تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬والتغيير

EE…33

إن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬بصورة‭ ‬مفاجئة‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬محددة‭ ‬يمكن‭ ‬عندها‭ ‬إعلان‭ ‬انتهاء‭ ‬نظام‭ ‬وبداية‭ ‬آخر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬تراكمية‭ ‬تنشأ‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التغيرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تتجمع‭ ‬تدريجياً‭ ‬حتى‭ ‬تفرز‭ ‬واقعاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مختلفاً‭. ‬وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للتغيير‭ ‬والمرآة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬اتجاهاته‭ ‬وملامحه‭.‬
ويثور‭ ‬هنا‭ ‬تساؤل‭ ‬مهم‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الهيكل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الجديد‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬من‭ ‬سابقه‭. ‬وفي‭ ‬الغالب‭ ‬ترتبط‭ ‬الإجابة‭ ‬بمدى‭ ‬ما‭ ‬يتيحه‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬تقني‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬التطورات‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬الدافعة‭ ‬نحو‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية،‭ ‬مثل‭ ‬التنظيمين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬تاريخي،‭ ‬تكشف‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬هياكل‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والصمود‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬تتمسك‭ ‬بأنماط‭ ‬اقتصادية‭ ‬تجاوزها‭ ‬الزمن‭. ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬التاريخ‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬تفوق‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬أنظمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬عصرها‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بقيت‭ ‬أسيرة‭ ‬أنماط‭ ‬تقليدية‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬
وعند‭ ‬تقييم‭ ‬كفاءة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة،‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬تقتصر‭ ‬المقارنة‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬النظرية‭ ‬المجردة،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ظروفها‭ ‬التاريخية‭ ‬ومراحل‭ ‬تطورها‭. ‬فالاختيار‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬عادة‭ ‬بين‭ ‬نظامين‭ ‬يبلغان‭ ‬ذروة‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وإنما‭ ‬بين‭ ‬نظام‭ ‬قائم‭ ‬فقد‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬فاعليته‭ ‬ونظام‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬التشكّل‭. ‬ولهذا‭ ‬شهدت‭ ‬أنظمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة‭ ‬أدوات‭ ‬فعالة‭ ‬للنمو‭ ‬والازدهار‭ ‬تحوّلاً‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬عوائق‭ ‬أمام‭ ‬التطور،‭ ‬بعدما‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المتسارعة‭.‬

التحول‭ ‬التاريخي

كما‭ ‬تُظهر‭ ‬التجربة‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬للموارد‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬لاحقة،‭ ‬فتبرز‭ ‬مشكلات‭ ‬مثل‭ ‬الاحتكار‭ ‬والبطالة‭ ‬وضعف‭ ‬الكفاءة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬نماذج‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬وتحقيق‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأفضل‭ ‬للموارد‭ ‬المتاحة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تبرز‭ ‬إحدى‭ ‬القضايا‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬شغلت‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث،‭ ‬وهي‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المخطط‭ ‬وكفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬المعاصرة‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لأنها‭ ‬ترتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬والتطور‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬متغيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تخضع‭ ‬المجتمعات‭ ‬بدورها‭ ‬لعمليات‭ ‬تطور‭ ‬واختيار‭ ‬مستمرة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬وآلياتها‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭.‬
يمكن‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬أي‭ ‬نمط‭ ‬اجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬المتداخلة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بعلاقة‭ ‬الفرد‭ ‬بمجتمعه،‭ ‬وتمتد‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬المجتمعات‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬المجتمع‭ ‬بالبيئة‭ ‬والظروف‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬تتشكل‭ ‬الخصائص‭ ‬العامة‭ ‬للمجتمع‭ ‬وتتحدد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬والاستمرار‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدول،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬الاختيار‭ ‬القومي‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والبقاء‭ ‬ضمن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬التطور‭ ‬المجتمعي‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمتلكه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬طاقات‭ ‬إبداعية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حسن‭ ‬توظيف‭ ‬الموارد‭ ‬واختيار‭ ‬النظم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬المتغيرات‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬أو‭ ‬إخفاق‭ ‬هذه‭ ‬الاختيارات‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحدد‭ ‬مصير‭ ‬التنظيمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

النمط‭ ‬الاجتماعي

وإذا‭ ‬افترضنا‭ ‬صحة‭ ‬الرأي‭ ‬القائل‭ ‬بأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المخطط‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وإنتاجية‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬الاحتكاري‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬النظم،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬مستويات‭ ‬الرفاه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وزيادة‭ ‬الدخل‭ ‬القومي،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتمسك‭ ‬بالنظام‭ ‬الأقل‭ ‬كفاءة‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الدولية،‭ ‬نتيجة‭ ‬تبنيها‭ ‬خيارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬لها‭ ‬القدر‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التطور‭.‬
ولا‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يوفر‭ ‬مزايا‭ ‬فنية‭ ‬مهمة،‭ ‬أبرزها‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستخدام‭ ‬الأمثل‭ ‬للموارد‭ ‬القومية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الناتج‭ ‬والدخل‭ ‬القومي‭. ‬أما‭ ‬مسألة‭ ‬تأثير‭ ‬التخطيط‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬محل‭ ‬جدل‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬التعبئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬برامج‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬والتنمية،‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬التخطيط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أُحسن‭ ‬تطبيقه‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المبادرات‭ ‬الفردية‭ ‬والإبداع‭ ‬الحر‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبين‭ ‬التنسيق‭ ‬العام‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬الوسائل‭ ‬الفنية‭ ‬للتخطيط‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لضمان‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فعملية‭ ‬التنمية‭ ‬تتأثر‭ ‬بمجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المتداخلة‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬المفاضلة‭ ‬بينها‭ ‬بصورة‭ ‬مطلقة‭. ‬فالدول‭ ‬تحتاج‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وتنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقدم‭ ‬التقني،‭ ‬ورفع‭ ‬مستويات‭ ‬التعليم‭ ‬والخبرة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار،‭ ‬وتوسيع‭ ‬فرصها‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬النجاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عنصر‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬متكامل‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المقومات‭ ‬المختلفة‭ ‬وتوظيفها‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬تنموية‭ ‬شاملة‭.‬

التخطيط‭ ‬المتكامل

تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬أدوات‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬كلما‭ ‬واجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬تحديات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬إذ‭ ‬تصبح‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬الواعي‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬لمعالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬ودفع‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭. ‬فالتخطيط‭ ‬ليس‭ ‬غاية‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتنظيم‭ ‬الجهود‭ ‬وتعبئة‭ ‬الإمكانات‭ ‬المتاحة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجاوز‭ ‬العقبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬النمو‭. ‬وتبدو‭ ‬هذه‭ ‬الحاجة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬منخفضة‭ ‬الدخل‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬تعانيه‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬وضعف‭ ‬القدرات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوات‭ ‬التنموية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تمثل‭ ‬أدوات‭ ‬التخطيط‭ ‬امتداداً‭ ‬طبيعياً‭ ‬للتطورات‭ ‬التقنية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬الحديثة،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬ارتبط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬بمراحل‭ ‬سابقة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الصناعي‭.‬
ومع‭ ‬أهمية‭ ‬الوسائل‭ ‬الفنية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬التنمية،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬كفاءة‭ ‬أدواته‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط‭ ‬كذلك‭ ‬بالعناصر‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمعنوية‭ ‬التي‭ ‬تمنحه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬والتجدد‭. ‬فالاقتصاد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬ومؤشرات‭ ‬وإجراءات‭ ‬تنظيمية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لطبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬وقيمه‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬والتطور،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬المعنوي‭ ‬بوصفه‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬البناء‭ ‬الاقتصادي‭.‬

العناصر‭ ‬المعنوية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي

أبرزت‭ ‬مرحلة‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬للإرادة‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وتوجيهه‭ ‬نحو‭ ‬أهداف‭ ‬محددة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬بوصفه‭ ‬مجرد‭ ‬منظومة‭ ‬ميكانيكية‭ ‬أو‭ ‬هيكلاً‭ ‬مادياً‭ ‬جامداً‭ ‬يعد‭ ‬تبسيطاً‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬حقيقته،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬كيان‭ ‬حي‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬ويتأثر‭ ‬بطموحاتهم‭ ‬وأفكارهم‭ ‬وقدراتهم‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭ ‬والتطوير‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬تخطيط‭ ‬ناجحة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تراعي‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الجوانب‭ ‬الفنية‭ ‬والتنظيمية‭.‬
ويستند‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬دوره‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الأدوات‭ ‬والوسائل‭ ‬المادية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬ذاته‭ ‬وصياغة‭ ‬واقعه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والثقافي‭. ‬فالقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والإبداع‭ ‬ليست‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬المجال‭ ‬المادي،‭ ‬وإنما‭ ‬تشمل‭ ‬القيم‭ ‬والأفكار‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬المجتمع،‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬الإنسان،‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬نتاجاً‭ ‬للظروف‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يسهم‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬نفسه‭ ‬وتطوير‭ ‬بنيته‭ ‬الداخلية‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬كونه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬أو‭ ‬الأنشطة‭ ‬المترابطة،‭ ‬ليصبح‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬المجتمع‭ ‬نفسها‭. ‬فالحركة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬جهود‭ ‬الأفراد‭ ‬وإنتاجهم‭ ‬وعلاقاتهم‭ ‬المتبادلة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬تراجعه‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بمستوى‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬يحققه‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ليس‭ ‬ظاهرة‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬مباشر‭ ‬لتقدمه‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والعمل‭ ‬والإنتاج‭.‬

رجوع لأعلى