراجع ظل محدوداً مقارنة بحجم المكاسب التي سجلتها قطاعات أخرى.
اتساع رقعة الأسهم المرتفعة
شهدت الجلسة ارتفاع 60 سهماً مقابل تراجع 54 سهماً، بينما استقرت أسعار 20 سهماً.
وتكشف هذه الأرقام عن حالة من التوازن داخل السوق، حيث لم تكن الضغوط البيعية هي المسيطرة، كما لم تكن المكاسب شاملة لكل الأسهم.
ويؤكد ذلك أن المستثمرين باتوا يعتمدون بصورة أكبر على اختيار الشركات وفقاً لمعطياتها الفردية، وليس وفق اتجاه السوق فقط.
واصل سهم «جي إف إتش» تصدره لقائمة الأكثر تداولاً من حيث الكميات بعدما بلغت تداولاته 19.67 مليون سهم.
ويشير استمرار النشاط المرتفع على السهم إلى احتفاظه بجاذبيته لدى شريحة واسعة من المتداولين، سواء من المستثمرين أو المضاربين.
أما من حيث السيولة، فقد تصدر سهم «بيتك» بقيمة بلغت 6.33 مليون دينار، وهو ما يعكس استمرار اهتمام المحافظ الاستثمارية بالأسهم القيادية ذات الوزن الكبير، ويؤكد ذلك أن الأموال المؤسسية لم تغادر السوق، وإنما تواصل إعادة توزيع مراكزها وفقاً للفرص المتاحة.
المحرك الرئيسي
رغم التباين في المؤشرات، فإن بقاء قيمة التداول عند أكثر من 68 مليون دينار يعد مؤشراً إيجابياً.
فالسيولة هي الوقود الحقيقي لأي سوق مالي، واستمرارها عند هذه المستويات يمنح المستثمرين ثقة أكبر بأن السوق ما زال يمتلك القدرة على استيعاب عمليات البيع والشراء دون اضطرابات كبيرة.
كما أن توزيع التداولات على أكثر من 241 مليون سهم يؤكد اتساع النشاط وعدم انحصاره في عدد محدود من الشركات.
قراءة فنية للجلسة
من الناحية الفنية، تعكس الجلسة استمرار السوق في مرحلة إعادة التوازن.
فالضغوط التي تعرضت لها الأسهم القيادية قابلها نشاط واضح على الأسهم المتوسطة والصغيرة، وهو ما منع المؤشرات من الدخول في موجة هبوط أوسع.
كما أن ارتفاع عدد القطاعات الصاعدة يشير إلى أن الاتجاه العام ما زال يميل إلى الإيجابية، حتى وإن شهدت بعض المؤشرات القيادية تراجعاً محدوداً.
وتشير هذه المعطيات إلى أن السوق يتحرك وفق استراتيجية تدوير السيولة، وهي إحدى السمات المعتادة خلال الفترات التي تسبق ظهور محفزات جديدة أو نتائج مالية إضافية.
النظرة المستقبلية
إذا استمرت السيولة الأمسية عند مستوياتها الحالية، مع استمرار الأداء الإيجابي لعدد كبير من القطاعات، فإن فرص المحافظة على استقرار السوق ستظل قائمة.
كما أن استمرار النشاط على الأسهم القيادية، بالتوازي مع تحسن أداء الأسهم المتوسطة، يمنح السوق قاعدة أكثر توازناً، ويقلل من الاعتماد على عدد محدود من الشركات في قيادة المؤشرات.
وتشير معطيات الجلسة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار الأداء الانتقائي، حيث ستكون الأفضلية للشركات التي تمتلك محفزات تشغيلية ونتائج مالية قوية، في وقت يتوقع فيه أن تواصل المحافظ الاستثمارية إعادة هيكلة مراكزها وفقاً لتطورات السوق، وهو ما يجعل اختيار الأسهم أكثر أهمية من متابعة اتجاه المؤشر وحده.