التحول الاقتصادي في مواجهة فقاعات الأصول
تشير «نقطة التحول المزدوجة»، التي تلي نقطة لويس، إلى مرحلة دقيقة يتراجع فيها عنصران رئيسيان في الاقتصاد، هما القوة العاملة ورأس المال، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى تباطؤ في وتيرة النمو الاقتصادي وانخفاض متوسط إنتاجية الفرد. غير أن هذا التباطؤ لا يمكن اعتباره مؤشراً حتمياً على اندلاع أزمة اقتصادية، إذ إن الأزمات بوصفها ظواهر غير خطية تتأثر بعوامل إضافية أكثر تعقيداً، من أبرزها فقاعات الأصول، وخاصة العقارات، إلى جانب التوسع المفرط في الائتمان.
العقار والتحول الديموغرافي
من الناحية النظرية، تبدو العلاقة بين التحول السكاني وأسعار العقارات منطقية؛ فقبل بلوغ نقطة التحول، يؤدي ارتفاع نسبة السكان في سن العمل إلى زيادة الطلب على الإسكان، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع. لكن بعد هذه النقطة، ومع تراجع هذه الشريحة، ينخفض الطلب تدريجياً، لتدخل الأسعار في مسار تصحيحي.
وقد انعكس هذا النمط بوضوح في عدد من الاقتصادات الكبرى، حيث بلغت أسعار العقارات ذروتها في اليابان عام 1991، وفي الولايات المتحدة عام 2007، وفي إسبانيا عام 2008. وخلال السنوات العشر التي سبقت هذه الذروات، شهدت الأسواق العقارية ارتفاعات حادة، حيث سجلت إسبانيا أدنى زيادة بنسبة 65 %، في حين بلغت الزيادة في الولايات المتحدة نحو 94 %.
إلا أن هذه الطفرة لم تكن مستدامة، إذ أعقبها انخفاض في الأسعار بنسب متفاوتة؛ فقد سجلت اليابان أكبر تراجع بنسبة وصلت إلى 44 %، بينما كان الانخفاض محدوداً في إسبانيا. أما في الولايات المتحدة وإسبانيا، فقد ظلت الآثار ممتدة لفترة طويلة، ما جعل التقديرات النهائية لحجم التصحيح محل متابعة.
التضخم الائتماني
بالتوازي مع ارتفاع أسعار العقارات، شهدت الاقتصادات المتأثرة بالأزمات توسعاً ائتمانياً ملحوظاً. ففي ذروة الطفرة العقارية، تجاوزت نسبة الإقراض إلى الناتج المحلي الإجمالي 200 % في كل من اليابان والولايات المتحدة وإسبانيا. وعند مقارنة هذه المستويات بما كانت عليه قبل عقد من الزمن، يتضح حجم التضخم الائتماني، حيث بلغت الزيادة 46 % في الولايات المتحدة و99 % في إسبانيا.
غير أن خصوصية النظام المالي في الولايات المتحدة تجعل هذه المؤشرات أقل دقة في التعبير عن الحجم الحقيقي للائتمان، إذ إن جزءاً كبيراً من خلق الائتمان تم عبر مؤسسات غير مصرفية، ما أدى إلى تضخم فعلي في القاعدة الائتمانية يفوق ما تعكسه البيانات التقليدية.
حين يكبح الائتمان فقاعة العقار
ورغم هذا النمط العام، تقدم ألمانيا نموذجاً مغايراً. فعلى الرغم من تراجع نسبة السكان في سن العمل منذ عام 1987، لم تشهد السوق العقارية انهياراً مماثلاً. فقد ارتفعت الأسعار قبل التحول بنحو 50 %، واستمرت مرتفعة بعده بعشر سنوات بنسبة تقارب 38 %.
ويُعزى ذلك إلى سيطرة الدولة على الإقراض، حيث بلغت نسبة الإقراض إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 82 % فقط قبل التحول، ورغم ارتفاعها لاحقاً بنحو 15 نقطة مئوية، فإنها ظلت أقل بكثير من مثيلاتها في الدول التي تعرضت لأزمات. وهذا يبرز بوضوح أن العامل الحاسم لا يكمن في التحول السكاني بحد ذاته، بل في مدى تضخم الائتمان.
الادخار والاستثمار
تُظهر التجارب أن التحول في الادخار والاستثمار ليس مجرد نتيجة للأزمات، بل يمكن أن يكون أيضاً أحد أسبابها. ففي أعقاب انهيار أسعار الأصول، كما حدث خلال «ركود القوائم المالية» عام 2009، اضطرت الشركات إلى تقليص استثماراتها بشكل كبير لإعادة توازن ميزانياتها، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الأجور.
هذا التراجع في الدخول انعكس مباشرة على سلوك الادخار، حيث انخفضت معدلات الادخار بشكل حاد، بل وصلت إلى الصفر لدى بعض الأسر. وتشير البيانات اليابانية إلى أن معدل الادخـار تراجـع من نحو 12 % عام 1991 إلى قرابة 2 % بحلول عام 2008. في المقابل، حافظت ألمانيا على استقرار معدلات الادخار فوق 10 %، ما يعكس متانة نظامها المالي.
الصين من الانضباط إلى التوسع
تقدم الصين حالة خاصة في هذا السياق. فخلال الفترة بين عامي 2000 و2008، ارتفعت أسعار العقارات بنحو 80 %، إلا أن ذلك تزامن مع انخفاض نسبي في مستويات الرفع المالي، نتيجة سياسات تنظيمية هدفت إلى تحقيق توازن بين النمو والاستقرار.
لكن هذا التوازن لم يستمر، إذ تغيرت السياسة بشكل واضح بعد الأزمة المالية العالمية في 2008، حيث تم تبني سياسات توسعية، خاصة في مجال الإقراض. ونتيجة لذلك، ارتفع حجم القروض من نحو 30 تريليون يوان في 2008 إلى 62 تريليون يوان بحلول عام 2012، وهي زيادة تعادل ما تحقق خلال ثلاثة عقود سابقة.
اختلال العرض والطلب
ورغم التفسير الشائع لارتفاع أسعار العقارات في الصين على أساس فجوة العرض والطلب، فإن البيانات تشير إلى عكس ذلك. فقبل الأزمة، كانت نسبة العرض إلى الطلب أقل من 1، لكن ابتداءً من عام 2011، بدأت مساحات الأراضي المجهزة للإسكان تتجاوز الطلب الجديد، كما تجاوز عدد المساكن الجديدة حجم الطلب الحضري اعتباراً من 2012.
غير أن هذه الحقيقة تم التقليل من شأنها بسبب عاملين رئيسيين: الأول، تجاهل إدراج مساكن الضمان الاجتماعي ضمن الإحصاءات، رغم زيادتها السنوية الكبيرة التي تراوحت بين 6 و10 ملايين وحدة. والثاني، المبالغة في تقدير الطلب الحضري، حيث إن شريحة واسعة من السكان، خاصة العمال والمهاجرين، لا تمتلك القدرة أو الرغبة في شراء المساكن.
الاقتصاد بين «اليانغ» و«الين»
يمكن تفسير هذه الظواهر من خلال مفهوم «اليانغ والين» في الفلسفة الصينية، حيث يؤدي الإفراط في أحد العنصرين إلى اختلال التوازن. فالتوسع الائتماني المفرط الذي يمثل طاقة «اليانغ»يساهم في تسريع النمو، لكنه في الوقت ذاته يولد اختلالات قد تقود إلى أزمات.
وعلى غرار الطب، يمكن معالجة هذه الاختلالات بطريقتين: نهج سريع يركز على الأعراض، وآخر طويل الأجل يستهدف جذور المشكلة. وقد اتجهت السياسات خلال السنوات الماضية نحو معالجة الأعراض، ما أدى إلى تراكم الاختلالات بدلاً من معالجتها جذرياً.
نحو توازن اقتصادي مستدام
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق النمو فقط، بل في الحفاظ على توازنه. فالأمراض الاقتصادية الناتجة عن اختلالات هيكلية لا يمكن علاجها بحلول قصيرة الأجل، بل تتطلب إصلاحات عميقة ومستدامة.
وفي غياب هذا التوازن، يبقى خطر التحول من الازدهار إلى الهبوط قائماً، ما يجعل إدارة الائتمان وضبط الأسواق، وخاصة العقارية، عاملاً حاسماً في استقرار الاقتصاد على المدى الطويل.