الأسواق أسرع من الإنسان… والآلة تعيد كتابة قواعد التداول
في أفلام الحركة، يمكن إبطاء مشهد الرصاصة حتى يرى المشاهد مسارها بوضوح، لكن في الأسواق المالية لا يوجد زر لإبطاء المشهد، الصفقة هنا تنطلق وتُنفذ وتُعيد تشكيل الأسعار قبل أن يدرك المستثمر ما حدث.
على مدى عقود، تحركت الأسواق وفق إيقاع الإدراك البشري؛ يقرأ المتداول الأخبار، يحلل البيانات، ثم يتخذ قراره خلال دقائق أو ساعات. لكن هذا النموذج تبدل جذريًا مع صعود التداول عالي التردد، الذي بات ينفذ الأوامر في أجزاء من الميكروثانية ويعالج ملايين الرسائل في الثانية.
وللمقارنة، يحتاج الإنسان في المتوسط إلى نحو 200 ميلي ثانية للاستجابة، بينما تعمل بعض الأنظمة بسرعة تفوق ذلك بآلاف المرات، وهنا لم تعد السرعة مجرد ميزة تشغيلية، بل أصبحت جوهر المنافسة نفسها، بعدما انتقلت الأسواق من سباق الميلي ثانية إلى فروق زمنية تُقاس بالنانوثانية.
تفوق الآلة
في هذا العالم، لم يعد التفوق حكرًا على من يقرأ السوق أفضل، بل على من يصل أولًا. وهنا يبرز ما يُعرف بـ«مراجحة الكمون»، حيث يستغل بعض المتداولين الفروق الزمنية الضئيلة جداً بين وصول المعلومة إلى الأطراف المختلفة وقدرتهم على تنفيذ الأوامر.
بمعنى أبسط، إذا تحرك سعر سهم في بورصة معينة، يمكن للنظام الأسرع أن يرصد التغير وينفذ صفقة في منصة أخرى قبل أن ينعكس السعر الجديد عليها، هذه الفجوة الزمنية قد لا يلحظها البشر أصلاً، لكنها كافية لتوليد أرباح متكررة من فروقات صغيرة جدًا تتراكم مع الوقت.
وبذلك، تتحول السوق تدريجيًا من ساحة تنافس على جودة التحليل والرؤية الاستثمارية إلى ساحة تنافس على سرعة الوصول والتنفيذ، وفي مثل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زال الإنسان يشارك فعلياً في تشكيل السوق، أم أنه بات متأخراً عنها زمنياً بطبيعته؟
سيولة أكبر
صحيح أن التكنولوجيا رفعت كفاءة الأسواق وعززت السيولة، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام اختلالات جديدة تمس العدالة والاستقرار. فحين تمتلك بعض الأطراف وصولاً أسرع إلى البيانات أو البنية التحتية، فإنها لا تربح بالضرورة لأنها «أذكى»، بل لأنها «أسرع».
وهذا يثير إشكالية أساسية: هل السوق لا تزال عادلة إذا كانت فرص الربح مرتبطة بالسبق الزمني لا بجودة القرار؟ كما أن هذا التسارع المفرط قد يزيد هشاشة النظام المالي نفسه، لأن الخوارزميات لا تتصرف بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل معاً في حلقات سريعة قد تُنتج اضطرابات حادة.
وقد أظهرت أحداث مثل «الانهيار الخاطف» في 2010 كيف يمكن لتفاعل الأنظمة الآلية أن يؤدي خلال دقائق إلى تبخر السيولة وتشوهات سعرية كبيرة، ومن هنا بدأت بعض الجهات التنظيمية والبورصات في التدخل عبر أدوات مثل «مصدات السرعة»، وهي تأخيرات متعمدة صغيرة جداً تهدف إلى تهدئة السباق وإعادة قدر من التوازن إلى السوق.
فجوة الفهم
المشكلة لم تعد فقط في السرعة، بل في الفهم. فالأسواق الحديثة أصبحت تعتمد على خوارزميات معقدة، وبشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، لتحليل تدفقات الأوامر، وتحركات الأسعار، وحتى الأخبار، في الزمن الحقيقي.
هذه الأنظمة لا تتحرك فقط بسرعة أكبر من الإنسان، بل ترصد أنماطًا وعلاقات لا يمكن للعقل البشري التقاطها لحظة بلحظة، وهنا تظهر «فجوة الفهم»: حتى إذا استطاع الإنسان تفسير ما حدث لاحقًا، فإنه غالبًا لا يستطيع التدخل في الوقت الحقيقي.
وبالتالي، تتحول الأسواق إلى بيئات شبه مستقلة، تنتج فيها التفاعلات بين الخوارزميات سلوكيات معقدة لا يحيط بها طرف واحد بالكامل. وهذا يعني أننا قد نحصل على أسواق أكثر كفاءة وربحية، لكنها في الوقت نفسه أكثر غموضًا، وأقل شفافية، وربما أقل قابلية للسيطرة.
في النهاية، التحدي الحقيقي ليس في إيقاف التقدم، بل في ضبطه، فالسوق التي تتحرك أسرع مما يمكن فهمه، ليست فقط سوقًا متقدمة، بل سوقاً تحمل في داخلها مخاطر غير مرئية. والسؤال الأهم لم يعد: إلى أي مدى يمكن تسريع الأسواق؟ بل: إلى أي مدى يمكن للإنسـان أن يظل جزءًا منها؟