الاقتصاد الصيني: من فائض الحساب الجاري إلى تراكم الاحتياطيات
إذا نظرنا إلى ما يُعرف بوجه «اليانغ» في الاقتصاد، نجد أن ميزانيات الأصول والخصوم لدى مختلف الأطراف الاقتصادية تكون في وضع صحي ومستقر. وفي هذه المرحلة، يؤدي السعي لتحقيق الأرباح إلى تعزيز التوسع الائتماني ودفع عجلة الازدهار الاقتصادي، وقد يصل الأمر إلى تضخم في مستويات الائتمان والسيولة، بل وحتى إلى فائض نقدي في بعض الأحيان. عندها، تبدو معظم الآليات الاقتصادية التقليدية، كما تطرحها الأدبيات النظرية، فعّالة وقادرة على تفسير الواقع.
في المقابل، يعكس وجه «الين» المرحلة المعاكسة؛ إذ يؤدي انفجار الفقاعات الاقتصادية إلى ارتفاع حاد في مستويات الرفع المالي، فتتجه الأطراف الاقتصادية إلى تقليص ديونها بأقصى سرعة ممكنة لاستعادة التوازن في ميزانياتها. غير أن هذه العملية تقود غالباً إلى وقوع الاقتصاد في أزمة سيولة. وفي هذا السياق، يشير جون ماينارد كينز في كتابه النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود إلى أن السياسات النقدية تفقد فعاليتها في ظل مثل هذه الأزمات. أما السياسات المالية، فتُظهر التجربة اليابانية الممتدة لأكثر من عقدين محدودية قدرتها، حيث اقتصرت في كثير من الأحيان على الحفاظ على الحد الأدنى من الطلب العام دون تحقيق انتعاش حقيقي.
ويُعزى الانتقال من حالة «اليانغ» إلى «الين» أساساً إلى تضخم الفقاعات الاقتصادية ثم انفجارها، في حين أن العودة إلى حالة «اليانغ» تتطلب تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة. ومن دون هذه الإصلاحات، يصعب استعادة «طاقة اليانغ» التي يقوم عليها ازدهار اقتصاد السوق.
وفي هذا الإطار النظري، يمكن إسقاط هذا التحليل على الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تسعى إلى الحفاظ على هيمنة عملتها عالمياً.
الإصلاحات الهيكلية وهيمنة الدولار
فيما يتعلق بالولايات المتحدة وسعيها للحفاظ على هيمنة الدولار، فإن العودة إلى حالة «اليانغ» تتطلب حزمة من الإصلاحات الهيكلية العميقة. وتشمل هذه الإجراءات رفع معدلات الادخار عبر الحد من التضخم الائتماني في القطاع المالي، وتقليص مستويات الرفاه النسبي، من خلال سياسات مثل زيادة الضرائب على الأجور، وخفض مزايا التقاعد مقارنة بالدخل السابق، وتأخير سن التقاعد، إلى جانب تقليص الإنفاق العسكري. وتهدف هذه الخطوات في مجملها إلى الحد من الاعتماد المفرط على الاستهلاك داخل الاقتصاد الأميركي.
غير أن مثل هذه الإصلاحات بطبيعتها مؤلمة ومعقدة، وتتطلب قيادة قوية ونظام حكم فعال، وهي شروط يبدو أن تحقيقها يواجه تحديات داخلية واضحة.
وإذا كانت الولايات المتحدة تمثل نموذج اقتصاد يسعى لاستعادة توازن «اليانغ» عبر أدوات تقليدية، فإن الصين تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً في مسار النمو والتحول الاقتصادي.
العائد الديموغرافي في الصين
على مدى ما يقارب 250 عاماً منذ الثورة الصناعية الأولى، لم تتمكن أي دولة كبرى من الحفاظ على معدل نمو سنوي يقارب 10% لمدة ثلاثة عقود متتالية، كما فعلت الصين. فقد تحولت من اقتصاد يعاني ضعفاً بنيوياً إلى قوة عالمية تُعدّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما ارتفع متوسط دخل الفرد ليقترب من مستويات الدول متوسطة إلى مرتفعة الدخل.
وقد ولّدت هذه الطفرة شعوراً بالثقة لدى البعض بإمكانية استمرار هذا الزخم لعقود مقبلة، رغم فترات التباطؤ. في المقابل، أثارت مخاوف لدى آخرين من احتمال تعرض الاقتصاد الصيني لاختلالات مفاجئة قد تعرقل مساره، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008 التي أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول استدامة هذا النمو.
ورغم ما شاب النظام المالي العالمي القائم على هيمنة الدولار من اختلالات، فإن الصين استطاعت توظيفه لصالحها، مستفيدة من انفتاح الأسواق الدولية وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، إلى جانب الاستقرار النسبي الذي ساهم في حماية مكتسباتها الاقتصادية.
ومن أبرز الظواهر التي رافقت هذا الصعود الاقتصادي اللافت ما يُعرف بـ«الفائض المزدوج».
ظاهرة الفائض المزدوج
تتمثل هذه الظاهرة في تحقيق فائض متزامن في كل من الحساب الجاري وحساب رأس المال، وهو ما يتعارض مع التفسيرات التقليدية التي تفترض وجود علاقة عكسية بينهما. ومع ذلك، حافظت الصين على هذا النمط منذ عام 1994، باستثناء فترة قصيرة تأثرت خلالها بالأزمة المالية الآسيوية عام 1998.
ورغم تعدد التفسيرات، فإن فهم هذه الظاهرة من منظور «العائد الديموغرافي» يجعلها أكثر وضوحاً، حيث يقوم هذا العائد على شرطين أساسيين: توفر الأسواق الخارجية، وتدفق رؤوس الأموال.
تحولات سوق العمل
ودور الأسواق الخارجية
فيما يتعلق بالشرط الأول، فقد أسهم انتقال أعداد كبيرة من العمالة من الريف إلى المدن في تعزيز النمو الصناعي والتجاري. غير أن ضعف القدرة الشرائية محلياً جعل الطلب الداخلي غير كافٍ لاستيعاب هذا التوسع الإنتاجي، ما جعل الأسواق الخارجية ضرورة استراتيجية لتصريف الفائض.
ولولا هذه الأسواق، لما تمكنت الصين من الحفاظ على فائضها في الحساب الجاري، ولا استمر انتقال العمالة، وبالتالي لما تحقق العائد الديموغرافي.
تدفقات رأس المال ودعم النمو
أما الشرط الثاني، فيتمثل في تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، إذ لا يمكن للفائض البشري أن يتحول إلى قوة إنتاجية فعالة دون اقترانه برأس المال. وقد لعبت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر دوراً محورياً في هذا السياق، حيث حافظت على نمو مستقر حتى خلال فترات الاضطراب.
كما أسهمت هذه الاستثمارات في جعل الشركات ذات التمويل الأجنبي أحد أعمدة الاقتصاد الصيني، حيث شكلت نسبة كبيرة من إجمالي التجارة الخارجية.
الفائض المزدوج واستقرار النظام المالي
ولا تقتصر دلالة «الفائض المزدوج» على الجوانب الحسابية، بل تمتد لتعكس أهمية استقرار النظام المالي الدولي. فقد ترافق هذا الفائض مع نمو متسارع في الأصول الاحتياطية للصين، حيث تجاوزت الزيادات السنوية 10 مليارات دولار منذ 1994، ثم قفزت إلى أكثر من 100 مليار دولار بعد 2003، وصولاً إلى ذروتها في عام 2008 بنحو 480 مليار دولار.
وبين عامي 1982 و2013، بلغ إجمالي هذه الأصول نحو 3.9 تريليونات دولار، وهو ما عزز من متانة الاقتصاد الصيني، لكنه في الوقت ذاته قيّد طموح اليوان ليصبح عملة احتياط عالمية، نتيجة ارتباطه الوثيق بالتدفقات التجارية والمالية.
وفي المحصلة، يعكس هذا النموذج الاقتصادي توازناً دقيقاً بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي والاستفادة من موارده، وبين الحفاظ على بنية داخلية قادرة على توجيه هذا الانفتاح، ضمن نظام دولي لا يزال محكوماً باعتبارات الهيمنة النقدية.