الأمير الوالد صانع النهضة الاقتصادية القطرية
لم يكن التحول الاقتصادي الذي شهدته قطر منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي مجرد انعكاس لارتفاع أسعار النفط والغاز، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية أعادت صياغة النموذج الاقتصادي للدولة، وحولت الثروة الطبيعية إلى قاعدة للتنمية المستدامة والاستثمار العالمي. ومع إعلان وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يعود الحديث عن الإرث الاقتصادي الذي نقل قطر من اقتصاد محدود يعتمد على النفط إلى واحدة من أكثر الدول تأثيراً في أسواق الطاقة والاستثمار والتمويل العالمي.
فعندما تولى الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995، كان الاقتصاد القطري صغير الحجم، بينما كانت احتياطيات الغاز الضخمة في حقل الشمال لا تزال في بدايات استثمارها. وخلال أقل من عقدين، أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وصاحبة أحد أكبر الصناديق السيادية، ومن أعلى دول العالم في نصيب الفرد من الدخل.
ويرى اقتصاديون أن هذه الطفرة لم تكن وليدة ارتفاع أسعار الطاقة وحدها، وإنما نتاج سياسات اعتمدت على استثمار العوائد في بناء المؤسسات، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في الإنسان.
الغاز يقود التحول
شكل تطوير حقل الشمال نقطة التحول الكبرى في الاقتصاد القطري، إذ اتخذت الدولة قراراً استراتيجياً بتسريع استثمار احتياطيات الغاز الطبيعي وتوسيع مشروعات تسييل الغاز خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.
وبدأت قطر تصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال عام 1996، قبل أن تتحول خلال أقل من خمسة عشر عاماً إلى أكبر مصدر عالمي للغاز المسال، مع ارتفاع الطاقة الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنوياً بحلول عام 2010.
ولم يقتصر أثر هذه الطفرة على زيادة الإيرادات، بل عزز مكانة قطر بوصفها شريكاً رئيسياً في أمن الطاقة العالمي، خاصة بالنسبة لأسواق آسيا وأوروبا، التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الغاز القطري.
كما ارتفعت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من نحو 11 مليار ريال قطري إلى أكثر من 403 مليارات ريال خلال فترة حكم الأمير الوالد، وهو ما وفر قاعدة مالية ضخمة لتمويل مشاريع التنمية.
نمو اقتصادي قياسي
انعكس التوسع في إنتاج الغاز مباشرة على الاقتصاد الكلي، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بنحو 24 ضعفاً، مرتفعاً من حوالي 8 مليارات دولار عام 1995 إلى قرابة 199 مليار دولار في عام 2013.
كما سجل الاقتصاد القطري، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، واحداً من أعلى معدلات النمو في العالم، إذ بلغ النمو الحقيقي نحو 28% في عام 2006، مدفوعاً بتشغيل مشروعات جديدة للغاز الطبيعي المسال.
وبفضل هذه الطفرة، تحولت قطر إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى مستويات جعلتها ضمن أغنى دول العالم.
ويرى محللون أن قوة الاقتصاد القطري لم تعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل على حسن إدارة الإيرادات واستثمارها في قطاعات متعددة.
تصدير رأس المال
لم تقتصر الرؤية الاقتصادية على إنتاج الطاقة، بل امتدت إلى إدارة الفوائض المالية بطريقة تحقق دخلاً مستداماً للأجيال المقبلة.
ولهذا الغرض، أُنشئ المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار عام 2001، قبل تأسيس جهاز قطر للاستثمار عام 2005، الذي أصبح الذراع الرئيسية لإدارة الفوائض المالية الناتجة عن صادرات النفط والغاز.
وتبنى الجهاز استراتيجية طويلة الأجل تقوم على الاستثمار في أصول عالمية متنوعة، مستفيداً من الفرص التي أوجدتها الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
وشملت استثماراته حصصاً في مؤسسات مالية وصناعية كبرى، مثل باركليز وفولكسفاغن، إضافة إلى الاستحواذ على متجر هارودز في لندن، والاستثمار في ناطحة السحاب شارد، إلى جانب أصول عقارية ورياضية وتجارية في مختلف القارات.
وتقدر أصول الجهاز اليوم بأكثر من 500 مليار دولار، ليصبح أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، وأحد أبرز أدوات النفوذ الاقتصادي القطري على الساحة الدولية.
الاستثمار في الإنسان
وبالتوازي مع الاستثمار في الطاقة والمال، أولت قطر اهتماماً كبيراً ببناء رأس المال البشري، باعتباره الركيزة الأساسية لمرحلة ما بعد النفط والغاز.
ففي عام 1995 أُنشئت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، التي أصبحت منصة لاستقطاب جامعات ومراكز بحثية عالمية، من بينها جورجتاون وكارنيغي ميلون وتكساس إي آند إم، بهدف إعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة الاقتصاد المعرفي.
كما شهد القطاع الصحي توسعاً كبيراً عبر تطوير مؤسسة حمد الطبية وإنشاء مستشفيات ومراكز تخصصية حديثة، بما أسهم في رفع جودة الخدمات الصحية ومواكبة النمو السكاني.
ويرى خبراء أن الاستثمار في التعليم والصحة شكل أحد أهم عناصر التحول الاقتصادي، لأنه وفر بيئة أكثر قدرة على دعم الابتكار والتنمية المستدامة.
بنية تحتية عالمية
واستخدمت الدولة عائدات الطاقة لتنفيذ واحد من أكبر برامج تطوير البنية التحتية في المنطقة.
وشملت المشروعات إنشاء مطار حمد الدولي، وميناء حمد، ومدينة لوسيل، وشبكات الطرق السريعة، ومشروعات السكك الحديدية، إضافة إلى البنية الأساسية التي أصبحت لاحقاً جزءاً من مترو الدوحة.
كما وفرت هذه الاستثمارات الأساس الذي مكّن قطر من الفوز بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تستضيف البطولة.
وأعقب الفوز بالمونديال إطلاق برامج إنفاق تجاوزت 200 مليار دولار لتطوير الملاعب والطرق وشبكات النقل والمرافق العامة، وهو ما عزز مكانة الدوحة مركزاً إقليمياً للأعمال والسياحة والاستثمار.
رؤية للمستقبل
وفي عام 2008 أطلقت الدولة رؤية قطر الوطنية 2030، التي وضعت إطاراً شاملاً للتحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً يعتمد على المعرفة والابتكار والاستدامة.
وركزت الرؤية على تقليل الاعتماد التدريجي على عائدات الطاقة، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص، والاستثمار في التكنولوجيا والتعليم ورأس المال البشري، بما يضمن استمرار النمو الاقتصادي للأجيال المقبلة.
كما عززت هذه الرؤية مكانة قطر مركزاً للمؤتمرات الاقتصادية والاستثمارية الدولية، وأسهمت في زيادة جاذبية الاقتصاد القطري أمام المستثمرين العالميين.
ويرى اقتصاديون أن الرؤية مثلت امتداداً للسياسات التي بدأت منذ منتصف التسعينيات، وحولت الثروة الطبيعية إلى مشروع تنموي طويل الأجل.
إرث اقتصادي يتجاوز قطاع الطاقة
لم يكن الإنجاز الأكبر للأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في زيادة إنتاج الغاز أو رفع الإيرادات النفطية فحسب، بل في تحويل هذه الموارد إلى مؤسسات واستثمارات ومشروعات قادرة على توليد الثروة حتى خارج قطاع الطاقة. فقد أسهم بناء جهاز قطر للاستثمار، وإطلاق رؤية قطر الوطنية 2030، والاستثمار المكثف في التعليم والبنية التحتية، في إرساء نموذج اقتصادي يجمع بين قوة الموارد الطبيعية والقدرة على تنويع مصادر الدخل.
واليوم، يواصل الاقتصاد القطري البناء على هذه الأسس، مستفيداً من مكانته الرائدة في سوق الغاز الطبيعي المسال، ومن شبكة استثمارات عالمية واسعة، ومن بنية تحتية حديثة واقتصاد أكثر تنوعاً. ولذلك، يُنظر إلى الإرث الاقتصادي للأمير الوالد باعتباره أحد أبرز تجارب التحول الاقتصادي في المنطقة، ونقطة الانطلاق التي أرست مكانة قطر كقوة استثمارية وطاقوية ذات تأثير عالمي، وهي المسيرة التي يواصلها أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ضمن رؤية تستهدف الحفاظ على النمو وتعزيز الاستدامة الاقتصادية لعقود مقبلة.