تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأصول‭ ‬المالية‭ ‬وتحول‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي

FF.33 1

شهد‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عبر‭ ‬تطوره‭ ‬التاريخي‭ ‬مساراً‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬ابتكار‭ ‬رموز‭ ‬وأطر‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬الموارد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتنظم‭ ‬العلاقة‭ ‬بها،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬ظهور‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الحق‮»‬‭ ‬بصورتيه؛‭ ‬الحق‭ ‬العيني‭ ‬المرتبط‭ ‬بالملكية،‭ ‬والحق‭ ‬الشخصي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالديون‭ ‬والالتزامات،‭ ‬وهي‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬لاحقاً‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬عليه‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكالها‭ ‬الحديثة‭.‬
ويُعد‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الملكية‮»‬‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬وأوضح‭ ‬صور‭ ‬هذه‭ ‬الأصول‭. ‬ففي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬إدراك‭ ‬قانوني‭ ‬منظم‭ ‬لمعنى‭ ‬الملكية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬المفهوم‭ ‬السائد‭ ‬هو‭ ‬الحيازة‭ ‬المادية،‭ ‬أي‭ ‬سيطرة‭ ‬الفرد‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬يده‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬أو‭ ‬ممتلكات‭ ‬كالمسكن‭ ‬والأرض‭ ‬المحيطة‭ ‬به،‭ ‬مع‭ ‬حمايتها‭ ‬بالقوة‭ ‬طالما‭ ‬كان‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬كان‭ ‬الشخص‭ ‬يُعتبر‭ ‬مجرد‭ ‬حائز‭ ‬للشيء،‭ ‬أي‭ ‬مسيطراً‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الواقعية‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬اعتراف‭ ‬قانوني‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي‭ ‬منظم‭ ‬بهذه‭ ‬السيطرة‭.‬
لكن‭ ‬مع‭ ‬استقرار‭ ‬الجماعات‭ ‬البشرية‭ ‬وظهور‭ ‬التنظيم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بدأت‭ ‬تتبلور‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الشرعية‮»‬،‭ ‬فتحولت‭ ‬الحيازة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وضع‭ ‬مادي‭ ‬إلى‭ ‬حق‭ ‬قانوني‭ ‬معترف‭ ‬به‭. ‬فأصبح‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الموارد‭ ‬المنقولة‭ ‬كالأدوات‭ ‬والملابس،‭ ‬أو‭ ‬العقارات‭ ‬كالأراضي‭ ‬والمنازل،‭ ‬يتمتع‭ ‬بحق‭ ‬قانوني‭ ‬يمنحه‭ ‬سلطة‭ ‬الانتفاع‭ ‬بالشيء‭ ‬والتصرف‭ ‬فيه‭ ‬ومنع‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليه‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬قائماً‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬المادية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬اعتراف‭ ‬المجتمع‭ ‬بحق‭ ‬المالك‭ ‬وحماية‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬منظم‭ ‬يضمن‭ ‬استقراره‭ ‬واستمراره‭.‬

شرعية‭ ‬الملكية

ومن‭ ‬هنا‭ ‬اكتسبت‭ ‬الملكية‭ ‬بعدها‭ ‬القانوني‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬تعني‭ ‬إقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬بحق‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬الانتفاع‭ ‬بملكه‭ ‬والتصرف‭ ‬به‭ ‬بحرية‭ ‬ضمن‭ ‬الحدود‭ ‬المشروعة،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬احترام‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬من‭ ‬الجميع‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ثروة‭ ‬الفرد‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬السيطرة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬ممتلكاته،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تستند‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬شرعية‭ ‬قانونية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تكفل‭ ‬حمايتها‭ ‬وتمنحها‭ ‬صفة‭ ‬الاستقرار‭ ‬والاستمرار‭.‬
ومع‭ ‬تطور‭ ‬هذه‭ ‬المفاهيم،‭ ‬أصبحت‭ ‬التصرفات‭ ‬القانونية‭ ‬تتم‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬ذاتها،‭ ‬أي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالأصول‭ ‬المالية،‭ ‬بحيث‭ ‬يؤدي‭ ‬انتقال‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬إلى‭ ‬انتقال‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬العينية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭. ‬ولهذا‭ ‬شكّلت‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬أول‭ ‬صورة‭ ‬حقيقية‭ ‬للأصول‭ ‬المالية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬تمثل‭ ‬رمزاً‭ ‬قانونياً‭ ‬للأصول‭ ‬المادية،‭ ‬فصار‭ ‬التعامل‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬‮«‬الحقوق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬الملكيات،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬تنتقل‭ ‬الأراضي‭ ‬والسلع‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الثروات‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬
ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬ظهور‭ ‬الملكية‭ ‬باعتبارها‭ ‬حقاً‭ ‬أو‭ ‬أصلاً‭ ‬مالياً،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬اكتشاف‭ ‬أهمية‭ ‬النقود‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لتسهيل‭ ‬عمليات‭ ‬التبادل‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭. ‬فالنقود‭ ‬ليست‭ ‬سلعة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولا‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬العينية‭ ‬التي‭ ‬تُشبع‭ ‬الحاجات‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬تمثل‭ ‬مفهوماً‭ ‬مختلفاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬صاحبها‭ ‬قدرة‭ ‬عامة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬المختلفة‭.‬

القوة‭ ‬الشرائية

فالنقود‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬تُعد‭ ‬‮«‬أصلاً‭ ‬مالياً‮»‬،‭ ‬لأنها‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتاحة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬محدد‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬بعينه‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الملكية‭. ‬فحامل‭ ‬النقود‭ ‬يستطيع‭ ‬استخدامها‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬سلعة‭ ‬معروضة‭ ‬للبيع،‭ ‬ولذلك‭ ‬اكتسبت‭ ‬النقود‭ ‬صفتها‭ ‬كأداة‭ ‬تمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬شرائية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويلها‭ ‬عبر‭ ‬الشراء‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬عينية‭ ‬وموارد‭ ‬اقتصادية‭ ‬مختلفة‭ ‬بحسب‭ ‬مقدار‭ ‬ما‭ ‬يملكه‭ ‬منها‭.‬
ومع‭ ‬اتساع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتزايد‭ ‬تعقيداته،‭ ‬أدركت‭ ‬البشرية‭ ‬أن‭ ‬المشروعات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬إمكانيات‭ ‬الأفراد‭ ‬المنفردين،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تجميع‭ ‬الموارد‭ ‬والجهود‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬جماعي‭ ‬يتيح‭ ‬تنفيذ‭ ‬أعمال‭ ‬أوسع‭ ‬وأكثر‭ ‬تطوراً‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نشأت‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الشركة‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬كياناً‭ ‬يملكه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شخص،‭ ‬بحيث‭ ‬يمتلك‭ ‬كل‭ ‬شريك‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬ويتحمل‭ ‬نصيباً‭ ‬من‭ ‬نتائجه‭.‬
وفي‭ ‬بداياتها‭ ‬كانت‭ ‬الشركات‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الشخصية‭ ‬والثقة‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬الشركاء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أثبت‭ ‬محدوديته‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬المشاركين‭ ‬كان‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬المشروعات‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬واستقطاب‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬كبيرة‭. ‬لذلك‭ ‬ظهرت‭ ‬فكرة‭ ‬تداول‭ ‬حصص‭ ‬الملكية‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬لتتحول‭ ‬الشركات‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬مساهمة‭ ‬مقسمة‭ ‬إلى‭ ‬أسهم‭ ‬قابلة‭ ‬للتداول‭.‬

الأسهم‭ ‬المتداولة

وأصبح‭ ‬السهم‭ ‬يمثل‭ ‬حصة‭ ‬في‭ ‬ملكية‭ ‬الشركة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أداة‭ ‬قابلة‭ ‬للبيع‭ ‬والشراء‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬اكتسبت‭ ‬الأسهم‭ ‬صفتها‭ ‬كأصول‭ ‬مالية،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تُعد‭ ‬سلعة‭ ‬أو‭ ‬مورداً‭ ‬عينياً‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬ملكية‭ ‬الشركة‭ ‬وما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬إنتاجية‭ ‬كالأراضي‭ ‬والمصانع‭ ‬والمعدات‭. ‬وقد‭ ‬ساعدت‭ ‬قابلية‭ ‬تداول‭ ‬الأسهم‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬إقامة‭ ‬مشروعات‭ ‬ضخمة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬هائلة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬عزز‭ ‬تطور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬ورفع‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬جديدة‭.‬
وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬الأسهم،‭ ‬شهدت‭ ‬ديون‭ ‬المشروعات‭ ‬بدورها‭ ‬تطوراً‭ ‬مماثلاً،‭ ‬إذ‭ ‬تحتاج‭ ‬الشركات‭ ‬خلال‭ ‬نشاطها‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬إضافي‭ ‬لفترات‭ ‬قصيرة‭ ‬أو‭ ‬طويلة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ظهرت‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬مثل‭ ‬السندات‭ ‬والأوراق‭ ‬التجارية،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬بدورها‭ ‬أصولاً‭ ‬مالية،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تشبع‭ ‬الحاجات‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬تمنح‭ ‬أصحابها‭ ‬حقوقاً‭ ‬ومطالبات‭ ‬مالية‭ ‬تجاه‭ ‬الجهة‭ ‬المقترضة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تجاه‭ ‬الأصول‭ ‬الإنتاجية‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬تلك‭ ‬الجهات‭. ‬وهكذا‭ ‬تطورت‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬لتشمل‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬القابلة‭ ‬للتداول،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث‭.‬
ومع‭ ‬اتساع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتعاظم‭ ‬حركة‭ ‬التبادل،‭ ‬أخذت‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬تظهر‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح‭ ‬بوصفها‭ ‬حقوقاً‭ ‬ومطالبات‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العيني،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬موارد‭ ‬مادية‭ ‬تُشبع‭ ‬الحاجات‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬تُعد‭ ‬أدوات‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الموارد‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تداول‭ ‬هذه‭ ‬الأصول‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬تنتقل‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬العينية‭ ‬نفسها،‭ ‬لتصبح‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬بمثابة‭ ‬رموز‭ ‬تحرك‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭. ‬ولهذا‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬أصحابها‭ ‬باعتبارها‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الثروة،‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬بديلاً‭ ‬قانونياً‭ ‬ومالياً‭ ‬للأصول‭ ‬الواقعية‭ ‬المنتجة‭.‬

الاقتصاد‭ ‬المالي

وبذلك‭ ‬أصبح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العيني‭ ‬يتحرك‭ ‬عبر‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬الرموز‭ ‬المالية،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يستخدم‭ ‬الإنسان‭ ‬اللغة‭ ‬والكتابة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬المعاني‭ ‬والأفكار‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬المباشر‭ ‬معها‭. ‬فالأصول‭ ‬المالية‭ ‬تؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬مماثلة،‭ ‬إذ‭ ‬تسمح‭ ‬بتداول‭ ‬الحقوق‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالثروات‭ ‬والموارد‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬الأصول‭ ‬المادية‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬معاملة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ظهر‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الاقتصاد‭ ‬المالي‮»‬‭ ‬باعتباره‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يمد‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بالطاقة‭ ‬والمعلومات‭ ‬والآليات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحريك‭ ‬دورة‭ ‬الثروة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬
وعند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المالي،‭ ‬فإن‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬رئيسية‭: ‬الأدوات‭ ‬المالية،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬والقواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للعلاقات‭ ‬والمعاملات‭. ‬أما‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬فهي‭ ‬مختلف‭ ‬صور‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬حقوقاً‭ ‬أو‭ ‬مطالبات‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العيني،‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬تشكل‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالثروة‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة‭.‬
وقد‭ ‬شهدت‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬تطوراً‭ ‬كبيراً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الحقوق‭ ‬المباشرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأصول‭ ‬العينية،‭ ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬أنواع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬أو‭ ‬التزامات‭ ‬مشتقة‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬مالية‭ ‬أخرى،‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالأدوات‭ ‬أو‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬المشتقة‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬الأصل‭ ‬المالي‭ ‬يمثل‭ ‬حقاً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬مادي،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إنشاء‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬جديدة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬مالية‭ ‬قائمة،‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تراكمي‭ ‬متداخل‭ ‬تتولد‭ ‬فيه‭ ‬طبقات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الالتزامات‭ ‬والحقوق‭.‬

الأصول‭ ‬المشتقة

كما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الحالية‭ ‬الموجودة‭ ‬فعلياً،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬التعامل‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬مستقبلية،‭ ‬مثل‭ ‬العقود‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتسليم‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬القطن‭ ‬أو‭ ‬غيرهما‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬بعد‭ ‬عدة‭ ‬أشهر‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يحمل‭ ‬المشتري‭ ‬حقاً‭ ‬مالياً‭ ‬يخول‭ ‬له‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬معين‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬ويمكن‭ ‬بدوره‭ ‬بيع‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬وتداوله‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬التنفيذ‭. ‬وهكذا‭ ‬توسعت‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬جعل‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تمتلك‭ ‬حياة‭ ‬مستقلة‭ ‬نسبياً‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العيني‭ ‬الذي‭ ‬نشأت‭ ‬منه‭.‬

رجوع لأعلى