الاقتصاد العالمي يتجاوز الصدمة
لم يكن انتهاء المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران كافياً لإعادة الاقتصاد العالمي إلى نقطة البداية، فبينما تنفست الأسواق الصعداء مع انحسار المخاوف من تعطل إمدادات الطاقة وعودة الملاحة تدريجياً إلى طبيعتها، يرى «بنك أوف أمريكا» أن آثار الحرب أصبحت جزءاً من الواقع الاقتصادي الجديد، وأن العالم تجاوز المرحلة الأخطر لكنه لم يتجاوز تكلفة الصدمة.
وفي تقريره نصف السنوي، يقدم البنك رؤية أكثر تفاؤلاً تجاه النمو العالمي مقارنة بتوقعاته السابقة، إلا أنه يربط هذا التفاؤل بجملة من المخاطر التي لا تزال قائمة، وفي مقدمتها هشاشة اتفاق السلام، والتغيرات المحتملة في السياسة النقدية الأمريكية، إضافة إلى استمرار الاختلالات في الاقتصاد الصيني، ما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن الفترة التي سبقت الحرب، حتى وإن عادت أسعار النفط إلى مستوياتها الطبيعية.
ويؤكد التقرير أن الأسواق المالية تمكنت من استيعاب الصدمة الأولى، كما أن الاقتصادات الكبرى أظهرت قدرة على امتصاص جانب مهم من آثار ارتفاع أسعار الطاقة، إلا أن الضرر الاقتصادي الذي نتج عن الحرب أصبح واقعاً يصعب محوه بالكامل، سواء من حيث مستويات الأسعار أو تكاليف الإنتاج أو توجهات السياسات النقدية.
الحرب غيّرت قواعد اللعبة
ورغم رفع توقعات النمو، يؤكد التقرير أن الاقتصاد العالمي لن يعود ببساطة إلى أوضاع ما قبل الحرب، مشيراً إلى أن الصدمة التضخمية التي أحدثها ارتفاع أسعار الطاقة خلال فترة الصراع تركت آثاراً يصعب التخلص منها سريعاً.
ويشير محللو البنك إلى أن انخفاض أسعار النفط والغاز لا يعني تلقائياً عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة في جميع القطاعات، إذ إن كثيراً من الشركات رفعت تكاليفها التشغيلية بالفعل، كما أن سلاسل الإمداد تكبدت خسائر إضافية خلال فترة الاضطرابات.
ويضيف التقرير أن جزءاً كبيراً من الضغوط السعرية أصبح مدمجاً داخل الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل عملية العودة إلى مستويات التضخم السابقة أكثر تعقيداً حتى مع تراجع أسعار الخام.
النفط يعود إلى مسار أكثر هدوءاً
من أبرز نتائج انحسار الحرب إعادة تقييم أسواق الطاقة، حيث خفض البنك توقعاته لمتوسط سعر خام برنت إلى 72 دولاراً للبرميل خلال النصف الثاني من عام 2026، مقارنة بتوقعات أعلى قبل انتهاء الأزمة.
كما يتوقع أن يبلغ متوسط السعر نحو 65 دولاراً خلال عام 2027، شريطة عدم حدوث تصعيد جديد في الشرق الأوسط أو اضطرابات إضافية في الإمدادات العالمية.
ويستند هذا السيناريو إلى عودة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بصورة تدريجية، إضافة إلى انخفاض المخاوف من انقطاع الإمدادات، وهو ما ساعد الأسواق على التخلص من علاوة المخاطر التي ارتفعت بقوة أثناء الحرب.
لكن البنك يحذر في الوقت نفسه من أن هذه التوقعات تبقى مرتبطة باستمرار الاستقرار الأمني، لأن أي تطورات جديدة قد تعيد أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة خلال فترة قصيرة.
التضخم يتراجع… ولكن ببطء
ساهم انخفاض أسعار الطاقة في تحسين توقعات التضخم العالمي، إذ يتوقع البنك أن يبلغ متوسط التضخم العالمي نحو 3 % خلال عام 2026، قبل أن ينخفض إلى 2.4 % في 2027، ثم يستقر عند نحو 2.5 % خلال 2028.
ورغم ذلك، يشير التقرير إلى أن هذا التراجع لا يعني انتهاء معركة البنوك المركزية مع التضخم، لأن الضغوط السعرية الأساسية ما زالت مرتفعة في العديد من الاقتصادات، خصوصاً في قطاع الخدمات وسوق العمل.
الفيدرالي يتجه إلى مزيد من التشدد
خلافاً للتوقعات التي كانت تراهن على خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، يرى «بنك أوف أمريكا» أن السيناريو الأكثر ترجيحاً أصبح يتمثل في رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بنحو 75 نقطة أساس، تبدأ أولى خطواتها في سبتمبر المقبل.
ويستند البنك في هذه الرؤية إلى استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب متانة سوق العمل وبقاء التضخم فوق المستويات المستهدفة.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن السياسة النقدية الأمريكية ستظل أكثر تشدداً لفترة أطول، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على تدفقات رؤوس الأموال وأسعار العملات والأسواق الناشئة.
ثلاثة اختبارات تنتظر الاقتصاد العالمي
يلخص التقرير مستقبل الاقتصاد العالمي في ثلاثة تحديات رئيسية، يصف اثنين منها بالاختبارات الكاملة، فيما يصف الثالث بأنه «نصف اختبار».
الاختبار الأول يتمثل في استقرار أسواق الطاقة في الشرق الأوسط، إذ يرى البنك أن الأسواق تعاملت مع اتفاق السلام وكأنه نهاية نهائية للأزمة، بينما لا يزال الاتفاق هشاً وقابلاً للانهيار في أي وقت.
وفي ظل انخفاض مخزونات النفط العالمية، فإن أي اضطراب جديد قد يؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار وإعادة الضغوط التضخمية سريعاً.
أما الاختبار الثاني فيتعلق بالسياسات النقدية العالمية، حيث يمكن أن يؤدي استمرار تشدد الفيدرالي الأمريكي إلى تشديد مالي عالمي، بما يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على الأسواق المالية.
آسيا تقود الاقتصاد العالمي
ويؤكد التقرير أن آسيا الناشئة ستظل المحرك الأقوى للنمو العالمي خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من الطفرة غير المسبوقة في استثمارات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وتستفيد اقتصادات مثل كوريا الجنوبية وتايوان والهند وعدد من دول جنوب شرق آسيا من الطلب العالمي المتزايد على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
أوروبا… التعافي لا يزال هشاً
في المقابل، يرى التقرير أن أوروبا ما زالت الحلقة الأضعف بين الاقتصادات الكبرى، رغم تراجع أسعار النفط والغاز مقارنة بذروة الأزمة.
فالقارة الأوروبية تحملت الجزء الأكبر من صدمة الطاقة، وواجهت الشركات الصناعية ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الإنتاج، الأمر الذي أثر في تنافسيتها العالمية.
ورغم أن انخفاض أسعار الطاقة خفف من حجم الخسائر المتوقعة، فإن الاقتصاد الأوروبي لا يزال يواجه تحديات تتعلق بضعف الاستثمار وتباطؤ الإنتاج الصناعي وارتفاع تكاليف التمويل.
الولايات المتحدة تحافظ على زخمها
أما الاقتصاد الأمريكي، فيتوقع البنك أن يواصل النمو بمعدل يتجاوز 2% خلال العام الحالي، مدعوماً باستمرار الإنفاق الرأسمالي على مشاريع الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى انخفاض أسعار البنزين وتحسن القوة الشرائية للمستهلكين.
لكن في المقابل، فإن قوة سوق العمل واستمرار ارتفاع الأجور يبقيان التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً، وهو ما يدعم استمرار السياسة النقدية المتشددة.
ويؤكد التقرير أن الاقتصاد الأمريكي ما زال الأكثر قدرة على مقاومة الصدمات مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة، غير أن استمرار هذا الأداء يعتمد على نجاح الفيدرالي في السيطرة على التضخم دون دفع الاقتصاد إلى ركود.
اقتصاد جديد بعد الحرب
ويخلص «بنك أوف أمريكا» إلى أن الاقتصاد العالمي دخل بالفعل مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة ما قبل الحرب، حيث أصبحت المخاطر الجيوسياسية جزءاً دائماً من حسابات المستثمرين وصناع القرار.
كما أن أسواق الطاقة والتجارة العالمية والسياسات النقدية ستظل أكثر حساسية لأي تطورات سياسية أو عسكرية خلال السنوات المقبلة.