الأسواق تحتفل بالهدنة… والأسهم العالمية تقفز
قفزت الأسهم العالمية الأربعاء، بعدما تنفست الأسواق الصعداء عقب اتفاق هدنة مشروطة بين الولايات المتحدة وإيران، أعاد فتح شهية المخاطرة وخفف من المخاوف المرتبطة بالطاقة والنمو والتضخم.
قفزت الأسواق الآسيوية وعقود الأسهم الأميركية المستقبلية بعد اتفاق الولايات المتحدة وإيران على هدنة لمدة أسبوعين تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، في خطوة اعتبرتها الأسواق تحولاً فورياً في مسار المخاطر العالمية. كما سجل المؤشر نيكاي في اليابان أكبر ارتفاع له في عام، بينما تراجعت أسعار النفط بشكل حاد، في إشارة إلى انحسار أحد أكبر مصادر القلق التي كانت تضغط على المستثمرين خلال الأيام الماضية.
وجاء هذا التحول بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الهجمات المخطط لها على إيران لمدة أسبوعين، بشرط إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وفوراً وبشكل آمن، بينما صدرت إشارات إيرانية مقابلة بوقف العمليات الدفاعية، ما دفع الأسواق إلى إعادة تسعير سيناريوهات الحرب والطاقة والنمو العالمي في وقت واحد.
ارتياح عالمي
الأسواق لم تتعامل مع التطور السياسي على أنه مجرد خبر عابر، بل قرأته باعتباره نقطة انعطاف في مزاج المخاطرة العالمي. فخلال الأيام السابقة، كانت الأسعار تتحرك تحت ضغط احتمال اتساع المواجهة في الشرق الأوسط، وهو ما كان يهدد بارتفاعات إضافية في النفط، وتوترات أكبر في سلاسل الإمداد، وضغوط تضخمية قد تعيد تعقيد حسابات البنوك المركزية.
لكن مع الإعلان عن هدنة مشروطة ومرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، انتقل المشهد بسرعة من «تسعير الانفجار»إلى «تسعير الانفراج»، وهذه النقلة ليست نفسية فقط، بل مالية بالكامل. فالمستثمرون بدأوا فوراً في تقليص علاوة الخطر التي كانت مفروضة على الأسهم، خصوصاً في الأسواق الأكثر حساسية للطاقة والتجارة العالمية.
ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يأتي الصعود واسع النطاق وعابراً للجغرافيا. فحين تتراجع احتمالات صدمة جيوسياسية بهذا الحجم، فإن أول ما يتحرك هو الأصول التي كانت تعاقَب بسبب الخوف، من الأسهم الدورية إلى التكنولوجيا وحتى العقود الأميركية المستقبلية.
هرمز يهدأ
مضيق هرمز كان المحور الحقيقي لهذا الارتداد، فالسوق لا تنظر إلى المضيق فقط بوصفه ممرّاً بحرياً، بل كأحد أهم «صمامات الاستقرار» في الاقتصاد العالمي. وأي تهديد بإغلاقه أو تعطيله كان يعني تلقائياً ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة، ومن ثم ضغطاً مباشراً على النمو العالمي، وخاصة في الاقتصادات المستوردة للنفط.
لهذا، فإن مجرد ربط الهدنة بإعادة الفتح الكامل والفوري والآمن للمضيق كان كافياً لتغيير الصورة بالكامل. فبدلاً من أن يبقى المستثمرون أسرى سيناريوهات نقص الإمدادات، بدأوا في تسعير احتمال عودة الانسياب الطبيعي للنفط والغاز، وهو ما خفف من مخاوف الركود التضخمي التي كانت تلوح في الأفق.
اقتصادياً، هذه نقطة مفصلية. فاستقرار هرمز لا يعني فقط هدوء أسعار النفط، بل يعني أيضاً تراجع احتمالات القفزات المفاجئة في تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وكلها عناصر كانت كفيلة بتقويض تعافي الأسواق في فترة قصيرة للغاية.
النفط يتراجع
أكثر ما أعطى للأسواق دفعة حقيقية هو التراجع الحاد في أسعار النفط. فالنفط لـم يكــن مجرد أصل يتحرك على الهامش، بل كان «المؤشر الخفي» الذي يحدد اتجاه القلق في كل الأسواق الأخرى. وعندما هبط الخام بشكل حاد بعد الهدنة، تلقى المستثمرون الرسالة الأهم؛ خطر الصدمة النفطية لم يعد هو السيناريو المرجّح في الوقت الحالي.
وهذا التراجع يملك أثراً مباشراً على الأسهم. فكل انخفاض في النفط يخفف الضغوط عن الشركات الصناعية، والنقل، والطيران، والمستهلكين، وحتى عن البنوك المركزية. كما أنه يفتح المجال لتوقعات أكثر هدوءاً بشأن التضخم، وهو ما يحسن تلقائياً تقييمات الأسهم ويعزز شهية المخاطرة.
من هنا، فإن ما حدث في جلسة الأربعاء لم يكن فقط «ارتداداً في البورصة»، بل إعادة تسعير متكاملة لاقتصاد عالمي كان يخشى أن يجد نفسه فجأة أمام موجة جديدة من التضخم وارتفاع الكلفة وانكماش الثقة.
اليابان تقفز
اليابان كانت من أكبر المستفيدين من هذا التحول، ليس فقط لأن نيكاي سجل أكبر صعود له في عام، بل لأن الاقتصاد الياباني من أكثر الاقتصادات تعرضاً لتقلبات الطاقة بسبب اعتماده الكبير على الواردات النفطية. ولهذا، فإن هبوط الخام منح السوق اليابانية دفعة مزدوجة؛ خفض كلفة الاقتصاد من جهة، ورفع شهية المستثمرين تجاه الأسهم من جهة أخرى.
اللافت أيضاً أن الزخم لم يقتصر على المؤشر العام، بل امتد إلى أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات تستهلك كميات ضخمة من الطاقة وتعتمد على بيئة تشغيلية مستقرة نسبياً. وعندما تنخفض كلفة الطاقة وتتحسن الرؤية بشأن النمو العالمي، تكون هذه القطاعات من أول المستفيدين.
كما أن تراجع عوائد السندات وارتفاع الين أضافا طبقة أخرى من الثقة، لأن السوق بدأت ترى أن البيئة العالمية قد تعود إلى مستوى أقل توتراً وأكثر قابلية للتنبؤ، وهو ما تحتاجه اليابان بشدة في ظل حساسيتها العالية تجاه الطاقة والتجارة الخارجية.
سيولة المخاطرة
ما حدث الأربعاء يعكس عودة واضحة لما يمكن تسميته «سيولة المخاطرة»، فحين يشعر المستثمرون أن أسوأ السيناريوهات لم تعد مطروحة بقوة، تعود الأموال سريعاً إلى الأصول التي كانت مستبعدة أو معاقبة خلال فترات التوتر، وهذه السيولة لا تتحرك بعشوائية، بل تبحث أولاً عن القطاعات التي تضررت أكثر من الخوف ويمكن أن ترتد أسرع مع التهدئة.
ولهذا رأينا زخماً في الأسهم المرتبطة بالنمو العالمي، والتكنولوجيا، والطيران، والنقل، وحتى في بعض الصناعات الثقيلة. فالسوق لا تشتري فقط على أساس «الهدنة»، بل على أساس ما قد تمنعه هذه الهدنة؛ صدمة نفطية، تشدد نقدي إضافي، تباطؤ اقتصادي أعمق، أو موجة بيع أوسع في الأصول الخطرة.
وهنا تكمن قوة الحركة الحالية. فهي ليست فقط ردة فعل على خبر سياسي، بل إعادة تموضع واسعة داخل المحافظ العالمية. وعندما يحدث هذا النوع من التحول، تكون السرعة عادة كبيرة، لأن كثيراً من المراكز السابقة كانت مبنية على فرضية استمرار التصعيد، لا على فرضية التهدئة.
اختبار الاستمرار
السؤال الأهم الآن ليس لماذا ارتفعت الأسواق الأربعاء، بل هل تستطيع الحفاظ على هذا الزخم؟ والإجابة هنا تعتمد بالكامل تقريباً على ما إذا كانت الهدنة ستبقى صامدة، وما إذا كانت إعادة فتح هرمز ستتحول إلى واقع مستقر لا إلى مجرد بند تفاوضي مؤقت.
إذا استمرت التهدئة، فقد تجد الأسهم العالمية دعماً إضافياً يسمح لها بالبناء على هذه القفزة، خصوصاً إذا واصل النفط تراجعه واستمرت عوائد السندات في الهدوء. أما إذا عادت التهديدات أو تعثرت التفاهمات، فقد يتحول جزء من هذا الصعود إلى مجرد «ارتداد عنيف» داخل سوق ما زالت هشة نفسياً.
كما أن جزءاً من الارتفاع الحالي قد يكون مدفوعاً بإغلاق مراكز بيع وإعادة شراء سريعة من جانب مستثمرين راهنوا على التصعيد. وهذا النوع من الصعود يكون قوياً ومقنعاً، لكنه يحتاج إلى أخبار داعمة لاحقاً حتى يتحول إلى اتجاه أكثر استدامة.
أول تسعير حقيقي
لاحتمال احتواء الحرب
في المحصلة، احتفلت الأسواق العالمية الأربعاء لأنها رأت لأول مرة منذ أيام أن العالم قد يكون ابتعد، ولو مرحلياً، عن أحد أكثر السيناريوهات خطورة؛ صدمة حرب تتوسع إلى صدمة نفط ونمو وتضخم في وقت واحد. ومن هنا جاءت القفزة في الأسهم، والهدوء في النفط، والارتداد القوي في شهية المخاطرة.
لكن ما حدث الأربعاء، رغم قوته، لا يمثل نهاية الأزمة بقدر ما يمثل أول تسعير حقيقي لاحتمال احتوائها. والسوق، كما هو معروف، لا تنتظر اليقين الكامل حتى تتحرك، بل تبدأ في الشراء عند أول إشارة إلى أن «الأسوأ قد لا يحدث».
ولهذا، فإن الرسالة الأوضح من جلسة الأربعاء هي أن العالم المالي لم يحتفل فقط بهدنة سياسية، بل احتفل باحتمال أن تكون صدمة الحرب أقل تدميراً مما كان يُخشى. وإذا استمر هذا المسار، فقد لا تكون قفزة الأربعاء حدثاً عابراً… بل بداية مرحلة إعادة تسعير أوسع في الأسواق العالمية.