الأسواق تهدأ مؤقتا بعد قفزة الأسعار… وهرمز يبقي خامات الطاقة تحت الضغط
انخفضت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل في تعاملات الاثنين، في ظل تداولات متقلبة اتسمت بالحذر والترقب، بينما يوازن المستثمرون بين إشارات التهدئة السياسية من جهة، واستمرار القلق بشأن سلامة الإمدادات وحركة الشحن في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.92 دولار، أو مـا يعـادل 1.76 %، لتسجل 107.11 دولارات للبرميل، في حين انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 2.03 دولار، أو 1.82 %، إلى 109.50 دولارات للبرميل.
ورغم هذا التراجع، فإن الصورة العامة لا تعكس هدوءاً حقيقياً في السوق، بقدر ما تشير إلى إعادة تموضع مؤقت بعد موجة صعود حادة في الجلسة السابقة. فقد قفز خام غرب تكساس الوسيط بنحو 11 % في آخر جلسة تداول، بينما صعد خام برنت بنحو 8 %، في أكبر مكاسب يومية يسجلها النفط منذ عام 2020، ما يعكس حجم الصدمة الجيوسياسية التي لا تزال الأسواق تسعّرها.
وتشير هذه التحركات إلى أن السوق لم تدخل بعد مرحلة توازن مستقر، بل لا تزال تتأرجح بين سيناريوهين متناقضين: الأول يفترض نجاح المساعي السياسية في احتواء التوتر، والثاني يبقي احتمالات تعطل الإمدادات قائمة، بما يضمن استمرار علاوة المخاطر في الأسعار.
هرمز.. مركز التسعير
لا يزال مضيق هرمز يمثل العامل الأكثر حساسية في تسعير النفط خلال المرحلة الحالية، إذ إن أهمية المضيق لا ترتبط فقط بحجم الإمدادات التي تمر عبره، بل أيضًا بكونه شرياناً استراتيجياً يعكس استقرار تجارة الطاقة العالمية.
فالمضيق ينقل النفط والمنتجات البترولية القادمة من العراق والسعودية وقطر والكويت والإمارات، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على منحنيات التسعير وتوقعات الشحن والتأمين وتكلفة الإمدادات البديلة.
ورغم الحديث عن مسارات دبلوماسية بين واشنطن وطهران، فإن المضيق لا يزال مغلقاً إلى حد كبير بسبب الهجمات الإيرانية على السفن منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، وهو ما أبقى الأسواق في حالة قلق دائم بشأن تدفق الخام من الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وفي هذا السياق، قال موكيش ساهديف، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إكس أناليستس» للاستشارات، إن عدم القدرة على إعادة فتح مضيق هرمز «يتحول أكثر فأكثر إلى مسألة نصر سياسي»، في إشارة إلى أن قرار إعادة الملاحة الطبيعية لم يعد تقنيًا أو أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بموازين الردع والرسائل السياسية بين الأطراف المتنازعة.
مفاوضات التهدئة
جاء التراجع السعري اليوم مدفوعاً جزئياً بترقب نتائج المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما تسلم الطرفان إطاراً لخطة تهدف إلى إنهاء الأعمال القتالية ووقف إطلاق النار.
لكن السوق لم تتعامل مع هذا التطور باعتباره اختراقاً حاسماً، بل كإشارة أولية تحتاج إلى ترجمة عملية على الأرض، خصوصاً أن طهران رفضت إعادة فتح مضيق هرمز على الفور، في وقت صعّد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته، متوعداً إيران بـ«الجحيم» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وأعلنت إيران من جهتها أنها صاغت مواقفها ومطالبها رداً على أحدث المقترحات المتعلقة بوقف إطلاق النار، والتي تم نقلها عبر وسطاء، ما يعني أن نافذة التفاوض لا تزال مفتوحة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة إنتاج نتائج ملموسة يمكن للأسواق البناء عليها بثقة.
ومن هنا، فإن تراجع الأسعار اليوم لا يمكن اعتباره انعكاساً لانفراج سياسي كامل، بل هو أقرب إلى تصحيح فني وسعري بعد موجة ارتفاع قوية، في وقت لا تزال فيه أساسيات المخاطر الجيوسياسية حاضرة بقوة.
المصافي تغيّر الخرائط
مع استمرار اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط، بدأت مصافي التكرير حول العالم، وخصوصاً في آسيا، في إعادة ترتيب سلاسل التوريد والبحث عن مصادر بديلة للنفط الخام، في محاولة لتقليص التعرض للمخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الخليجية.
وفي هذا الإطار، برزت شحنات الخام الأمريكية وخامات بحر الشمال البريطاني كبدائل مطلوبة خلال الأيام الأخيرة، مع سعي المشترين إلى تنويع الإمدادات وتقليل الاعتماد على الشحنات التي تمر عبر المسارات الأكثر عرضة للاضطراب.
وهذا التحول لا يعكس فقط استجابة تشغيلية قصيرة الأجل، بل يكشف أيضًا عن إعادة تسعير أوسع لمفهوم «أمن الإمدادات»، حيث لم تعد تكلفة البرميل وحدها هي المحدد الأساسي لقرارات الشراء، بل أصبحت عوامل مثل سرعة التسليم، وأمان المسار البحري، واحتمالات التأخير، جزءاً أساسياً من معادلة الاختيار.
كما أن ارتفاع الطلب على الخامات البديلة قد ينعكس تدريجياً على الفوارق السعرية بين المناطق، ويمنح بعض المنتجين خارج الشرق الأوسط فرصة لالتقاط حصة أكبر من السوق في الأجل القصير.
مرور انتقائي للسفن
ورغم أن المضيق لا يزال مغلقاً عملياً أمام الحركة الطبيعية الكاملة، فإن بيانات الشحن أظهرت أن بعض السفن عبرت مضيق هرمز منذ يوم الخميس، في تطور مهم يشير إلى أن الإغلاق ليس مطلقاً، بل يخضع لحسابات سياسية وانتقائية.
وشملت السفن التي تمكنت من العبور ناقلة تشغلها سلطنة عمان، وسفينة حاويات مملوكة لفرنسا، وناقلة غاز مملوكة لليابان. وتُقرأ هذه الحالات في السوق على أنها مؤشر إلى أن إيران تعتمد سياسة تسمح بمرور السفن القادمة من دول تعتبرها «صديقة» أو أقل عدائية في موقفها السياسي.
وهذا النمط من الإدارة الانتقائية للممر الملاحي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سوق النفط، لأن المشكلة لم تعد تقتصر على الإغلاق أو الفتح الكامل، بل باتت مرتبطة بدرجة النفاذ السياسي والاصطفاف الجيوسياسي، وهو ما يربك شركات الشحن والتأمين والمشترين في آن واحد.
وبالتالي، فإن مجرد عبور عدد محدود من السفن لا يكفي لطمأنة السوق، بل قد يعزز حالة عدم اليقين، لأن الرسالة الأساسية تصبح أن الملاحة لم تعد تخضع فقط لقواعد التجارة، بل أيضاً لمعايير النفوذ والتموضع السياسي.
أرامكو تعيد رسم علاوات آسيا
في مؤشر واضح على استمرار ضيق السوق الفعلي، أعلنت أرامكو السعودية اليوم الاثنين أنها حددت سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف لشهر مايو إلى آسيا عند علاوة غير مسبوقة بلغت 19.50 دولاراً للبرميل فوق متوسط عمان/دبي، بزيادة 17 دولاراً عن الشهر السابق.
وهذه القفزة الكبيرة في علاوة التسعير تعكس بوضوح أن السوق الآسيوية لا تزال مستعدة لدفع تكلفة أعلى مقابل ضمان الإمدادات، كما تعكس في الوقت نفسه اختلال ميزان التوافر الفوري في المنطقة.
وفي موازاة ذلك، تعرضت الإمدادات الروسية خلال الفترة الأخيرة لتعطيلات إضافية نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية على محطة التصدير التابعة لها في بحر البلطيق، ما أضاف عنصراً جديداً إلى مشهد الإمدادات العالمية المضغوط أصلًا.
ورغم أن تقارير إعلامية أفادت أمس الأحد بأن محطة أوست-لوجا استأنفت عمليات التحميل يوم السبت بعد أيام من التوقف، فإن مجرد تعرض البنية التحتية الروسية لمثل هذه الاضطرابات يكرّس مناخ الهشاشة في السوق العالمية، ويحد من قدرة النفط الروسي على لعب دور موازن سريع في مواجهة صدمات الإمدادات الأخرى.
النفط تحت رحمة السياسة والممرات
في المحصلة، فإن تراجع أسعار النفط لا يعكس انحساراً فعلياً للمخاطر، بقدر ما يمثل هدنة سعرية مؤقتة داخل سوق لا تزال شديدة التوتر، فالمفاوضات لم تصل بعد إلى نتيجة نهائية، ومضيق هرمز لم يعد إلى طبيعته، وقرارات الإنتاج لا تزال محدودة الأثر، فيما تبقى الإمدادات العالمية مكشوفة على أكثر من بؤرة توتر في وقت واحد.
لذلك، فإن السوق النفطية لا تتحرك حالياً فقط وفق معادلات العرض والطلب التقليدية، بل تحت تأثير مباشر لعوامل الجغرافيا السياسية، ومرونة سلاسل الشحن، وقدرة المنتجين على إيصال البراميل إلى الأسواق في الوقت المناسب.
وبينما قد تمنح أي تهدئة سياسية الأسعار فرصة للتراجع المؤقت، فإن بقاء المخاطر التشغيلية والبحرية والسياسية من دون حل جذري يعني أن علاوة التوتر ستظل جزءاً أساسياً من تسعير النفط خلال المرحلة المقبلة.