الأسهم اليابانية والأوروبية تتكبد أكبر خسائرها منذ أشهر وسط قفزة النفط
تعرضت أسواق الأسهم العالمية لضغوط قوية خلال تعاملات الاثنين مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط وعودة القلق من استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول من المتوقع. وشهدت الأسواق الآسيوية والأوروبية موجة بيع واسعة النطاق دفعت مؤشرات رئيسية إلى تسجيل أكبر خسائرها منذ أشهر، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بشكل حاد نتيجة تجدد المواجهات العسكرية بين إسرائيل وإيران، الأمر الذي زاد المخاوف بشأن التضخم العالمي وآفاق النمو الاقتصادي.
ويأتي هذا التراجع بعد فترة من المكاسب القوية التي حققتها الأسواق العالمية، خصوصاً أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي قادت موجة الصعود خلال الأشهر الماضية. إلا أن التغير المفاجئ في المزاج الاستثماري دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول عالية المخاطر والعودة نحو الملاذات الأكثر أماناً.
خسائر يابانية
كان السوق الياباني من أكثر المتضررين من موجة البيع العالمية، حيث سجل مؤشر نيكي أكبر انخفاض يومي له منذ ثلاثة أشهر. ويعكس هذا التراجع حجم القلق الذي سيطر على المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي وتأثير التوترات الجيوسياسية على التجارة والطاقة.
كما تعرضت أسهم التكنولوجيا اليابانية لخسائر حادة بعد موجة هبوط مماثلة شهدتها الأسواق الأمريكية في نهاية الأسبوع الماضي. وتراجعت أسهم شركات أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية بصورة ملحوظة، نظراً لاعتماد تقييماتهـا المرتفعة على استمرار النمو العالمي واستقرار بيئة الفائدة.
وزادت الضغوط على السوق الياباني مع ضعف العملة المحلية واستمرار المخاوف من تدخل السلطات النقدية لدعم الين بعد تجاوزه مستويات حساسة أمام الدولار.
أوروبا تتراجع
امتدت موجة البيع إلى الأسواق الأوروبية التي هبطت إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين. وجاءت التراجعات بصورة شبه جماعية بين مختلف القطاعات، مع تزايد القلق من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على اقتصادات القارة التي لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات النفطية.
وتأثرت الأسواق الأوروبية بشكل خاص بارتفاع أسعار النفط، إذ تنظر الشركات والمستثمرون إلى أي زيادة في تكاليف الطاقة باعتبارها عاملاً ضاغطاً على الأرباح والنمو الاقتصادي. كما أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط يزيد من احتمالات تعرض سلاسل الإمداد لمزيد من الاضطرابات خلال الفترة المقبلة.
وأدى ذلك إلى زيادة عمليات البيع في قطاعات النقل والصناعة والخدمات الاستهلاكية التي تعتبر الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الطاقة.
التكنولوجيا تتراجع
تعرض قطاع التكنولوجيا لضغوط قوية على جانبي الأطلسي بعد أن أدت البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة إلى ارتفاع عوائد السندات وزيادة رهانات استمرار السياسة النقدية المتشددة.
وتعتبر أسهم التكنولوجيا من أكثر القطاعات تأثراً بتحركات أسعار الفائدة نظراً لاعتماد تقييماتها على الأرباح المستقبلية المتوقعة. وعندما ترتفع الفائدة، تنخفض القيمة الحالية لهذه الأرباح، ما يؤدي إلى ضغوط بيعية على أسهم الشركات الكبرى.
كما شهد قطاع أشباه الموصلات تراجعاً ملحوظاً بعد المكاسب الاستثنائية التي حققها خلال الفترة الماضية، الأمر الذي دفع بعض المستثمرين إلى جني الأرباح وتقليص انكشافهم على القطاع.
النفط والتضخم
أعادت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط ملف التضخم إلى واجهة الاهتمام العالمي بعدما قفزت أسعار النفط بأكثر من 4 %، ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى، ما قد يجبر البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وتعتبر هذه المخاوف من أبرز الأسباب التي دفعت الأسواق إلى التراجع، إذ إن ارتفاع النفط لا ينعكس فقط على أسعار الوقود، بل يمتد تأثيره إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات المختلفة.
كما أن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة العالمية قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تعرقل جهود البنوك المركزية الرامية إلى إعادة الأسعار إلى مستويات أكثر استقراراً.
أزمة الين
شكلت تحركات العملة اليابانية عاملاً إضافياً في زيادة التوتر داخل الأسواق الآسيوية. فقد عاد الين للتداول فوق مستوى 160 مقابل الدولار، وهو المستوى الذي تنظر إليه الأسواق باعتباره حساساً بالنسبة للسلطات اليابانية.
وأدى ضعف العملة إلى زيادة التوقعات بإمكانية تدخل الحكومة أو البنك المركزي في سوق الصرف للحد من تراجع الين. وعادة ما تخلق هذه التوقعات حالة من الحذر لدى المستثمرين بسبب عدم اليقين بشأن توقيت التدخل وحجمه وتأثيره على الأسواق المالية.
كما أن استمرار ضعف الين يرفع تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الخام، ما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد الياباني.
شركات الطيران
كانت شركات الطيران الأوروبية من أبرز الخاسرين خلال الجلسة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط. ويأتي ذلك لأن الوقود يمثل أحد أكبر بنود الإنفاق بالنسبة لشركات النقل الجوي، ما يجعل أرباحها شديدة الحساسية لأي زيادة في أسعار الطاقة.
كما يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع النفط إلى تآكل هوامش الربحية وتقليص قدرة الشركات على تحقيق نتائج مالية قوية خلال الفصول المقبلة. ولهذا شهدت أسهم عدد من شركات الطيران الكبرى عمليات بيع ملحوظة مع اتساع موجة التراجع في الأسواق الأوروبية.
ويعكس هذا الأداء مدى الترابط بين أسواق الطاقة والأسهم، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر على الوقود.
البنوك المركزية
يتابع المستثمرون حالياً باهتمام كبير قرارات البنوك المركزية المقبلة، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي. فمع عودة الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، تزداد التوقعات بإبقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة أو حتى رفعها مجدداً إذا اقتضت الظروف.
وتعني هذه البيئة استمرار التحديات أمام أسواق الأسهم، خصوصاً القطاعات التي تعتمد على التمويل الرخيص أو التقييمات المرتفعة. كما أن ارتفاع الفائدة يحد من جاذبية الأصول الخطرة ويزيد من المنافسة مع أدوات الدخل الثابت.
ولذلك أصبحت قرارات السياسة النقدية أحد أهم العوامل التي تحدد اتجاه الأسواق العالمية خلال المرحلة الحالية.
السيولة العالمية
تشهد الأسواق المالية العالمية حالياً تراجعاً في شهية المخاطرة مع انتقال جزء من السيولة الاستثمارية نحو الأصول الدفاعية والنقدية. ويؤدي هذا التحول عادة إلى زيادة الضغوط على أسواق الأسهم، خصوصاً بعد الفترات الطويلة من الارتفاعات القوية. كما أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية للأخبار الاقتصادية والجيوسياسية، وهو ما يفسر سرعة ردود الفعل التي شهدتها البورصات العالمية عقب تصاعد التوترات الأخيرة وارتفاع أسعار النفط.
مخاطر النمو
لا تقتصر مخاوف المستثمرين على ارتفاع التضخم فقط، بل تمتد أيضاً إلى احتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة. فزيادة تكاليف الوقود والنقل والإنتاج قد تؤثر على إنفاق المستهلكين وربحية الشركات في العديد من الاقتصادات الكبرى. ولهذا يراقب المستثمرون عن كثب تطورات أسواق النفط والطاقة باعتبارها أحد العوامل الرئيسية التي ستحدد مسار الاقتصاد العالمي والأسواق المالية خلال الأشهر المقبلة.