تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد‭ ‬بين‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬وصعود‭ ‬الأصول‭ ‬العقارية

VGY33 1

شهدت‭ ‬الصين‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تحولات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬بنيتها‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬انتقلت‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬التنظيمية‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬انضباطاً‭ ‬تقوده‭ ‬الدولة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬اللامركزية‭ ‬المدفوعة‭ ‬بعوامل‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬مجرد‭ ‬إصلاحات‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬مثّلت‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬عميقة‭ ‬لعلاقة‭ ‬السلطة‭ ‬بالمال،‭ ‬ولآليات‭ ‬توجيه‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

إعادة‭ ‬بناء‭ ‬النظام‭ ‬المالي

بدأت‭ ‬الصين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬مرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬سلطتها‭ ‬المالية،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬للفوضى‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬آنذاك‭. ‬وقد‭ ‬شملت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التنظيمية‭ ‬الواسعة،‭ ‬أبرزها‭ ‬إخضاع‭ ‬الشركات‭ ‬الاستئمانية‭ ‬لإطار‭ ‬رقابي‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬وتولي‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭ ‬تنظيم‭ ‬سوق‭ ‬السندات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استعادة‭ ‬لجنة‭ ‬التخطيط‭ ‬الوطنية‭ ‬لسلطتها‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬سندات‭ ‬المؤسسات‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الحقيقي‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬ديسمبر‭ ‬1993،‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الدولة‭ ‬بشأن‭ ‬إصلاح‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬والذي‭ ‬شكّل‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬المؤسسي‭. ‬وقد‭ ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬توجهات‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني،‭ ‬أسس‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬رقابي‭ ‬قوي‭ ‬يقوده‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬سوق‭ ‬مالي‭ ‬منفتح،‭ ‬موحد،‭ ‬ومنظم‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬تنافسية‭ ‬صارمة‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬1995،‭ ‬تعزز‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬بإقرار‭ ‬قانون‭ ‬بنك‭ ‬الشعب‭ ‬الصيني،‭ ‬الذي‭ ‬عزز‭ ‬مكانة‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬ومنحه‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً،‭ ‬مع‭ ‬حظر‭ ‬تقديم‭ ‬القروض‭ ‬المباشرة‭ ‬للجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬بمختلف‭ ‬مستوياتها‭. ‬وفي‭ ‬العام‭ ‬ذاته،‭ ‬أكد‭ ‬قانون‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬ضرورة‭ ‬توحيد‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ ‬وتعزيز‭ ‬الانضباط‭ ‬المؤسسي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬أنشطة‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية،‭ ‬ومنعها‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬التأمين‭ ‬أو‭ ‬إصدار‭ ‬السندات‭.‬
ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭ ‬عام‭ ‬1997،‭ ‬وجدت‭ ‬الصين‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬لصلابة‭ ‬نظامها‭ ‬المالي،‭ ‬ما‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬التجارية‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬شملت‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬للحسابات‭ ‬المشكوك‭ ‬فيها،‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الشركات‭ ‬الاستئمانية‭ ‬ومراكز‭ ‬تداول‭ ‬السندات‭. ‬وخلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬العمل‭ ‬المالي‭ ‬الوطني‭ ‬الثاني،‭ ‬تم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إصلاح‭ ‬البنوك‭ ‬الحكومية‭ ‬يمثل‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى،‭ ‬مع‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬نظام‭ ‬المساهمة‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة‭.‬

النظام‭ ‬المالي‭ ‬المقيد‭ ‬وضبط‭ ‬التضخم

خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬تشكّل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«النظام‭ ‬المالي‭ ‬المقيد‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬اتسم‭ ‬بعدة‭ ‬خصائص‭ ‬رئيسية‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيرها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬نظرية‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭.‬
فمن‭ ‬جهة،‭ ‬ورغم‭ ‬التوجه‭ ‬التدريجي‭ ‬نحو‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تحريرها‭ ‬بالكامل،‭ ‬إذ‭ ‬ظل‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬يحتفظ‭ ‬بحدود‭ ‬دنيا‭ ‬وعليا‭ ‬لأسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬الودائع،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬الحد‭ ‬الأعلى‭ ‬فوق‭ ‬معدل‭ ‬التضخم،‭ ‬متأثراً‭ ‬بالتراجع‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬آنذاك‭.‬
ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬عملت‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬المفرطة‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقليص‭ ‬تدخل‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة،‭ ‬وكبح‭ ‬توسع‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬خاصة‭ ‬سوق‭ ‬السندات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬منافساً‭ ‬مباشراً‭ ‬للإقراض‭ ‬المصرفي‭. ‬كما‭ ‬فُرضت‭ ‬رقابة‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬مع‭ ‬استثناء‭ ‬محدود‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المباشرة‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬قيوداً‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬المالية،‭ ‬عبر‭ ‬تنظيم‭ ‬عمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬المحلية،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬مؤسسات‭ ‬جديدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إحكام‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬القروض‭ ‬وتمويل‭ ‬الأسواق‭.‬
وقد‭ ‬انعكست‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬الانضباط‭ ‬تظهر‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬مع‭ ‬احتواء‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬الإقراض‭ ‬المفرط‮»‬،‭ ‬وانخفاض‭ ‬نسبة‭ ‬القروض‭ ‬إلى‭ ‬الودائع‭ ‬لتبقى‭ ‬دون‭ ‬مستوى‭ ‬100%‭. ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬معدل‭ ‬عرض‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬‭(‬M0‭/‬GDP‭) ‬ارتفاعاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬لاحقاً،‭ ‬باستثناء‭ ‬فترة‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬نجاح‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬النقد،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬التضخم‭ ‬الائتماني‭ ‬وتضخم‭ ‬الأسعار،‭ ‬ووضع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭.‬

صعود‭ ‬اللامركزية

مع‭ ‬دخول‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتحديداً‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬شهد‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة،‭ ‬اتسمت‭ ‬بتغير‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والأقاليم‭. ‬فمع‭ ‬صعود‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري‭ ‬ليصبح‭ ‬أحد‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬للاقتصاد،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2013،‭ ‬بدأت‭ ‬السلطة‭ ‬المالية‭ ‬تميل‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬نحو‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬آليات‭ ‬الموافقة‭ ‬والاعتماد،‭ ‬ما‭ ‬أفسح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬توسع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬بدأ‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬المقيد‭ ‬يفقد‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬صرامته،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنامي‭ ‬نفوذ‭ ‬الإدارات‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬دعماً‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬جديد‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬الأراضي‭.‬
وقد‭ ‬منح‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬زخماً‭ ‬كبيراً،‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالطاقة‭ ‬الدافعة‭ ‬للنمو،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬حمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬بذور‭ ‬اختلالات‭ ‬لاحقة،‭ ‬حيث‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تضخم‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري‭ ‬وظهور‭ ‬فقاعات‭ ‬مالية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭ ‬مفرط‭ ‬تجاوز‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬حدود‭ ‬الاستدامة‭.‬

النظام‭ ‬النقدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأراضي

شهد‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬إضافية‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬نموذج‭ ‬نقدي‭ ‬جديد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الأراضي،‭ ‬ويتخذ‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬الإسكان‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬له،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«النظام‭ ‬النقدي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬2.0‮»‬‭.‬
وقد‭ ‬نشأ‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬نتيجة‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين‭: ‬أولهما‭ ‬إصلاحات‭ ‬الإسكان‭ ‬التي‭ ‬أُقرت‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬والتي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬سوق‭ ‬العقارات‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تطور‭ ‬سريع‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الإسكان‭ ‬التجاري‭. ‬أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬عرض‭ ‬الأراضي،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمدت‭ ‬الدولة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬المناقصات‭ ‬والمزايدات‮»‬‭ ‬كآلية‭ ‬أساسية‭ ‬لتخصيص‭ ‬الأراضي،‭ ‬وفق‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬أصدرتها‭ ‬وزارة‭ ‬الأراضي‭ ‬والموارد‭ ‬الطبيعية‭.‬
ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬تشكل‭ ‬نمط‭ ‬جديد‭ ‬لإدارة‭ ‬الأراضي،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬التخصيص‭ ‬عبر‭ ‬المنافسة،‭ ‬والنقل‭ ‬المباشر،‭ ‬والاتفاقات،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬الأراضي،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

بين‭ ‬نظامين‭: ‬كيف‭ ‬تغير‭ ‬دور‭ ‬الأرض؟

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬احتكار‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬للمعروض‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬النظامين‭ (‬1.0‭ ‬و2‭.‬0‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬الاختلاف‭ ‬بينهما‭ ‬كان‭ ‬جوهرياً‭.‬
في‭ ‬النظام‭ ‬الأول،‭ ‬كانت‭ ‬الأراضي‭ ‬تُعد‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والعمل،‭ ‬وتُسهم‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الدخل‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬وعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬ضمن‭ ‬دورة‭ ‬إنتاجية‭ ‬متكاملة‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الثاني،‭ ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬الأراضي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مادة‭ ‬خام‮»‬‭ ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الإسكان،‭ ‬ويمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الدخل‭ ‬منها‭ ‬مباشرة‭ ‬عبر‭ ‬بيعها،‭ ‬ما‭ ‬غيّر‭ ‬طبيعة‭ ‬الإيرادات‭ ‬الحكومية‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬إلى‭ ‬عوائد‭ ‬فورية‭ ‬تُحصّل‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬غيّر‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬الإيرادات‭ ‬السريعة‭ ‬عبر‭ ‬بيع‭ ‬الأراضي،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تبني‭ ‬استراتيجيات‭ ‬تنموية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

آثار‭ ‬التحول‭: ‬بين‭ ‬الوفرة‭ ‬والاختلال

أدى‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الجديد‭ ‬إلى‭ ‬تدفق‭ ‬مالي‭ ‬هائل‭ ‬نحو‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬إيرادات‭ ‬بيع‭ ‬الأراضي‭ ‬من‭ ‬240‭ ‬مليار‭ ‬يوان‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬إلى‭ ‬540‭ ‬مليار‭ ‬يوان‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬كما‭ ‬قفزت‭ ‬نسبة‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬الإيرادات‭ ‬المحلية‭ ‬من‭ ‬28‭ % ‬إلى‭ ‬55‭ %.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الوفرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬إذ‭ ‬ظهرت‭ ‬اختلالات‭ ‬واضحة،‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الإسكان،‭ ‬ووجود‭ ‬احتكار‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬العليا‭ ‬من‭ ‬السوق،‭ ‬مقابل‭ ‬منافسة‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬الدنيا‭.‬
كما‭ ‬لعبت‭ ‬عوامل‭ ‬مؤسسية‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات،‭ ‬مثل‭ ‬نظام‭ ‬تسجيل‭ ‬السكان‭ (‬الهُوكو‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يقيّد‭ ‬حركة‭ ‬الأفراد،‭ ‬والتفاوت‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬والذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انقسام‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬وتفاوت‭ ‬فرص‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭.‬
وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التحول‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬مجرد‭ ‬عملية‭ ‬إصلاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬مساراً‭ ‬معقداً‭ ‬أعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والسوق‭. ‬وبينما‭ ‬نجحت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬سريع‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أفرزت‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬الأراضي‭.‬
وهكذا،‭ ‬تقف‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬اليوم‭ ‬كنموذج‭ ‬مزدوج‭ ‬الأبعاد‭: ‬نجاح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬والانضباط‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومصدر‭ ‬تساؤلات‭ ‬حقيقية‭ ‬حول‭ ‬الاستدامة‭ ‬والتوازن‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

رجوع لأعلى