البريطانيون ينتظرون حتى 34 عاماً للتملك
أصبح الوصول إلى «محطة الإنجاز المالي» المتمثلة في شراء العقار يستغرق وقتاً أطول بكثير في بريطانيا، إلى درجة أن كثيراً من مشتري المنازل للمرة الأولى يكونون قد بدأوا بالفعل تكوين أسرهم وأنجبوا أطفالاً قبل أن يتمكنوا من تسلّم مفاتيح مسكنهم الأول.
وكشف تحليل جديد أجرته شركة «كونيلز» للوساطة العقارية أن نحو واحد من كل ثلاثة مشترين للمرة الأولى بدأ بالفعل تكوين أسرة قبل دخول سوق العقارات، مقارنة بنحو واحد من كل أربعة في عام 2020، في تحول يعكس حجم الضغوط التي يفرضها ارتفاع أسعار المنازل وتكاليف المعيشة والديون على الأجيال الأصغر سناً.
ويبلغ متوسط عمر مشتري المنزل للمرة الأولى حالياً أقل بقليل من 34 عاماً، مقابل 29 عاماً في عام 2000، أي أن محطة التملك تأخرت نحو خمس سنوات خلال ربع قرن، مع اتساع الفجوة بين أسعار العقارات والأجور، إلى جانب عوامل أخرى تزيد صعوبة جمع الدفعة المقدمة والحصول على التمويل.
قروض الطلاب
وتبرز قروض الطلاب باعتبارها أحد العوامل التي تزيد الضغوط على الشباب البريطانيين، إذ تؤثر الأقساط الشهرية مباشرة في الدخل المتاح بعد الضرائب، وبالتالي في قدرة المقترض على اجتياز اختبارات تحمل تكاليف الرهن العقاري.
وتقول فرانكي، وهي فنية مختبر تبلغ 27 عاماً وتجد صعوبة في الادخار، إنها لم تكن تدرك حجم تأثير قروض الطلاب في قدرتها على الحصول على تمويل عقاري. فبعد اقتطاع أقساط قروض الدراسة الجامعية والدراسات العليا من راتبها الشهري، يذهب نصف المبلغ المتبقي تقريباً إلى الإيجار، وثلث آخر إلى الفواتير والطعام.
ولا تنحصر المشكلة في قدرة الشباب على توفير الدفعة المقدمة، إذ إن استمرار الأقساط يقلص أيضاً المبلغ الذي تستطيع البنوك إقراضه لهم. وحتى إذا تدخل «بنك أمي وأبي» لمساعدة الأبناء في الدفعة الأولى، تبقى التزامات القروض الطلابية محسوبة عند تقييم قدرة العميل على سداد الرهن العقاري.
وتتراوح أعمار معظم المقترضين الخاضعين لـ«الخطة 2» للقروض الطلابية بين 21 و35 عاماً، فيما يمكن لمن يتقاضى راتباً يبلغ 65 ألف جنيه استرليني أن يفقد نحو 300 جنيه شهرياً لسداد تلك القروض، بينما تعني الفوائد المتراكمة أن بعض المقترضين قد يدخلون الأربعينيات أو الخمسينيات قبل التخلص من ديونهم بالكامل.
ضغوط سياسية
وتحولت أزمة قروض الطلاب وتأثيرها في فرص التملك إلى قضية سياسية، بعدما بعث أكثر من 120 نائباً وعضواً في مجلس اللوردات من مختلف الأحزاب برسالة إلى وزير الخزانة، طالبوا فيها بإصلاح النظام الذي وصفوه بأنه «غير مستدام».
وحذر الموقعون من أن النظام الحالي يقلص الدخل المتاح للإنفاق بصورة كبيرة، ويؤخر محطات أساسية في حياة الشباب، من بينها شراء المنزل الأول وتكوين الأسرة، فضلاً عن تأثيره في القرارات المتعلقة بالتقدم الوظيفي.
وتكشف هذه الضغوط أن أزمة التملك لم تعد مرتبطة فقط بأسعار العقارات، بل أصبحت نتاج مجموعة من الالتزامات التي تستنزف دخل الشباب في الوقت نفسه، بدءاً من قروض التعليم ووصولاً إلى الإيجارات المرتفعة وتكاليف المعيشة.
مشكلة الشقق
وفي الوقت الذي كانت فيه الشقق تمثل تقليدياً بوابة الدخول الأرخص إلى سوق العقارات، أصبحت هذه الفئة أقل جاذبية لعدد كبير من المشترين للمرة الأولى.
وتقول مديرة أبحاث المجموعة في «كونيلز» أنيشا بيفريدج إن مجموعة كبيرة من الأشخاص اشتروا شققاً خلال العقد الماضي أصبحت قيمتها الآن أقل مما دفعوه مقابلها، فيما تحولت رسوم الخدمات إلى ما يشبه «رهناً عقارياً ثانياً» بالنسبة إلى بعض المالكين.
ويؤكد وسيط الرهن العقاري لويس شو، الذي يتعامل بصورة رئيسية مع المشترين للمرة الأولى في أنحاء المملكة المتحدة، أن الغالبية العظمى من عملائه يقولون صراحة إنهم لا يريدون شراء شقة، كما يتجنب كثيرون منهم أنظمة الملكية المشتركة بعدما سمعوا عن تجارب سلبية مرتبطة بها.
وتجاوز متوسط رسوم الخدمات للشقق في إنجلترا وويلز 200 جنيه استرليني شهرياً خلال 2025، وهي تكلفة إضافية قد تشكل عقبة كبيرة أمام المشترين الذين يدفعون بالفعل قدرتهم على تحمل أقساط الرهن العقاري إلى أقصى الحدود.
ويزداد قلق المقرضين عندما تتجاوز الرسوم السنوية 1% من قيمة العقار، فيما تظهر بيانات «هامبتونز» أن نحو 37% من الشقق تتخطى هذا المستوى بالفعل.
شراء متأخر
وتدفع هذه المعطيات عدداً متزايداً من البريطانيين إلى تغيير استراتيجيتهم بالكامل، عبر الاستمرار في الادخار والاستئجار فترة أطول بدلاً من شراء شقة صغيرة في مرحلة مبكرة، على أمل الانتقال مباشرة إلى منزل أكبر وأكثر ملاءمة لتكوين الأسرة.
وتكشف بيانات «كونيلز» عن زيادة الإقبال على المساحات الأكبر، إذ ارتفع متوسط مساحة الشقق المؤجرة 14% منذ عام 2021، فيما يمنح تأجيل الشراء بعض المشترين فرصة تجنب الانتقال بين عدة عقارات ودفع التكاليف والضرائب المرتبطة بكل عملية.
لكن الاستمرار في الاستئجار له ثمن مرتفع أيضاً، إذ تستنزف الإيجارات جزءاً كبيراً من الدخل الذي كان يمكن توجيهه إلى الادخار. ولذلك يتمتع الشباب القادرون على البقاء في منزل الأسرة من دون دفع إيجار بميزة مالية كبيرة مقارنة بمن يعيشون بصورة مستقلة.
وتظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن واحداً من كل ثلاثة رجال تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً لا يزال يعيش في منزل والديه، مقارنة بواحدة من كل خمس شابات، في مؤشر آخر على التغيرات الاجتماعية التي فرضتها أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن.
تراجع الدعم
وزادت صعوبة دخول السوق بعد انتهاء برامج سابقة ساعدت الشباب على شراء المنازل الجديدة. ففي عام 2020، وفي ظل برنامج «المساعدة على الشراء»، كانت المنازل الجديدة تمثل نحو 42% من العقارات التي يشتريها المشترون للمرة الأولى، لكن هذه النسبة انخفضت اليوم إلى أقل من 5%.
ومارس مطورو العقارات ضغوطاً لإطلاق برنامج دعم جديد، إلا أن الإجراء السياسي الرئيسي الذي اتخذته الحكومة حتى الآن يتمثل في حساب ادخار فردي مخصص للمشتري للمرة الأولى، من المتوقع إطلاقه خلال 2027.
ومن المنتظر الكشف عن مزيد من التفاصيل في الموازنة المقررة في 28 أكتوبر، إلا أن المخاوف من تغييرات ضريبية محتملة تدفع بعض الأسر المقتدرة إلى تقديم المساعدات المالية لأبنائها بصورة أسرع.
بنك العائلة
وتظهر أهمية الدعم العائلي بوضوح في أحدث أرقام السوق، إذ حصل أكثر من نصف المشترين للمرة الأولى على أموال من أفراد أسرهم خلال عام 2025، بإجمالي بلغ نحو 11 مليار جنيه استرليني، وفقاً لبيانات شركة «سافيلز» للوساطة العقارية.
وتكشف هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الشباب الذين يستطيع آباؤهم تقديم عشرات الآلاف من الجنيهات للمساعدة في الدفعة المقدمة، وأولئك الذين يعتمدون بالكامل على رواتبهم ومدخراتهم، ما يجعل الخلفية المالية للأسرة عاملاً متزايد الأهمية في تحديد موعد دخول الأبناء سوق العقارات.