الأسواق تتحدى التوتر
شهدت الأسواق العالمية حالة من الانتعاش النسبي خلال تعاملات أمس، مدفوعة بمزيج معقد من التفاؤل الحذر بشأن احتمالات استئناف المحادثات الأميركية–الإيرانية، إلى جانب الزخم المتجدد في قطاع التكنولوجيا، لا سيما المرتبط بالذكاء الاصطناعي. هذا التحسن جاء رغم استمرار الضغوط على حركة التجارة العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، ما يعكس فجوة متزايدة بين أداء الأسواق المالية والواقع الاقتصادي على الأرض.
وسجلت مؤشرات الأسهم في آسيا والمحيط الهادئ مكاسب ملحوظة، مع صعود مؤشر MSCI للأسهم خارج اليابان، وبلوغ السوق الكوري الجنوبي مستويات قياسية جديدة، مدعوماً بارتفاع أسهم شركات أشباه الموصلات. كما امتد التفاؤل إلى الأسواق الأميركية عبر العقود الآجلة، في حين شهدت أسعار النفط تراجعاً نسبياً مع عودة الرهانات على إمكانية تهدئة التوترات في الشرق الأوسط.
ويعكس هذا الأداء توجه المستثمرين لتسعير سيناريو إيجابي بشأن المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران، رغم أن المؤشرات الميدانية لا تزال تشير إلى هشاشة الوضع. فتعطل الملاحة في مضيق هرمز واستمرار احتجاز مئات السفن يفرضان تحديات حقيقية على حركة التجارة العالمية، خاصة في قطاع الطاقة، ما يهدد بزيادة تكاليف الشحن والتأمين ويدفع نحو ضغوط تضخمية إضافية.
وفي هذا السياق، تبدو الأسواق وكأنها تراهن على نهاية سريعة للأزمة، مدفوعة بعوامل داعمة أخرى، أبرزها الطفرة المستمرة في استثمارات الذكاء الاصطناعي، والتي أعادت توجيه التدفقات النقدية نحو أسهم التكنولوجيا. فقد سجلت شركات الرقائق الإلكترونية مكاسب قوية، مع ارتفاع تقييماتها السوقية إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل الطلب المتزايد على البنية التحتية الرقمية.
على الجانب الآخر، لا تزال المخاطر الجيوسياسية تلقي بظلالها على حركة التجارة العالمية، حيث أدت التوترات إلى إعادة تشكيل مسارات الشحن وتباطؤ تدفقات السلع، خاصة النفط والمواد الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن أي تأخير في إعادة فتح الممرات البحرية الحيوية قد يمتد لأسابيع، حتى في حال التوصل إلى اتفاق سياسي، وهو ما يعزز حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
وفي الأسواق المالية، يراقب المستثمرون أيضاً تطورات السياسة النقدية الأميركية، مع ترقب جلسة الاستماع الخاصة بالمرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، والتي قد تحمل إشارات مهمة حول توجهات أسعار الفائدة وحجم الميزانية العمومية للبنك المركزي. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في ظل التوازن الدقيق بين دعم النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم.
أما على صعيد العملات، فقد تحرك الدولار الأميركي ضمن نطاق محدود، مدعوماً بحالة الحذر في الأسواق، بينما تراجع الذهب مع انحسار الطلب على الملاذات الآمنة بشكل مؤقت. في المقابل، استمرت العملات المرتبطة بالمخاطر في مواجهة ضغوط، ما يعكس حساسية الأسواق لأي تطورات مفاجئة في الملف الجيوسياسي.
ويمكن القول إن الأسواق العالمية تعيش مرحلة “تفاؤل مشروط”، حيث تستند المكاسب الحالية إلى توقعات مستقبلية أكثر منها إلى معطيات قائمة. وبينما يظل الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً للأسهم، تبقى المفاوضات الأميركية–الإيرانية العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل تأثيرها المباشر على التجارة العالمية وأسعار الطاقة.