الأصول السيادية الضخمة تمنح الكويت مناعة مالية «نادرة»
تنفذ الكـويـت خطـة شـاملـة ومستمرة للإصلاح المالي لخفض العجز المستمر في موازنتها العامة، والذي بلغ في آخر حساب ختامي لموازنة السنة المالية 2025 – 2026 اتساع العجز إلى 7.1 مليار دينار نحو 23.1 مليار دولار، في ظل استمرار الضغوط على المالية العامة الناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية، رغم تحسن الإيرادات غير النفطية وتراجع الإنفاق عن المستويات المقدرة في الموازنة.
ووفق الحسابات الختامية، بلغ إجمالي الإيرادات 16.457 مليار دينار نحو 53.5 مليار دولار مقابل نفقات بلغت 23.598 مليار دينار نحو 76.7 مليار دولار.
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» أكد الدكتور حمد الحساوي الأمين العام الأسبق لاتحاد مصارف الكويت وعميد كلية الحوكمة والأنظمة في كلية القانون الكويتية العالمية أن مواجهة العجز يجب أن تعتمد على مسارين متوازيين أولها تعزيز الإيرادات غير النفطية، إضافة إلى الاعتماد على الملاءة المالية القوية للدولة لامتصاص أي صدمات محتملة، وهذا يتم من خلال التنويع الاقتصادي.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
- بداية دكتور حمد كيف تقرأ الحساب الختامي للموازنة العام للدولة ؟
بقراءة الحساب الختامي للموازنة الكويتية، يتكشف لنا عن واقع مالي يواجه تحديات هيكلية حادة، لكن في الوقت نفسه، يمتلك مناعة مالية نادرة بفضل الأصول السيادية الضخمة المتوفرة لدى الكويت.
العجز الفعلي حالياً والبالغ تقريباً 7.14 مليارات دينار ما هو وليد الصدفة، هو نتاج لترابط عوامل داخلية وخارجية، وفي مقدمتها طبعاً الاعتماد الكلي على الإيرادات النفطية والتي تشكل، الأساس للموازنة، وهناك جذور لهذا العجز، وهناك أسباب لهذا التفاقم؛ تتركز في ثلاثة محاور رئيسية، أولها الاعتماد بشكل كبير على النفط، والذي يشكل الإيرادات النفطية في الكويت بحوالي 90% من إجمالي إيرادات الدولة، وانخفاض هذه الإيرادات الفعلية بنسبة 11% تقريبا خلال السنة المالية المنصرمة 25-26 مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى حوالي تقريباً 13.58 مليار دينار.
المحور الآخر هو تداعيات التوترات الإقليمية الجيوسياسية، الوضع الإقليمي حالياً هذه التوترات، وتحديداً ما ترتب عليها من توقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز، أثّر بشكل مباشر وملموس في تضييق فجوة الإيرادات وزيادة العجز بنحو تقريباً 13%، هذا يؤكد على، ضعف الاقتصاد أمام أي صدمات جيوسياسية تهدد طرق التصدير للنفط، أما المحور الثالث هو أننا ما زلنا مستمرين بوتيرة إنفاق، مرتفعة، بمعنى أن الإنفاق الفعلي في الكويت، على الرغم من أنه أقل من السابق والمقدر في حدود الـ 24.5 مليار دينار، والإنفاق الفعلي حاليا 23.6 مليار دينار، إلا أنه ما يزال مرتفع، والمشكلة الأساسية فيه أن الرواتب والدعم المقدم من الدولة تقريباً يشكل 80% من إجمالي المصروفات، وهذا سبب رئيسي يحد من مرونة الحكومة في خفض النفقات.
- سجل الحساب الختامي عجزاً فعلياً بلغ 7.14 مليارات دينار، ما أسباب ذلك؟ كيف يتم مواجهة هذا العجز والحلول ؟
- لمواجهة العجز يجب أن نعتمد على مسارين متوازيين أولها تعزيز الإيرادات غير النفطية، إضافة إلى الاعتماد على الملاءة المالية القوية للدولة لامتصاص أي صدمات محتملة، وهذا طبعاً يتم من خلال تنويع الإيرادات غير النفطية، والتي تُعد من أولويات رؤية كويت 2035، ونلاحظ حاليا بأن الحكومة اتخذت خطوات جادة وطبقت ضرائب على الشركات متعددة الجنسيات بنسبة 15% في مطلع 2025، وسيدر هذا الإجراء عوائد على الدولة في حدود الـ 250 مليون دينار سنوياً، إلى جانب خطط لإعادة هيكلة رسوم الخدمات الحكومية بهدف تعزيز الإيرادات.
- ما مدى قدرة الدولة على ضبط الفجوة بين الإيرادات والمصروفات؟ وكيف يتم زيادة الإيرادات غير النفطية في الكويت؟
الكويت تتميز بقوة الملاءة المالية والأصول الخارجية، وما تقوم به الهيئة العامة للاستثمار في هذا الإطار بتنمية الأصول الخارجية، ما جعل الكويت في المرتبة الخامسة عالمياً بين صناديق الثروة السيادية، وبأصول تتجاوز تريليون دولار، ويعتبر الصندوق السيادي للكويت من الصناديق الضخمة الذي يدار بحكمة، ويعد هو صمام أمان مالي للدولة، ويمنحها القدرة الاستثنائية على تمويل العجز مهما طالت الفترة الزمنية ليواجه الصدمات دون اللجوء إلى تقليص جذري في الإنفاق أو حتى الاقتراض المكثف محلياً أو دولياً.
- ما هو تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد الكويتي؟
من الأشياء المهمة التي يجب التركيز عليها في الفترة الحالية هي انعكاسات هذه التوترات الإقليمية على الاقتصاد الكويتي، حيث ستؤثر مباشرة على الأسعار والصادرات، وانخفاض الإيرادات النفطية، وتعطل سلاسل الإمداد وهذا يظهر لنا من جانب آخر مدى حساسية الميزانية للتغيرات الجيوسياسية وليس فقط بسبب تقلبات الأسعار، لذلك هناك تأثير غير مباشر على الأسواق والاستثمار.
ومن الواضح أن الحكومة والبنك المركزي يستمرون في التأكيد على متانة وقوة الاقتصاد الوطني، وهذا استناداً على قوة الأصول والأداء الإيجابي للصندوقين العام والأجيال القادمة، وهذا يعزز ثقة المستثمرين، لكن تبقى التوترات عاملاً مهماً ويجب مراقبتها عن كثب للتأكد من أن ثقة المستثمرين مستمرة في في الاقتصاد الوطني.
الجانب الآخر هناك مرونة نقدية وأظهر هذا البنك المركزي في استجابة حكيمة للظروف العالمية والإقليمية التي مرت ونمر فيها حالياً، حيث إن مؤخراً تم تخفيض سعر الخصم بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 3.75% وهذه الإجراءات كلها تدعم نشاط الاقتصاد المحلي، وخفض تكاليف الاقتراض والحرص على عدم الوصول إلى معدلات تضخم أعلى والمحافظة عليها في حدود الـ 2.4%..
- هل الإنفاق الحكومي سيتأثر بالحرب الدائرة في المنطقة؟
على المدى القصير من غير المتوقع أن تؤدي هذه التوترات الجيوسياسية في المنطقة إلى تقليصات جذرية في الإنفاق بفضل وسادة الأمان الموجودة التي توفرها أصول الهيئة العامة للاستثمار، لكن الضغط بكل تأكيد سيزداد، ولذلك لابد أن يكون هناك إصلاح هيكلي فيما يتعلق بالدعم والرواتب على المدى البعيد لضمان استدامة المالية العامة في الدولة، وهناك تحدي كبير لابد أن يكون هناك سيطرة على الفجوة بين الإيرادات والمصروفات على المدى البعيد، لذلك الحلول لا تقتصر على زيادة الإيرادات غير النفطية وضبط الإنفاق فقط، هناك أيضاً متطلبات أخرى وهي لابد أن يكون في تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية وزيادة مساهمة القطاع الخاص وتفعيل دوره بشكل حقيقي في الناتج المحلي لتقليل الاعتماد على النفط بشكل تدريجي.
في المجمل أنا أعتقد أن الاقتصاد الكويتي يمر بمرحلة اختبار ضغط حقيقية، لكنه سيجتاز هذه المرحلة بفضل القوة المالية المتراكمة على مدى عقود، وحكمة القيادة السياسية، وأيضاً السياسة الحصيفة التي يتبعها بنك الكويت المركزي، العجز الحقيقي اليوم لازم ننظر له بأنه هو ليس أزمة سيولة بقدر ما هو جرس إنذار سيدفعنا نحو تسريع وتيرة التحول الاقتصادي.
وأعتقد الرهان الأكبر هو على نجاح الحكومة في تحويل التحدي الذي نمر فيه اليوم، هذا التحدي الجيوسياسي وتحدي الإيرادات النفطية، إلى أن يدفعها لتسريع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي من سنوات طويلة والحكومة تحاول بأن لديها طموح كبير بأنها تعيد الاقتصاد إلى القوة والمتانة التي لضمان الاستدامة، من خلال الاعتماد الأكبر على تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، وأيضاً يكون هناك حرص وحكمة في إدارة الأصول السيادية لأنها هي الركيزة الأهم للثقة والاستقرار في الاقتصاد الكويتي.
- لماذا يخالف البنك المركزي الكويتي في رفع أسعار الفائدة مع الفيدرالي الأميركي؟
يعود السبب الرئيسي وراء مخالفة بنك الكويت المركزي للفيدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة، إلى ما يتمتع فيه نظام سعر صرف الدينار الكويتي بالمرونة التامة، والتي تختلف تماماً عن الأنظمة في بقية دول الخليج، التي تتبع الفيدرالي الأمريكي بشكل حثيث في المحافظة على استقرار عملاتها، حيث نرى دول مثل السعودية والإمارات تربط عملاتها بالدولار بشكل آلي وقوي.
ويرتبط الدينار الكويتي بسلة عملات يهيمن عليها الدولار، لكنها ليست محصورة في الدولار فقط، وهذا أعطى البنك المركزي مجال أكبر للتفكير في سياسة نقدية تراعي الظروف المحلية الكويتية، وليس مجرد نسخ لتحركات الفيدرالي الأمريكي، والأهداف المحلية وراء هذه المخالفة التي لم تكن مجرد خيار عشوائي، ولكن استندت إلى رؤية اقتصادية محلية تميز فيها محافظ بنك الكويت المركزي، بأنه في الوقت الذي كان الفيدرالي يرفع الفائدة لمواجهة تضخم تجاوز 8 %، كان معدل التضخم في وقتها في الكويت أقل بكثير، إذ تباطأ إلى حوالي تقريباً 3.19 % في سبتمبر من عام 2022، وهذه كانت في فترة ما بعد الكوفيد 19.
نرى أن البنك المركزي أيضاً له رؤيته في أن بياناته لا تستدعي نفس وتيرة التصاعد في رفع الفائدة، وذلك كان بهدف تجنب أي إضرار بالنمو الاقتصادي في الكويت، الجانب الآخر هو تعزيز جاذبية الدينار، لذلك تحرك البنك المركزي الكويتي برفع الفائدة بشكل متأخر وأقل من الفيدرالي الأمريكي لكنه كان في حدود كافية للحفاظ على الفجوة بين عوائد الدينار والدولار ضمن نطاق ما يشجع عمليات المضاربة والتحول إلى الدولار وترك الدينار وهذا بالفعل ما حدث في وقتها بأن المركزي حمى العملة الوطنية وشجع للاحتفاظ بالمدخرات بالدينار.
الجانب الآخر نرى أن المركزي سعى بأن يحفز القطاع المصرفي والاقتصاد غير النفطي، والهدف من التخفيض التدريجي للفائدة هو تحفيز الإقراض وتقليل الأعباء التمويلية على البنوك، فضلا عن دعم المشاريع وتشجيع الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري في الكويت، وهذا سينعكس بشكل كبير على القطاعات غير النفطية التي تعد جزء أساسي من التجارة والصناعة والعقار في الكويت.
الأحداث التي مر بها الاقتصاد العالمي تؤكد على أن هذه السياسة المرنة في فترة رفع الفيدرالي الفائدة كان بنك الكويت المركزي غالباً ما يرفع سعر الخصم بنسبة 25 نقطة أساس بينما كان يرفع الفيدرالي 75 نقطة أساس، وفي أكتوبر من العام الماضي خفض الفيدرالي الفائدة لكن بنك الكويت المركزي أبقى سعر الخصم ثابت وعند حدود الـ 3.75، 3.75% وهذا كان موقف مغاير تماماً للتوجهات السابقة في الرفع لسعر الخصم كما كان الفيدرالي يقوم بهذا الرفع لكن جاء هذا التغيير أو الموقف المغاير على أساس أن الكويت تنتهج نهج يسمح لها بمعايرة سياساتها النقدية بحيث أنها ترى ما يتناسب مع أوضاعها الاقتصادية الداخلية لتحقق هذا التوازن بشكل دقيق لحماية الاستقرار النقدي ودعم النمو الاقتصادي في دولة الكويت.