النفط يقترب من 90 دولارا بتصاعد التوترات
ارتفعت أسعار النفط العالمية خلال تعاملات الثلاثاء لتواصل مكاسبها لليوم الثاني على التوالي، مدفوعة باستمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتزايد المخاوف بشأن سلامة إمدادات الطاقة، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تهدف إلى احتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي الوقت نفسه، عززت التوقعات بانخفاض مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة من موجة الصعود، في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب أي تطورات قد تغير مسار السوق خلال الأيام المقبلة.
وصعد خام برنت إلى نحو 89.70 دولاراً للبرميل، مقترباً من حاجز 90 دولاراً، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى أكثر من 83 دولاراً للبرميل. ويعكس هذا الأداء استمرار تسعير الأسواق لعلاوة المخاطر الجيوسياسية، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى اضطراب تدفقات النفط من منطقة الخليج، التي تمثل أحد أهم مصادر الإمدادات العالمية.
ولا تزال الأسواق تتحرك بين عاملين متناقضين؛ الأول يتمثل في تصاعد العمليات العسكرية التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، والثاني هو بروز جهود وساطة قد تقود إلى تهدئة مؤقتة، وهو ما يمنع الأسعار من تسجيل قفزات أكبر.
تصعيد عسكري
جاء ارتفاع الأسعار بالتزامن مع استمرار المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ جولة جديدة من الضربات على أهداف داخل إيران، في حين رد الحرس الثوري الإيراني بتنفيذ هجمات استهدفت أصولاً عسكرية أميركية في المنطقة.
ويؤكد هذا التصعيد أن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل، إذ يرى المستثمرون أن استمرار العمليات العسكرية يرفع احتمالات امتداد المواجهة إلى منشآت الطاقة أو الممرات البحرية، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل جزء من الإمدادات العالمية.
كما زادت حدة التوتر بعد التصريحات المتشددة المتبادلة بين الطرفين، والتي عكست تمسك كل طرف بمواقفه، الأمر الذي عزز قناعة الأسواق بأن احتمالات التهدئة لا تزال هشة، وأن أي تطور ميداني جديد قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط.
ويرى محللون أن سوق النفط أصبح يتفاعل مع الأخبار العسكرية بصورة أكبر من المؤشرات الاقتصادية التقليدية، نظراً لأن أي اضطراب في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على توقعات الإمدادات العالمية.
جهود الوساطة
في المقابل، برزت خلال الساعات الماضية مؤشرات على تحركات دبلوماسية جديدة قد تساهم في احتواء الأزمة، بعدما كشفت تقارير عن مقترح قدمه وسطاء لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، في محاولة لإحياء التفاهم المؤقت الموقع بين واشنطن وطهران، وتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات.
ويعتقد متعاملون في الأسواق أن هذه المبادرة تمثل عاملاً مهماً في الحد من ارتفاع الأسعار، إذ تمنح المستثمرين أملاً بإمكانية تجنب مواجهة طويلة قد تؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ورغم ذلك، فإن التفاؤل يبقى محدوداً، إذ تشير تقديرات المؤسسات المالية إلى أن الخلافات السياسية والعسكرية بين الطرفين لا تزال عميقة، وأن التوصل إلى اتفاق دائم يحتاج إلى تنازلات متبادلة لم تظهر ملامحها حتى الآن.
تهديد الملاحة
ويظل أمن الملاحة البحرية أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لأسواق النفط، خصوصاً مع تجدد التهديدات باستهداف السفن في مضيق باب المندب، وإعلان قوات التحالف اتخاذ إجراءات إضافية لحماية السفن العابرة والتعامل بحزم مع أي تهديدات.
كما زادت المخاوف بعد تعرض ناقلة في مضيق هرمز للاستهداف بمقذوف مجهول، ما أجبر طاقمها على مغادرتها واللجوء إلى قارب نجاة، في حادثة تعكس استمرار المخاطر التي تواجه حركة النقل البحري في المنطقة.
وأدى هذا التصعيد إلى تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز بصورة أكبر، في وقت تخشى فيه الأسواق من أن يؤدي استمرار الهجمات إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وإبطاء وصول الإمدادات إلى الأسواق العالمية.
ويعد مضيقا هرمز وباب المندب من أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط، إذ يمر عبرهما جزء كبير من صادرات الخام والغاز، ولذلك فإن أي اضطراب أمني فيهما ينعكس مباشرة على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة.
رؤى المحللين
ويرى محللو بنك آي.إن.جي أن المبادرات الدبلوماسية تمنح الأسواق قدراً من التفاؤل، لكنها لا تلغي المخاطر القائمة، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الولايات المتحدة وإيران.
أما بنك إس.إي.بي فأشار إلى أن الضربات الأميركية الأخيرة قد تُفسر على أنها محاولة لتعزيز الموقف التفاوضي قبل التوصل إلى تسوية سياسية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استمرار الجمود سيؤدي إلى بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة مع استمرار حالة عدم اليقين.
من جانبه، قال الخبير في النفط والغاز محمد العناني إن الأسعار قد تشهد بعض الانخفاض خلال الفترة المقبلة إذا نجحت جهود الوساطة في إعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، موضحاً أن السحب من المخزونات وإطلاق كميات من النفط المخزن في البحر ساعدا في تعويض جزء من النقص في الإمدادات.
وفي المقابل، تظل توقعات بعض المؤسسات الاستثمارية أكثر تشدداً، إذ ترى أن استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز قد يدفع خام برنت إلى تجاوز مستويات 100 دولار، بل إن بعض التقديرات تضع سيناريوهات أعلى في حال اتسع نطاق المواجهة.
سيناريوهات السوق
ويرى خبراء الطاقة أن السوق تقف حالياً أمام سيناريوهين رئيسيين؛ الأول يتمثل في نجاح الجهود الدبلوماسية ووقف التصعيد، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع تدريجي للأسعار مع عودة الثقة إلى الأسواق واستقرار تدفقات النفط.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار المواجهة أو توسعها لتشمل منشآت إنتاج النفط أو الممرات البحرية، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى موجة صعود جديدة نتيجة تنامي المخاوف من نقص الإمدادات.
وفي ظل هذه المعطيات، ستظل حركة النفط خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بالأحداث السياسية والعسكرية أكثر من ارتباطها بعوامل العرض والطلب التقليدية، وهو ما يزيد من حدة التقلبات اليومية في الأسواق العالمية.
الترقب يسيطر على أسواق النفط
تبقى أسعار النفط رهينة توازن دقيق بين التصعيد العسكري والجهود الدبلوماسية، فكل تطور ميداني جديد يرفع المخاوف بشأن الإمدادات ويدعم الأسعار، في حين تمنح مبادرات الوساطة بصيص أمل بإمكانية احتواء الأزمة والعودة إلى مسار التفاوض.
وخلال الأيام المقبلة، ستتركز أنظار الأسواق على نتائج جهود الوساطة، ومستوى التصعيد في مضيقي هرمز وباب المندب، إلى جانب بيانات المخزونات الأميركية، باعتبارها العوامل الأكثر تأثيراً في تحديد الاتجاه المقبل لأسعار النفط، وما إذا كان خام برنت سيتمكن من تجاوز حاجز 90 دولاراً للبرميل أو سيعود إلى التراجع مع انحسار التوترات.