تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول‭ ‬السيادية‭ ‬الضخمة‭ ‬تمنح‭ ‬الكويت‭ ‬مناعة‭ ‬مالية‭ ‬‮«‬نادرة‮»‬

الأصول‭ ‬السيادية‭ ‬الضخمة‭ ‬تمنح‭ ‬الكويت‭ ‬مناعة‭ ‬مالية‭ ‬‮«‬نادرة‮»‬

تنفذ‭ ‬الكـويـت‭ ‬خطـة‭ ‬شـاملـة‭ ‬ومستمرة‭ ‬للإصلاح‭ ‬المالي‭ ‬لخفض‭ ‬العجز‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬موازنتها‭ ‬العامة،‭ ‬والذي‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬حساب‭ ‬ختامي‭ ‬لموازنة‭ ‬السنة‭ ‬المالية‭ ‬2025‭ – ‬2026‭ ‬اتساع‭ ‬العجز‭ ‬إلى‭ ‬7‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬نحو‭ ‬23‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية،‭ ‬رغم‭ ‬تحسن‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬وتراجع‭ ‬الإنفاق‭ ‬عن‭ ‬المستويات‭ ‬المقدرة‭ ‬في‭ ‬الموازنة‭.‬
ووفق‭ ‬الحسابات‭ ‬الختامية،‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬الإيرادات‭ ‬16‭.‬457‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬نحو‭ ‬53‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬مقابل‭ ‬نفقات‭ ‬بلغت‭ ‬23‭.‬598‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬نحو‭ ‬76‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬
وفي‭ ‬حديث‭ ‬خاص‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬عالم‭ ‬الاقتصاد‮»‬‭ ‬أكد‭ ‬الدكتور‭ ‬حمد‭ ‬الحساوي‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬الأسبق‭ ‬لاتحاد‭ ‬مصارف‭ ‬الكويت‭ ‬وعميد‭ ‬كلية‭ ‬الحوكمة‭ ‬والأنظمة‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬القانون‭ ‬الكويتية‭ ‬العالمية‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬العجز‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مسارين‭ ‬متوازيين‭ ‬أولها‭ ‬تعزيز‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الملاءة‭ ‬المالية‭ ‬القوية‭ ‬للدولة‭ ‬لامتصاص‭ ‬أي‭ ‬صدمات‭ ‬محتملة،‭ ‬وهذا‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭. ‬
وإليكم‭ ‬تفاصيل‭ ‬اللقاء‭: ‬

‭- ‬بداية‭ ‬دكتور‭ ‬حمد‭ ‬كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬الحساب‭ ‬الختامي‭ ‬للموازنة‭ ‬العام‭ ‬للدولة‭ ‬؟
بقراءة‭ ‬الحساب‭ ‬الختامي‭ ‬للموازنة‭ ‬الكويتية،‭ ‬يتكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬مالي‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬حادة،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يمتلك‭ ‬مناعة‭ ‬مالية‭ ‬نادرة‭ ‬بفضل‭ ‬الأصول‭ ‬السيادية‭ ‬الضخمة‭ ‬المتوفرة‭ ‬لدى‭ ‬الكويت‭.‬
العجز‭ ‬الفعلي‭ ‬حالياً‭ ‬والبالغ‭ ‬تقريباً‭ ‬7‭.‬14‭ ‬مليارات‭ ‬دينار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة،‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬لترابط‭ ‬عوامل‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬طبعاً‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكلي‭ ‬على‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬والتي‭ ‬تشكل،‭ ‬الأساس‭ ‬للموازنة،‭ ‬وهناك‭ ‬جذور‭ ‬لهذا‭ ‬العجز،‭ ‬وهناك‭ ‬أسباب‭ ‬لهذا‭ ‬التفاقم؛‭ ‬تتركز‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية،‭ ‬أولها‭ ‬الاعتماد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬والذي‭ ‬يشكل‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬بحوالي‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬إيرادات‭ ‬الدولة،‭ ‬وانخفاض‭ ‬هذه‭ ‬الإيرادات‭ ‬الفعلية‭ ‬بنسبة‭ ‬11‭% ‬تقريبا‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬المالية‭ ‬المنصرمة‭ ‬25‭-‬26‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬تقريباً‭ ‬13‭.‬58‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭.‬
المحور‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬تداعيات‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬الوضع‭ ‬الإقليمي‭ ‬حالياً‭ ‬هذه‭ ‬التوترات،‭ ‬وتحديداً‭ ‬ما‭ ‬ترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬توقف‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬أثّر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وملموس‭ ‬في‭ ‬تضييق‭ ‬فجوة‭ ‬الإيرادات‭ ‬وزيادة‭ ‬العجز‭ ‬بنحو‭ ‬تقريباً‭ ‬13‭%‬،‭ ‬هذا‭ ‬يؤكد‭ ‬على،‭ ‬ضعف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬صدمات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬تهدد‭ ‬طرق‭ ‬التصدير‭ ‬للنفط،‭ ‬أما‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬هو‭ ‬أننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬مستمرين‭ ‬بوتيرة‭ ‬إنفاق،‭ ‬مرتفعة،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬الإنفاق‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬السابق‭ ‬والمقدر‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الـ‭ ‬24‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬والإنفاق‭ ‬الفعلي‭ ‬حاليا‭ ‬23‭.‬6‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬مرتفع،‭ ‬والمشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬الرواتب‭ ‬والدعم‭ ‬المقدم‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬تقريباً‭ ‬يشكل‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المصروفات،‭ ‬وهذا‭ ‬سبب‭ ‬رئيسي‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬النفقات‭.‬

‭- ‬سجل‭ ‬الحساب‭ ‬الختامي‭ ‬عجزاً‭ ‬فعلياً‭ ‬بلغ‭ ‬7‭.‬14‭ ‬مليارات‭ ‬دينار،‭ ‬ما‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك؟‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬والحلول‭ ‬؟‭ ‬
‭- ‬لمواجهة‭ ‬العجز‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعتمد‭ ‬على‭ ‬مسارين‭ ‬متوازيين‭ ‬أولها‭ ‬تعزيز‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الملاءة‭ ‬المالية‭ ‬القوية‭ ‬للدولة‭ ‬لامتصاص‭ ‬أي‭ ‬صدمات‭ ‬محتملة،‭ ‬وهذا‭ ‬طبعاً‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنويع‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية،‭ ‬والتي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أولويات‭ ‬رؤية‭ ‬كويت‭ ‬2035،‭ ‬ونلاحظ‭ ‬حاليا‭ ‬بأن‭ ‬الحكومة‭ ‬اتخذت‭ ‬خطوات‭ ‬جادة‭ ‬وطبقت‭ ‬ضرائب‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬بنسبة‭ ‬15‭% ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬2025،‭ ‬وسيدر‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬عوائد‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الـ‭ ‬250‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬سنوياً،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خطط‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬رسوم‭ ‬الخدمات‭ ‬الحكومية‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬الإيرادات‭.‬

‭- ‬ما‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الإيرادات‭ ‬والمصروفات؟‭ ‬وكيف‭ ‬يتم‭ ‬زيادة‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬الكويت؟
الكويت‭ ‬تتميز‭ ‬بقوة‭ ‬الملاءة‭ ‬المالية‭ ‬والأصول‭ ‬الخارجية،‭ ‬وما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬بتنمية‭ ‬الأصول‭ ‬الخارجية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الكويت‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الخامسة‭ ‬عالمياً‭ ‬بين‭ ‬صناديق‭ ‬الثروة‭ ‬السيادية،‭ ‬وبأصول‭ ‬تتجاوز‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬ويعتبر‭ ‬الصندوق‭ ‬السيادي‭ ‬للكويت‭ ‬من‭ ‬الصناديق‭ ‬الضخمة‭ ‬الذي‭ ‬يدار‭ ‬بحكمة،‭ ‬ويعد‭ ‬هو‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬مالي‭ ‬للدولة،‭ ‬ويمنحها‭ ‬القدرة‭ ‬الاستثنائية‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬العجز‭ ‬مهما‭ ‬طالت‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية‭ ‬ليواجه‭ ‬الصدمات‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الاقتراض‭ ‬المكثف‭ ‬محلياً‭ ‬أو‭ ‬دولياً‭.‬

‭- ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تأثير‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكويتي؟
من‭ ‬الأشياء‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬التركيز‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الحالية‭ ‬هي‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكويتي،‭ ‬حيث‭ ‬ستؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والصادرات،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية،‭ ‬وتعطل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وهذا‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬مدى‭ ‬حساسية‭ ‬الميزانية‭ ‬للتغيرات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسعار،‭ ‬لذلك‭ ‬هناك‭ ‬تأثير‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬والاستثمار‭.‬
ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬والبنك‭ ‬المركزي‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬متانة‭ ‬وقوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬وهذا‭ ‬استناداً‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الأصول‭ ‬والأداء‭ ‬الإيجابي‭ ‬للصندوقين‭ ‬العام‭ ‬والأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين،‭ ‬لكن‭ ‬تبقى‭ ‬التوترات‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬ويجب‭ ‬مراقبتها‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬
‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬هناك‭ ‬مرونة‭ ‬نقدية‭ ‬وأظهر‭ ‬هذا‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬استجابة‭ ‬حكيمة‭ ‬للظروف‭ ‬العالمية‭ ‬والإقليمية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬ونمر‭ ‬فيها‭ ‬حالياً،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬مؤخراً‭ ‬تم‭ ‬تخفيض‭ ‬سعر‭ ‬الخصم‭ ‬بمقدار‭ ‬25‭ ‬نقطة‭ ‬أساس‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬75‭% ‬وهذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬كلها‭ ‬تدعم‭ ‬نشاط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬وخفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬معدلات‭ ‬تضخم‭ ‬أعلى‭ ‬والمحافظة‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الـ‭ ‬2‭.‬4‭%..‬

‭- ‬هل‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬سيتأثر‭ ‬بالحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬المنطقة؟
على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬تقليصات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬بفضل‭ ‬وسادة‭ ‬الأمان‭ ‬الموجودة‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬أصول‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للاستثمار،‭ ‬لكن‭ ‬الضغط‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬سيزداد،‭ ‬ولذلك‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬إصلاح‭ ‬هيكلي‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالدعم‭ ‬والرواتب‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬وهناك‭ ‬تحدي‭ ‬كبير‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬سيطرة‭ ‬على‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الإيرادات‭ ‬والمصروفات‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬لذلك‭ ‬الحلول‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬وضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬فقط،‭ ‬هناك‭ ‬أيضاً‭ ‬متطلبات‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭ ‬وزيادة‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وتفعيل‭ ‬دوره‭ ‬بشكل‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭.‬
في‭ ‬المجمل‭ ‬أنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكويتي‭ ‬يمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬اختبار‭ ‬ضغط‭ ‬حقيقية،‭ ‬لكنه‭ ‬سيجتاز‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بفضل‭ ‬القوة‭ ‬المالية‭ ‬المتراكمة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬وحكمة‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬السياسة‭ ‬الحصيفة‭ ‬التي‭ ‬يتبعها‭ ‬بنك‭ ‬الكويت‭ ‬المركزي،‭ ‬العجز‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬لازم‭ ‬ننظر‭ ‬له‭ ‬بأنه‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬أزمة‭ ‬سيولة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬سيدفعنا‭ ‬نحو‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وأعتقد‭ ‬الرهان‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬على‭ ‬نجاح‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬نمر‭ ‬فيه‭ ‬اليوم،‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬وتحدي‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يدفعها‭ ‬لتسريع‭ ‬تنفيذ‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬والحكومة‭ ‬تحاول‭ ‬بأن‭ ‬لديها‭ ‬طموح‭ ‬كبير‭ ‬بأنها‭ ‬تعيد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬والمتانة‭ ‬التي‭ ‬لضمان‭ ‬الاستدامة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاعتماد‭ ‬الأكبر‭ ‬على‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬النفط،‭ ‬وأيضاً‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬حرص‭ ‬وحكمة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭ ‬السيادية‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬الركيزة‭ ‬الأهم‭ ‬للثقة‭ ‬والاستقرار‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكويتي‭.‬

‭- ‬لماذا‭ ‬يخالف‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الكويتي‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬مع‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي؟
يعود‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬وراء‭ ‬مخالفة‭ ‬بنك‭ ‬الكويت‭ ‬المركزي‭ ‬للفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يتمتع‭ ‬فيه‭ ‬نظام‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬الدينار‭ ‬الكويتي‭ ‬بالمرونة‭ ‬التامة،‭ ‬والتي‭ ‬تختلف‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬الأنظمة‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬بشكل‭ ‬حثيث‭ ‬في‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬عملاتها،‭ ‬حيث‭ ‬نرى‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬تربط‭ ‬عملاتها‭ ‬بالدولار‭ ‬بشكل‭ ‬آلي‭ ‬وقوي‭.‬
ويرتبط‭ ‬الدينار‭ ‬الكويتي‭ ‬بسلة‭ ‬عملات‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬الدولار،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬الدولار‭ ‬فقط،‭ ‬وهذا‭ ‬أعطى‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬مجال‭ ‬أكبر‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬نقدية‭ ‬تراعي‭ ‬الظروف‭ ‬المحلية‭ ‬الكويتية،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬نسخ‭ ‬لتحركات‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬والأهداف‭ ‬المحلية‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬المخالفة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬عشوائي،‭ ‬ولكن‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬محلية‭ ‬تميز‭ ‬فيها‭ ‬محافظ‭ ‬بنك‭ ‬الكويت‭ ‬المركزي،‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الفيدرالي‭ ‬يرفع‭ ‬الفائدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬تضخم‭ ‬تجاوز‭ ‬8‭ %‬،‭ ‬كان‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬أقل‭ ‬بكثير،‭ ‬إذ‭ ‬تباطأ‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬تقريباً‭ ‬3‭.‬19‭ % ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬وهذه‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكوفيد‭ ‬19‭. ‬
نرى‭ ‬أن‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬أيضاً‭ ‬له‭ ‬رؤيته‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬بياناته‭ ‬لا‭ ‬تستدعي‭ ‬نفس‭ ‬وتيرة‭ ‬التصاعد‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة،‭ ‬وذلك‭ ‬كان‭ ‬بهدف‭ ‬تجنب‭ ‬أي‭ ‬إضرار‭ ‬بالنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬تعزيز‭ ‬جاذبية‭ ‬الدينار،‭ ‬لذلك‭ ‬تحرك‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الكويتي‭ ‬برفع‭ ‬الفائدة‭ ‬بشكل‭ ‬متأخر‭ ‬وأقل‭ ‬من‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬كافية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬عوائد‭ ‬الدينار‭ ‬والدولار‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬ما‭ ‬يشجع‭ ‬عمليات‭ ‬المضاربة‭ ‬والتحول‭ ‬إلى‭ ‬الدولار‭ ‬وترك‭ ‬الدينار‭ ‬وهذا‭ ‬بالفعل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬بأن‭ ‬المركزي‭ ‬حمى‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭ ‬وشجع‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بالمدخرات‭ ‬بالدينار‭.‬
الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬المركزي‭ ‬سعى‭ ‬بأن‭ ‬يحفز‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬النفطي،‭ ‬والهدف‭ ‬من‭ ‬التخفيض‭ ‬التدريجي‭ ‬للفائدة‭ ‬هو‭ ‬تحفيز‭ ‬الإقراض‭ ‬وتقليل‭ ‬الأعباء‭ ‬التمويلية‭ ‬على‭ ‬البنوك،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬المشاريع‭ ‬وتشجيع‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬والاستثماري‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬وهذا‭ ‬سينعكس‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬جزء‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬والعقار‭ ‬في‭ ‬الكويت‭.‬
الأحداث‭ ‬التي‭ ‬مر‭ ‬بها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تؤكد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬المرنة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬رفع‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الفائدة‭ ‬كان‭ ‬بنك‭ ‬الكويت‭ ‬المركزي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬سعر‭ ‬الخصم‭ ‬بنسبة‭ ‬25‭ ‬نقطة‭ ‬أساس‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬يرفع‭ ‬الفيدرالي‭ ‬75‭ ‬نقطة‭ ‬أساس،‭ ‬وفي‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬خفض‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الفائدة‭ ‬لكن‭ ‬بنك‭ ‬الكويت‭ ‬المركزي‭ ‬أبقى‭ ‬سعر‭ ‬الخصم‭ ‬ثابت‭ ‬وعند‭ ‬حدود‭ ‬الـ‭ ‬3‭.‬75،‭ ‬3‭.‬75‭% ‬وهذا‭ ‬كان‭ ‬موقف‭ ‬مغاير‭ ‬تماماً‭ ‬للتوجهات‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الرفع‭ ‬لسعر‭ ‬الخصم‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الفيدرالي‭ ‬يقوم‭ ‬بهذا‭ ‬الرفع‭ ‬لكن‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬أو‭ ‬الموقف‭ ‬المغاير‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬الكويت‭ ‬تنتهج‭ ‬نهج‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بمعايرة‭ ‬سياساتها‭ ‬النقدية‭ ‬بحيث‭ ‬أنها‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬أوضاعها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الداخلية‭ ‬لتحقق‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭ ‬لحماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬النقدي‭ ‬ودعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭.‬

رجوع لأعلى