الاقتصاد بين القيود المالية وصعود الأصول العقارية
شهدت الصين منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تحولات جذرية في بنيتها المالية والنقدية، انتقلت خلالها من حالة من الفوضى التنظيمية إلى نموذج أكثر انضباطاً تقوده الدولة، قبل أن تعود تدريجياً إلى قدر من اللامركزية المدفوعة بعوامل اقتصادية جديدة. ولم تكن هذه التحولات مجرد إصلاحات تقنية، بل مثّلت إعادة صياغة عميقة لعلاقة السلطة بالمال، ولآليات توجيه النمو الاقتصادي.
إعادة بناء النظام المالي
بدأت الصين منذ عام 1993 مرحلة مفصلية في إعادة ترتيب سلطتها المالية، في محاولة لوضع حد للفوضى التي كانت تسيطر على النظام المالي آنذاك. وقد شملت هذه المرحلة سلسلة من الإجراءات التنظيمية الواسعة، أبرزها إخضاع الشركات الاستئمانية لإطار رقابي أكثر صرامة، وتولي الجهات المختصة تنظيم سوق السندات، إلى جانب استعادة لجنة التخطيط الوطنية لسلطتها في إصدار سندات المؤسسات.
غير أن التحول الحقيقي نحو استعادة السيطرة الكاملة جاء في 25 ديسمبر 1993، مع صدور قرار مجلس الدولة بشأن إصلاح النظام المالي، والذي شكّل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الانضباط المؤسسي. وقد وضع هذا القرار، المستند إلى توجهات الحزب الشيوعي الصيني، أسس بناء نظام رقابي قوي يقوده البنك المركزي، مع التأكيد على إنشاء سوق مالي منفتح، موحد، ومنظم وفق قواعد تنافسية صارمة.
وفي عام 1995، تعزز هذا التوجه بإقرار قانون بنك الشعب الصيني، الذي عزز مكانة البنك المركزي ومنحه دوراً محورياً، مع حظر تقديم القروض المباشرة للجهات الحكومية بمختلف مستوياتها. وفي العام ذاته، أكد قانون البنوك التجارية ضرورة توحيد الإطار القانوني وتعزيز الانضباط المؤسسي، من خلال فرض قيود واضحة على أنشطة البنوك التجارية، ومنعها من التوسع في مجالات مثل التأمين أو إصدار السندات.
ومع اندلاع الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، وجدت الصين نفسها أمام اختبار حقيقي لصلابة نظامها المالي، ما دفعها إلى تنفيذ إصلاحات عميقة في البنوك التجارية المملوكة للدولة، شملت مراجعة شاملة للحسابات المشكوك فيها، وإعادة هيكلة الشركات الاستئمانية ومراكز تداول السندات. وخلال مؤتمر العمل المالي الوطني الثاني، تم التأكيد على أن إصلاح البنوك الحكومية يمثل أولوية قصوى، مع التوجه نحو تبني نظام المساهمة بما يتماشى مع طبيعة المؤسسات المالية الحديثة.
النظام المالي المقيد وضبط التضخم
خلال الفترة الممتدة من عام 1993 حتى عام 2002، تشكّل ما يمكن وصفه بـ«النظام المالي المقيد»، والذي اتسم بعدة خصائص رئيسية يمكن تفسيرها في إطار نظرية القيود المالية.
فمن جهة، ورغم التوجه التدريجي نحو تخفيف القيود على أسعار الفائدة، لم يتم تحريرها بالكامل، إذ ظل البنك المركزي يحتفظ بحدود دنيا وعليا لأسعار الفائدة على الودائع، مع بقاء الحد الأعلى فوق معدل التضخم، متأثراً بالتراجع العالمي في معدلات التضخم آنذاك.
ومن جهة أخرى، عملت السلطات على الحد من المنافسة المفرطة داخل القطاع المالي، من خلال تقليص تدخل البنوك في بعض الأنشطة، وكبح توسع الأسواق المالية، خاصة سوق السندات التي كانت تمثل منافساً مباشراً للإقراض المصرفي. كما فُرضت رقابة مشددة على حركة رؤوس الأموال، مع استثناء محدود للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
أما على المستوى الداخلي، فقد فرضت الحكومة المركزية قيوداً صارمة على قدرة السلطات المحلية في توجيه الموارد المالية، عبر تنظيم عمل المؤسسات المالية المحلية، والحد من إنشاء مؤسسات جديدة، إضافة إلى إحكام السيطرة على حجم القروض وتمويل الأسواق.
وقد انعكست هذه السياسات بوضوح على مؤشرات الاستقرار المالي، حيث بدأت ملامح الانضباط تظهر منذ عام 1994، مع احتواء ظاهرة «الإقراض المفرط»، وانخفاض نسبة القروض إلى الودائع لتبقى دون مستوى 100%. كما شهد معدل عرض النقد إلى الناتج المحلي الإجمالي (M0/GDP) ارتفاعاً تدريجياً قبل أن يتراجع لاحقاً، باستثناء فترة الأزمة المالية الآسيوية.
ويعكس هذا التحول نجاح السلطات في الحد من قدرة الحكومات المحلية على التأثير غير المباشر في إصدار النقد، ما أسهم في كبح التضخم الائتماني وتضخم الأسعار، ووضع الاقتصاد على مسار أكثر استقراراً.
صعود اللامركزية
مع دخول الألفية الجديدة، وتحديداً منذ عام 2003، شهد النظام المالي والنقدي في الصين تحولات عميقة، اتسمت بتغير في موازين السلطة بين المركز والأقاليم. فمع صعود القطاع العقاري ليصبح أحد الركائز الأساسية للاقتصاد، خاصة بعد عام 2013، بدأت السلطة المالية تميل بشكل متزايد نحو الحكومات المحلية.
وفي هذا السياق، تراجع دور الحكومة المركزية في ضبط الاستثمارات المحلية من خلال آليات الموافقة والاعتماد، ما أفسح المجال أمام توسع النشاط الاقتصادي على المستوى المحلي. ومع مرور الوقت، بدأ النظام المالي المقيد يفقد بعضاً من صرامته، خصوصاً في ظل تنامي نفوذ الإدارات المحلية التي وجدت دعماً في نظام نقدي جديد قائم على استغلال الأراضي.
وقد منح هذا التحول الاقتصاد المحلي زخماً كبيراً، يمكن وصفه بالطاقة الدافعة للنمو، إلا أنه حمل في طياته بذور اختلالات لاحقة، حيث أسهم في تضخم القطاع العقاري وظهور فقاعات مالية، إلى جانب نشاط اقتصادي مفرط تجاوز في بعض الأحيان حدود الاستدامة.
النظام النقدي القائم على الأراضي
شهد عام 2003 نقطة تحول إضافية مع بروز نموذج نقدي جديد يعتمد على الأراضي، ويتخذ من سوق الإسكان محوراً رئيسياً له، وهو ما يمكن وصفه بـ«النظام النقدي القائم على الأراضي 2.0».
وقد نشأ هذا النظام نتيجة عاملين رئيسيين: أولهما إصلاحات الإسكان التي أُقرت عام 1999، والتي أدت إلى تحرير سوق العقارات وفتح المجال أمام تطور سريع في سوق الإسكان التجاري. أما العامل الثاني، فيتمثل في التغيرات التي طرأت على آليات عرض الأراضي، حيث اعتمدت الدولة منذ عام 2002 نظام «المناقصات والمزايدات» كآلية أساسية لتخصيص الأراضي، وفق القواعد التي أصدرتها وزارة الأراضي والموارد الطبيعية.
ومنذ ذلك الحين، تشكل نمط جديد لإدارة الأراضي، يجمع بين التخصيص عبر المنافسة، والنقل المباشر، والاتفاقات، ما أدى إلى تعزيز دور الحكومات المحلية في توجيه الموارد المالية عبر بوابة الأراضي، وأسهم في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي.
بين نظامين: كيف تغير دور الأرض؟
على الرغم من احتكار الحكومات المحلية للمعروض من الأراضي في كلا النظامين (1.0 و2.0)، فإن الاختلاف بينهما كان جوهرياً.
في النظام الأول، كانت الأراضي تُعد عنصراً أساسياً من عناصر الإنتاج، إلى جانب رأس المال والعمل، وتُسهم في توليد الدخل بشكل غير مباشر وعلى المدى الطويل ضمن دورة إنتاجية متكاملة.
أما في النظام الثاني، فقد تحولت الأراضي إلى «مادة خام» تُستخدم في قطاع الإسكان، ويمكن تحقيق الدخل منها مباشرة عبر بيعها، ما غيّر طبيعة الإيرادات الحكومية من عوائد طويلة الأجل إلى عوائد فورية تُحصّل دفعة واحدة.
كما أن هذا التحول غيّر من سلوك الحكومات المحلية، حيث أصبح من المرجح أن تركز على تعظيم الإيرادات السريعة عبر بيع الأراضي، بدلاً من تبني استراتيجيات تنموية طويلة الأمد.
آثار التحول: بين الوفرة والاختلال
أدى هذا النموذج الجديد إلى تدفق مالي هائل نحو الحكومات المحلية، حيث ارتفعت إيرادات بيع الأراضي من 240 مليار يوان عام 2002 إلى 540 مليار يوان في عام 2003، كما قفزت نسبة مساهمتها في الإيرادات المحلية من 28 % إلى 55 %.
إلا أن هذه الوفرة لم تكن خالية من التحديات، إذ ظهرت اختلالات واضحة، أبرزها ضعف السيولة في الطلب على الإسكان، ووجود احتكار في المستويات العليا من السوق، مقابل منافسة حادة في المستويات الدنيا.
كما لعبت عوامل مؤسسية دوراً مهماً في تعميق هذه الاختلالات، مثل نظام تسجيل السكان (الهُوكو)، الذي يقيّد حركة الأفراد، والتفاوت الإقليمي في تقديم الخدمات العامة، والذي أدى إلى انقسام سوق العمل وتفاوت فرص الوصول إلى الموارد.
وفي النهاية، لم يكن التحول المالي في الصين مجرد عملية إصلاح اقتصادي تقليدي، بل مساراً معقداً أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق. وبينما نجحت هذه التحولات في تحقيق نمو اقتصادي سريع وتعزيز قدرات الحكومات المحلية، فإنها في الوقت ذاته أفرزت تحديات هيكلية عميقة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على اقتصاد الأراضي.
وهكذا، تقف التجربة الصينية اليوم كنموذج مزدوج الأبعاد: نجاح في تحقيق النمو والانضباط من جهة، ومصدر تساؤلات حقيقية حول الاستدامة والتوازن من جهة أخرى.