الاقتصاد الكويتي تميز بالمتانة والقوة خلال الأزمة بفضل عوامل عدة
يشهد الاقتصاد الكويتي حالياً حالة من الحذر والترقب، مدعوماً بمصدات مالية قوية تمثلت في صندوق سيادي ضخم، إلى جانب خطط حكومية استباقية وإجراءات خليجية مشتركة لضمان استقرار الأسواق؛ في ظل التطورات والتوترات الإقليمية الأخيرة مع إيران.
في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، قدم الاقتصاد الكويتي نموذجاً مختلفاً في التعامل مع الصدمات، حيث لم تقتصر استجابته على الحفاظ على الاستقرار بل أظهرت مؤشراته قدرة واضحة على العمل بكفاءة تحت ضغط مباشر، مدعوماً بقاعدة مالية ومؤسسية متينة.
وأظهرت الشركات المحلية خصوصاً في قطاعات التجارة، والخدمات، والنقل قدرة واضحة على التكيف مع المستجدات، حيث واصلت أنشطتها التشغيلية دون توقف، مع إعادة تنظيم بعض العمليات بما يتناسب مع الظروف الحالية.
وقد برز هذا التماسك في استمرار عمل المجمعات التجارية، شركات التوصيل، ومؤسسات الخدمات، إلى جانب مبادرات القطاع الخاص في دعم حركة السوق وتوفير البدائل التشغيلية كما هو الحال في قطاع الطيران والخدمات اللوجستية.
يعكس ذلك مرونة بيئة الأعمال في الكويت، وقدرة القطاع الخاص على لعب دور مكمل للجهود الحكومية في الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.
وعلى خلفية تداعيات الحرب حاورت «عالم الاقتصاد» الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات الكويتية خالد العبدالغني والذي أكد أن قوة ومتانة الاقتصاد الكويتي مكنته من الصمود في وجه الحرب، مستنداً إلى مصدات مالية قوية، وإدارة حصيفة للأزمات فضلا عن حفاظ الكويت على تصنيفها الائتماني المستقر من قبل الوكالات العالمية، كما أن منظومة الأمن الغذائي أثبتت كفاءتها بناءً على خبرات سابقة مثل أزمة كورونا.
وإليكم تفاصيل الحوار:
● بعد أكثر من 100 يوم للحرب كيف صمد الاقتصاد الكويتي في وجه الأزمة؟
الاقتصاد الكويتي تميز بالمتانة والقوة، نظراً للاعتماد على محاور وقنوات متعددة بدلاً من المورد الواحد. وتأتي في مقدمة هذه الروافد امتلاك دولة الكويت لواحد من أكبر الصناديق السيادية في العالم، فضلاً عن الاحتياطيات المالية الضخمة المتمثلة في «صندوق أجيال المستقبل»
وخلال الفترة الماضية، تزامنت التوترات والمناوشات السياسية مع ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، مما ساهم في تعزيز الإيرادات العامة للدولة. وقد شكلت هذه العوامل مجتمعةً حائط صدٍ مكن الاقتصاد الكويتي من الصمود والاستقرار خلال هذه المرحلة. علاوة على ذلك، استمرت عمليات تصدير النفط بكفاءة ودون انقطاع عبر السفن وناقلات النفط التي واصلت الإبحار خلال الأزمة، وفقاً لما تداولته وسائل الإعلام.
● رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها «الأزمة».. كيف تم الحفاظ على متانة القطاع المالي والمصرفي ؟
صمود القطاعين المالي والاقتصادي، العامل الحاسم في هذا يتجلى أولاً في المتانة المالية المذكورة آنفاً. وثانياً، في التدخل الفوري والاستباقي لبنك الكويت المركـزي منـذ بدايـة الأزمــة؛ حيث اتخذ حزمة من القرارات والتدابير الاحترازية الرامية إلى حماية الأسواق المالية، وضمان استقرار البنوك والمراكز المالية الكويتية.
هذا التعامل الاحترافي ليس غريباً على بنك الكويت المركزي، إذ يمتلك رصيداً طويلاً وخبرة واسعة في إدارة الأزمات السابقة بكفاءة عالية تحول دون حدوث أي خلل. كما نجحت هذه الإجراءات في المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار الكويتي وعدم تأثره بالظروف الراهنة.
● جهود كبيرة قامت بها الحكومة الكويتية.. كيف تم تأمين حركة النقل والخدمات الحيوية؟
الحكومة بادرت على الفور بتشكيل غرفة لإدارة الأزمات، ورفعت درجة الجاهزية في الوزارات والجهات الحيوية. وشهدت الأزمة تنسيقاً كاملاً بين وزارة المالية، وبنك الكويت المركزي، ومؤسسة البترول الكويتية، وهيئة أسواق المال.
وفي الوقت ذاته، جرى تطبيق نظام «الدوام المرن» في الوزارات لضمان استمرارية تقديم الخدمات الحكومية دون أي خلل. ونظراً للأهمية الاستراتيجية والحيوية للقطاع النفطي، وضعت الدولة خطة موسعة وشاملة لحماية المصافي والآبار ورعايتها، وبما يضمن الوفاء باحتياجات الدولة وتأمين هذا القطاع من أي أضرار.
من جانبه قام البنك المركزي بتعزيز السيولة النقدية بالتنسيق مع وزارة المالية لمنع حدوث أي اضطراب في التدفقات المالية.
● وضعت الدولة الأسواق المحلية والأمن الغذائي في صدارة أولوياتها منذ الأيام الأولى للحرب.. كيف ترى ذلك؟
على صعيد الأمن الغذائي والدوائي، فإن الكويت تمتلك خبرة ممتدة وتاريخية في هذا المجال، تكللت بالدور المحوري لـ «شركة التموين الكويتية» و»الشركة الكويتية لمطاحن الدقيق والمخابز»؛ حيث أثبتت هذه المنظومة كفاءتها في أزمات سابقة وأبرزها أزمة جائحة كورونا.
ولم تقتصر الجهود على الجانب الحكومي، بل برزت أيضاً حصافة ونباهة التاجر الكويتي الذي سارع بإيجاد خيارات بديلة وموانئ أخرى فور ظهور عقبات الشحن. وفي هذا السياق، نثمن عالياً الموقف الأخوي للمملكة العربية السعودية التي فتحت موانئها لتسهيل استيراد البضائع والمواد المتجهة إلى الكويت، وهو ما كان له أثر بالغ في تجاوز العقبات.
وكما أشرنا سابقاً، فإن وضع الأسواق المحلية والجاهزية الغذائية ليس بالأمر الجديد على الدولة، وقد برهن الإغلاق العالمي الشامل إبان جائحة كورونا على ذلك؛ فبالرغم من تحفّظ الدول على مخزونها الاستراتيجي آنذاك، لم تشهد الكويت أي نقص في الإمدادات الغذائية والدوائية بفضل التدابير ذاتها.
● واجهت الكويت تحديا استثنائيا بعد تعرض مطار الكويت الدولي ومرافقه الحيوية، لاعتداءات متكررة جراء العدوان الإيراني الآثم.. كيف نجحت الكويت في وجود بدائل سريعة للحفاظ على حركة السفر؟
على الرغم من الأضرار التي لحقت بمطار الكويت الدولي وخزانات الوقود التابعة له، إلا أن الإدارة العامة للطيران المدني أدت دوراً استثنائياً في إعادة توجيه الرحلات إلى مطارات بديلة في بداية الأمر. وقد تجسد هذا التعاون من خلال الربط مع مطارات المملكة العربية السعودية الشقيقة، والتي قدمت دعماً كبيراً عبر تخصيص مطار الدمام بالكامل لتشغيل رحلات الخطوط الجوية الكويتية وشركة طيران الجزيرة، عبر مطار القيصومة الدولي في المملكة تزامناً مع تمهيد وتسهيل خط بري للوصول إلى تلك المطارات.
هذه الخطط البديلة والمرنة أتاحت للإدارة العامة للطيران المدني المسارعة فوراً في إعادة تشييد وإصلاح الأضرار التي لحقت بمطار الكويت، وتشغيله مجدداً في فترة زمنية قياسية جداً. ومثلما نجحت في السابق، فهي قادرة بلا شك في هذه المرة أيضاً على إعادة الإصلاح والتشغيل بذات الكفاءة.
● هل هناك خطة طوارئ اقتصادية تخفض من ضبابية أي تداعيات محتملة لتجدد الأزمة الإقليمية؟
غرفة العمليات المشتركة التي تضم الجهات والوزارات السيادية تستند إلى خطط طوارئ موضوعة مسبقاً، وجرى تفعيلها وتعديلها لتواكب مستجدات الأزمة الراهنة. ويظهر نجاح الدولة جلياً للجميع في قدرتها على إدارة الأزمات المتعاقبة بفضل الله وتوفيقه.
وعلى الرغم من خطورة الأوضاع التي تعرضت لها البلاد إلا أن المشهد العام في الكويت كان يبعث على الطمأنينة؛ حيث واصل السكان ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي تماماً، من تسوق وتنزه في الأسواق. هذا المشهد هو خير دليل على استتباب الأمن، وبرهان قاطع على امتلاك الدولة لخطط فاعلة حافظت على أمن الوطن، واستقرار الخدمات، والمنظومة المالية، والأمن الغذائي والدوائي.
● وماذا عن جاذبية الكويت للاستثمارات الأجنبية ؟
رغم الحرب الإيرانية والأزمة الراهنة، يمكننا التأكيد بكل ثقة على أن الكويت تُعد بيئة آمنة ومستقرة للاستثمار. فالأسواق المالية مستقرة، والحركة الاقتصادية تسير بخطى ثابتة وقوية بفضل الله.
وقد تجسد هذا الاستقرار في إبقاء وكالات التصنيف العالمية على التصنيف الائتماني لدولة الكويت دون تغيير، رغم الأزمة وظروف التي تعرضت لها البلاد. ويرجع هذا التثبيت الائتماني إلى قناعة تلك الوكالات برسوخ الخطط الاستراتيجية للكويت، وتوافر التدابير الاحترازية والسيولة النقدية من قبل البنك المركزي.
لقد ظل المركز المالي والاقتصادي ثابتاً، وعندما واجه قطاع الاستيراد بعض العقبات، تم تجاوزها عبر التنسيق رفيع المستوى والتعاون الوثيق بين دول مجلس التعاون الخليجي، والاستعانة بالموانئ الخليجية الشقيقة، مما مكننا جميعاً، والكويت كجزء أصيل من المنظومة الخليجية، من عبور هذه الأزمة دون أضرار تذكر.