تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الارتداد‭ ‬الكاذب‭.. ‬الفخ‭ ‬الأخطر‭ ‬للمستثمرين

الارتداد‭ ‬الكاذب‭.. ‬الفخ‭ ‬الأخطر‭ ‬للمستثمرين

يعد‭ ‬الارتداد‭ ‬الكاذب،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬بـ«مصيدة‭ ‬الدببة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ارتداد‭ ‬القطة‭ ‬الميتة‮»‬،‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬توقع‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬خاطئة،‭ ‬إذ‭ ‬تمنح‭ ‬انطباعاً‭ ‬بأن‭ ‬السهم‭ ‬بدأ‭ ‬رحلة‭ ‬التعافي،‭ ‬بينما‭ ‬يكون‭ ‬الارتفاع‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬مجرد‭ ‬حركة‭ ‬مؤقتة‭ ‬تسبق‭ ‬موجة‭ ‬هبوط‭ ‬جديدة‭. ‬ومع‭ ‬توسع‭ ‬التداول‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وانتشار‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أكثر‭ ‬شيوعاً،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يطغى‭ ‬فيه‭ ‬الزخم‭ ‬السعري‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬الأساسي‭ ‬للشركات‭.‬
ويحذر‭ ‬خبراء‭ ‬الاستثمار‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الارتفاع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬السهم‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬دليلاً‭ ‬كافياً‭ ‬على‭ ‬تحسن‭ ‬أوضاع‭ ‬الشركة،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬حركة‭ ‬السعر‭ ‬والقيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للأعمال‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

وهم‭ ‬الرخص
يبدأ‭ ‬الارتداد‭ ‬الكاذب‭ ‬عادة‭ ‬بعد‭ ‬خسائر‭ ‬حادة‭ ‬يتكبدها‭ ‬السهم،‭ ‬حيث‭ ‬ينجذب‭ ‬المستثمرون‭ ‬إلى‭ ‬الأسعار‭ ‬المنخفضة‭ ‬معتقدين‭ ‬أن‭ ‬السهم‭ ‬أصبح‭ ‬فرصة‭ ‬استثمارية‭ ‬مغرية،‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستوياته‭ ‬السابقة‭.‬
وتوضح‭ ‬دراسات‭ ‬التمويل‭ ‬السلوكي‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬يعتمدون‭ ‬على‭ ‬السعر‭ ‬التاريخي‭ ‬كنقطة‭ ‬مرجعية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تقييم‭ ‬الأرباح‭ ‬المستقبلية‭ ‬أو‭ ‬قدرة‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬نموها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬وهماً‭ ‬بأن‭ ‬السهم‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬رخيصاً‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬احتمال‭ ‬استمرار‭ ‬تدهور‭ ‬أساسياته‭.‬
كما‭ ‬تشير‭ ‬نظرية‭ ‬الاحتمالات‭ ‬التي‭ ‬طورها‭ ‬دانيال‭ ‬كانيمان‭ ‬وآموس‭ ‬تفيرسكي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يصبحون‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬للمخاطرة‭ ‬بعد‭ ‬تكبد‭ ‬الخسائر،‭ ‬سعياً‭ ‬لتعويض‭ ‬ما‭ ‬فقدوه،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الارتدادات‭ ‬المؤقتة‭.‬

أمثلة‭ ‬بارزة
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬بل‭ ‬شهدتها‭ ‬أسماء‭ ‬عالمية‭ ‬معروفة‭. ‬فقد‭ ‬سجل‭ ‬سهم‭ ‬بيلوتون‭ ‬عدة‭ ‬موجات‭ ‬صعود‭ ‬قوية‭ ‬تجاوزت‭ ‬30‭ % ‬بعد‭ ‬انهياره‭ ‬من‭ ‬قمته‭ ‬التاريخية،‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بأخبار‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬وتكهنات‭ ‬الاستحواذ،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يواصل‭ ‬هبوطه‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬متدنية،‭ ‬فاقداً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬98‭% ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬مقارنة‭ ‬بذروته‭.‬
كما‭ ‬شكل‭ ‬انهيار‭ ‬إنرون‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬الأمثلة‭ ‬التاريخية،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬السهم‭ ‬ارتدادات‭ ‬متكررة‭ ‬دفعت‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬للاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الأزمة‭ ‬انتهت،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينهار‭ ‬بالكامل‭ ‬مع‭ ‬انكشاف‭ ‬عمليات‭ ‬الاحتيال‭ ‬المحاسبي‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إفلاس‭ ‬الشركة‭.‬
وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬أن‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المؤقتة‭ ‬قد‭ ‬تخدع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مدعومة‭ ‬بتحسن‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الشركة‭.‬
عوامل‭ ‬فنية

ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬الارتداد‭ ‬الكاذب‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬عوامل‭ ‬فنية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬انعكاساً‭ ‬لتحسن‭ ‬الأعمال،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬قيام‭ ‬المستثمرين‭ ‬الذين‭ ‬باعوا‭ ‬الأسهم‭ ‬على‭ ‬المكشوف‭ ‬بإغلاق‭ ‬مراكزهم،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السهم‭ ‬بصورة‭ ‬مؤقتة‭.‬
كما‭ ‬تسهم‭ ‬أنظمة‭ ‬التداول‭ ‬الآلي‭ ‬والصناديق‭ ‬الكمية‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬هذه‭ ‬التحركات،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إشارات‭ ‬فنية‭ ‬تدفعها‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬أوامر‭ ‬شراء‭ ‬تلقائياً‭ ‬عند‭ ‬تجاوز‭ ‬مستويات‭ ‬سعرية‭ ‬معينة،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬موجة‭ ‬الصعود‭ ‬لفترة‭ ‬محدودة‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬أخبار‭ ‬مثل‭ ‬تغيير‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬أو‭ ‬انتشار‭ ‬شائعات‭ ‬عن‭ ‬استحواذ‭ ‬محتمل‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬سريعاً،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬تحسن‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬الإيرادات‭ ‬أو‭ ‬الأرباح‭.‬

تأثير‭ ‬المنصات
وأصبحت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عاملاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬الارتدادات‭ ‬الكاذبة،‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬عبارات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬اشترِ‭ ‬عند‭ ‬الهبوط‮»‬‭ ‬و«السهم‭ ‬بخصم‭ ‬كبير‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تشجع‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬السعر‭ ‬فقط‭.‬
وبرز‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬خلال‭ ‬موجة‭ ‬المضاربة‭ ‬على‭ ‬سهم‭ ‬جيم‭ ‬ستوب‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2021،‭ ‬عندما‭ ‬قفز‭ ‬السهم‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬1900‭ % ‬خلال‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬شهر،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬بصورة‭ ‬حادة،‭ ‬ثم‭ ‬يواصل‭ ‬تسجيل‭ ‬ارتدادات‭ ‬متكررة‭ ‬غذتها‭ ‬الحماسة‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تحسن‭ ‬الأداء‭ ‬التشغيلي‭ ‬للشركة‭.‬
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬انتشار‭ ‬الأخبار‭ ‬والتعليقات‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬تجعل‭ ‬المستثمرين‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬عاطفية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التحليل‭ ‬المالي‭.‬

المؤشرات‭ ‬الحقيقية
ويؤكد‭ ‬مديرو‭ ‬الصناديق‭ ‬أن‭ ‬أفضل‭ ‬وسيلة‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬التعافي‭ ‬الحقيقي‭ ‬والارتداد‭ ‬الكاذب‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأداء‭ ‬المالي،‭ ‬مثل‭ ‬نمو‭ ‬الإيرادات،‭ ‬وتحسن‭ ‬هوامش‭ ‬الربحية،‭ ‬وزيادة‭ ‬الحصة‭ ‬السوقية،‭ ‬وإطلاق‭ ‬منتجات‭ ‬ناجحة‭.‬
وتعد‭ ‬إنفيديا‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬التعافي‭ ‬المدعوم‭ ‬بالأساسيات،‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬صعود‭ ‬سهمها‭ ‬نتيجة‭ ‬النمو‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬رقائق‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬قفزة‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬الإيرادات‭ ‬والأرباح،‭ ‬وليس‭ ‬نتيجة‭ ‬مضاربات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬أو‭ ‬تحسن‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬معنويات‭ ‬المستثمرين‭.‬

الأساسيات‭ ‬تسبق‭ ‬حركة‭ ‬الأسعار‭ ‬دائماً
يبقى‭ ‬الارتداد‭ ‬الكاذب‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الفخاخ‭ ‬شيوعاً‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬لأنه‭ ‬يستغل‭ ‬العامل‭ ‬النفسي‭ ‬للمستثمرين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬تحسن‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬الشركات‭. ‬وبينما‭ ‬قد‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬بفعل‭ ‬الأخبار‭ ‬أو‭ ‬المضاربات‭ ‬أو‭ ‬العوامل‭ ‬الفنية،‭ ‬فإن‭ ‬بناء‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭ ‬للشركات‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬مستدام‭ ‬في‭ ‬الإيرادات‭ ‬والأرباح‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المستثمر‭ ‬الأكثر‭ ‬نجاحاً‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬يلاحق‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬صعود،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬التعافي‭ ‬الحقيقي‭ ‬والارتفاع‭ ‬المؤقت‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الاستثمار‭.‬

رجوع لأعلى