الأسواق الأميركية تفقد زخم الصعود مع عودة مخاوف الفائدة
افتتحت الأسهم الأميركية تعاملات الثلاثاء على تراجع ملحوظ، بعدما أعادت بيانات التضخم الأميركية القوية إشعال المخاوف المرتبطة بأسعار الفائدة والسياسة النقدية، في وقت لا تزال فيه الحرب في الشرق الأوسط تضغط على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وتراجع مؤشرا ستاندرد اند بورز وناسداك عند افتتاح الجلسة، بينما تمكن داو جونز الصناعي من تسجيل ارتفاع محدود بدعم من بعض الأسهم الصناعية والدفاعية، في مشهد يعكس حالة الانقسام والحذر التي تسيطر على المستثمرين في الأسواق الأميركية.
وجاءت التحركات بعد صدور بيانات أظهرت تسارع التضخم الأميركي خلال أبريل بأكثر من المتوقع، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، وأعاد إلى الواجهة سيناريو بقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول.
التضخم يربك التوقعات
الأسواق الأميركية كانت تراهن خلال الأشهر الماضية على أن التضخم يتجه تدريجياً نحو التراجع، بما يسمح للاحتياطي الفيدرالي بالبدء في خفض أسعار الفائدة خلال النصف الثاني من العام. لكن بيانات أبريل قلبت هذه التوقعات بصورة واضحة، بعدما أظهرت استمرار الضغوط السعرية داخل الاقتصاد الأميركي.
فارتفاع أسعار البنزين والطاقة والنقل والخدمات أدى إلى تسارع مؤشر أسعار المستهلكين بوتيرة فاقت تقديرات الأسواق، ما عزز القلق من أن التضخم لا يزال بعيداً عن المستويات المستهدفة من جانب البنك المركزي الأميركي.
وهذا التطور دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم للفائدة، إذ ارتفعت احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة، بينما تراجعت الآمال المرتبطة بخفض قريب للفائدة.
ويخشى المستثمرون من أن استمرار التضخم المرتفع سيجبر الاحتياطي الفيدرالي على إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو حتى العودة إلى رفعها إذا ازدادت الضغوط السعرية خلال الأشهر المقبلة.
التكنولوجيا تحت الضغط
أسهم التكنولوجيا كانت الأكثر تضرراً من التحركات الأخيرة، إذ تعرض مؤشر ناسداك لضغوط واضحة مع توجه المستثمرين نحو تقليص مراكزهم في شركات النمو عالية التقييم.
وعادة ما تكون أسهم التكنولوجيا أكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة، لأن ارتفاع العوائد يقلل جاذبية الشركات التي تعتمد على النمو المستقبلي والأرباح طويلة الأجل.
ولهذا، فإن أي ارتفاع في توقعات الفائدة ينعكس سريعاً على تقييمات شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبرمجيات والخدمات الرقمية.
كما أن ارتفاع الدولار الأميركي وعوائد السندات زاد من الضغوط على القطاع، لأن المستثمرين أصبحوا أكثر ميلاً للأصول الآمنة والمدرة للعائد مقارنة بالأسهم مرتفعة المخاطر.
ويرى محللون أن موجة الصعود القوية التي شهدتها شركات التكنولوجيا خلال الفترة الماضية جعلت السوق أكثر عرضة لجني الأرباح بمجرد ظهور أي بيانات اقتصادية سلبية أو مفاجآت تضخمية.
الحرب تزيد التوتر
الحرب في الشرق الأوسط لا تزال تشكل عاملاً رئيسياً في توتر الأسواق العالمية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار النفط والطاقة واضطراب الإمدادات العالمية.
فالمستثمرون يدركون أن استمرار الأزمة الحالية قد يؤدي إلى بقاء أسعار الوقود مرتفعة لفترة طويلة، وهو ما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأميركي والعالمي.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكاليف التشغيل والإنتاج والنقل بالنسبة للشركات، ما قد يؤثر سلباً على الأرباح وهوامش الربحية خلال الأرباع المقبلة.
وفي ظل هذه الأجواء، أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي تطورات سياسية أو عسكرية مرتبطة بالمنطقة، لأن انعكاساتها تمتد مباشرة إلى النفط والتضخم والسياسات النقدية العالمية.
داو جونز يتماسك
ورغم الضغوط الواسعة على السوق، تمكن مؤشر داو جونز الصناعي من تحقيق ارتفاع محدود عند الافتتاح، مستفيداً من أداء بعض الشركات الصناعية والدفاعية والطاقة.
ويعكس هذا الأداء اختلاف طبيعة مكونات المؤشرات الأميركية، إذ إن داو جونز يضم شركات تقليدية وصناعية أقل تأثراً نسبياً بارتفاع الفائدة مقارنة بشركات التكنولوجيا المدرجة ضمن ناسداك.
كما أن بعض المستثمرين اتجهوا نحو الأسهم الدفاعية والشركات المرتبطة بالطاقة والصناعات الثقيلة باعتبارها أكثر قدرة على الصمود في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع التضخم والفائدة.
لكن في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد ينعكس تدريجياً على جميع القطاعات إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة وتباطأ الإنفاق الاستهلاكي.
الأسواق تعيد التسعير
ردة فعل الأسواق الحالية تعكس عملية إعادة تسعير واسعة للمخاطر الاقتصادية والمالية خلال المرحلة المقبلة.
فبعد فترة من التفاؤل المرتبط باحتمالات خفض الفائدة وتراجع التضخم، عادت الأسواق لمواجهة سيناريو أكثر تعقيداً يقوم على استمرار التضخم المرتفع بالتزامن مع تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الطاقة.
هذا السيناريو يمثل تحدياً صعباً للمستثمرين، لأنه يحد من قدرة البنوك المركزية على دعم الاقتصاد من خلال خفض الفائدة، وفي الوقت نفسه يزيد الضغوط على الشركات والأسر والأسواق المالية.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية جذب جزءاً من السيولة بعيداً عن الأسهم، إذ بات المستثمرون يجدون في أدوات الدخل الثابت عوائد مرتفعة نسبياً مع مخاطر أقل مقارنة بالأسواق المالية.
الدولار والسندات يرتفعان
بالتزامن مع تراجع الأسهم، سجل الدولار الأميركي وعوائد السندات الحكومية ارتفاعاً ملحوظاً، في إشارة إلى تحول المستثمرين نحو الأصول الأكثر أماناً.
فالتوقعات المرتفعة للفائدة الأميركية عادة ما تدعم الدولار، لأنها تزيد جاذبية الأصول المقومة بالعملة الأميركية وتجذب الاستثمارات نحو السندات.
لكن قوة الدولار تشكل في الوقت نفسه ضغطاً إضافياً على الشركات الأميركية متعددة الجنسيات، لأنها تقلل القدرة التنافسية للصادرات وتؤثر على الأرباح الخارجية عند تحويلها إلى الدولار.
كما أن ارتفـاع العوائد يزيـد كلفــة الاقتراض عـلى الشركـات والمستهلكين، ما قد ينعكـس سلبـاً على الاستثمـار والإنفاق والنمــو الاقـتـصــادي خـلال الـفــترة المقبلة.