النفط يتراجع رغم مخاطر الإمدادات
تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الثلاثاء، في تحول لافت عن موجة الصعود القوية التي شهدتها الأسواق في الجلسة السابقة، حيث بدأت رهانات المستثمرين تتحول من سيناريو التصعيد إلى احتمالات التهدئة السياسية بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التغير في المزاج العام يعكس حساسية سوق الطاقة لأي إشارات دبلوماسية، حتى وإن كانت غير مؤكدة بالكامل.
فقد انخفضت العقود الآجلة لخام برنـت بنحـو 95 سنتاً، أو ما يعـادل 1 %، لتصل إلى 94.53 دولاراً للبرميل، فيما تراجعت عقود خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي تسليم مايو بمقدار 1.54 دولار، أو 1.72 %، إلى 88.07 دولار. كما انخفضت العقود الأكثر نشاطاً تسليم يونيو بنحو 1.09 دولار إلى 86.37 دولار، في إشارة إلى أن الضغوط لم تقتصر على الأجل القصير، بل امتدت إلى توقعات السوق المستقبلية.
تقلبات حادة
هذا التراجع يأتي بعد قفزة حادة في الأسعار خلال جلسة الاثنين، حيث ارتفع خام برنت بنسبة 5.6 %، وصعد خام غرب تكساس الوسيط بنحو 6.9 %، مدفوعين بإغلاق إيران لمضيق هرمز مجدداً، وهو أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم.
إغلاق المضيق، ولو بشكل مؤقت، أعاد إلى الواجهة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالإمدادات، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا. كما زاد من حدة التوتر احتجاز الولايات المتحدة سفينة شحن إيرانية، في خطوة اعتُبرت تصعيداً إضافياً في المواجهة.
سيناريوهات متباينة
الأسواق حالياً تقف أمام سيناريوهين متضادين. الأول يتمثل في نجاح المحادثات، ما قد يؤدي إلى استقرار الأسعار أو تراجعها مع تحسن الإمدادات. أما السيناريو الثاني، فيرتبط بفشل المفاوضات أو تصاعد التوترات، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
وبحسب تقديرات «سيتي»، فإن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز لمدة شهر إضافي قد يؤدي إلى خسارة نحو 1.3 مليار برميل من الإمدادات، مع احتمال اقتراب الأسعار من 110 دولارات للبرميل خلال الربع الثاني من 2026.
خسائر الإمدادات
في سياق متصل، حذر راسل هاردي، رئيس شركة «فيتول»، أكبر شركة لتجارة النفط في العالم، من أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تسببت بالفعل في خسارة تتراوح بين 600 و700 مليون برميل من الإمدادات العالمية.
وأشار إلى أن هذه الخسائر قد ترتفع إلى ما لا يقل عن مليار برميل مع استمرار تأثيرات الصراع، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها سوق الطاقة العالمي، خاصة في ظل تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
الطلب تحت الضغط
في المقابل، بدأت آثار ارتفاع الأسعار تظهر على جانب الطلب، حيث أشار محللو «سوسيتيه جنرال» إلى أن ارتفاع النفط نتيجة إغلاق المضيق أدى إلى تراجع الطلب بنحو 3 % حتى الآن.
هذا الانخفاض يعكس حساسية الاستهلاك لأسعار الطاقة، خاصة في الاقتصادات الكبرى، حيث يؤدي ارتفاع التكاليف إلى تقليص النشاط الصناعي والاستهلاك، ما يخلق نوعاً من التوازن الطبيعي في السوق.
المخزونات الاستراتيجية
في محاولة لاحتواء صدمات الأسعار، لجأت الدول الكبرى إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية. فقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تهدئة الأسواق.
كما تخطط الولايات المتحدة لسحب 172 مليون برميل إضافية من احتياطياتها، في إطار جهود أوسع للحد من ارتفاع الأسعار، خاصة في ظل الضغوط التضخمية التي تواجهها الاقتصادات العالمية.
خريطة المخزونات
تشير البيانات إلى أن المخزون الاستراتيجي العالمي من النفط بلغ نحو 2.5 مليار برميل بنهاية 2025، مع تصدر الصين والولايات المتحدة واليابان قائمة أكبر الدول المالكة للاحتياطيات.
وتبرز الصين بشكل خاص، حيث رفعت مخزوناتها إلى نحو 1.4 مليار برميل، مع استمرارها في تعزيز احتياطياتها قبل اندلاع الأزمة، ما يمنحها هامشاً أكبر للتعامل مع تقلبات السوق.
أما الولايات المتحدة، فتملك نحو 413 مليون برميل في احتياطياتها الاستراتيجية، إضافة إلى أكثر من 400 مليون برميل من المخزونات التجارية، في حين تمتلك اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا احتياطيات كبيرة تدعم استقرار الإمدادات.
سلاسل الإمداد
الأزمة الحالية لا تقتصر على الأسعار فقط، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد، حيث أدى تعطل الملاحة في مضيق هرمز إلى إبطاء تدفقات النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل والتأمين.
هذا الوضع يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل استمرار آثار الحرب الروسية الأوكرانية، التي أثرت بالفعل على إمدادات الغاز إلى أوروبا.
حجم الاضطراب غير المسبوق
يرى محللون بارزون في قطاع الطاقة أن أسعار النفط لا تعكس بشكل كامل حجم الاضطراب غير المسبوق في الإمدادات، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل صادرات الخام من الشرق الأوسط.
وقال سعيد رحيم كبير الاقتصاديين لدى «ترافيجورا» خلال قمة «فاينانشال تايمز» العالمية للسلع، الثلاثاء، إن السوق فقدت بالفعل نحو مليار برميل من الإمدادات حتى الآن، مع توقعات بارتفاع الخسائر إلى 1.5 مليار برميل في حال استمرار الصراع.
وأضاف رحيم أن السوق لا تزال غير قادرة على استيعاب الحجم الحقيقي للأزمة، لافتًا إلى أن عودة تدفقات النفط إلى مستوياتها الطبيعية ستستغرق وقتًا حتى في حال التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، وفق ما نقلت وكالة «بلومبرج».
من جانبه حذر فريدريك لاسير رئيس قسم التحليل لدى «جونفور»، من أن استمرار الحرب لشهر إضافي قد يدفع الأسواق إلى استنزاف المخزونات بالكامل، وهو ما يعني نفاد الاحتياطيات الاستراتيجية.
وقالت أمريتا سين مديرة الأبحاث لدى شركة «إنرجي أسبيكتس»، إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قد لا تعود إلى مستويات ما قبل الحرب، متوقعة فقدان نحو 450 مليون برميل من المنتجات النفطية المكررة مثل البنزين، وذلك في حال إعادة فتـح جزئي للمضيـق بنسبـة 50 % خلال الشهر المقبل.
توازن هش
في المحصلة، يعكس تراجع النفط الحالي حالة من التوازن الهش بين عاملين رئيسيين: المخاطر الجيوسياسية التي تدعم الأسعار، وتوقعات التهدئة التي تضغط عليها.
فالأسواق لم تحسم اتجاهها بعد، لكنها تتحرك ضمن نطاقات متقلبة، مدفوعة بالأخبار والتوقعات، في انتظار وضوح الصورة السياسية.
في النهاية، يمكن القول إن سوق النفط يعيش واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
وبين رهانات السلام ومخاطر التصعيد، يبقى الاتجاه النهائي مرهونًا بنتائج المفاوضات، التي قد تحدد ليس فقط أسعار النفط، بل مسار الاقتصاد العالمي بأكمله خلال الفترة المقبلة.