البنوك المركزية تعزز الذهب رغم الفائدة المرتفعة
عادت البنوك المركزية حول العالم لتؤكد أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أهم الأصول الاستراتيجية في إدارة الاحتياطيات النقدية، بعدما سجلت مشترياتها خلال مايو الماضي ارتفاعاً جديداً بلغ 41 طناً، في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية ضغوطاً ناجمة عن توقعات أسعار الفائدة الأميركية، وارتفاع الدولار، واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
ويعكس استمرار الطلب الرسمي على المعدن الأصفر قناعة متزايدة لدى السلطات النقدية بأن الذهب يمثل أداة فعالة لحماية الاحتياطيات من التقلبات الاقتصادية والمالية، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والتحديات المرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة، إضافة إلى التوترات السياسية التي تدفع العديد من الدول إلى تنويع مكونات احتياطياتها بعيداً عن الاعتماد الكامل على العملات الأجنبية.
وأظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي، المستندة إلى معلومات صندوق النقد الدولي والبنوك المركزية حتى نهاية يونيو 2026، أن صافي مشتريات البنوك المركزية بلغ 41 طناً خلال مايو، بقيادة بولندا والصين وأوزبكستان وكازاخستان، في استمرار لاتجاه بدأ منذ عدة سنوات وأصبح أحد أهم محركات سوق الذهب العالمية.
طلب رسمي
بات الطلب الصادر عن البنوك المركزية يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في سوق الذهب، بعدما تراجع تأثير بعض العوامل التقليدية مثل الطلب الاستثماري أو الطلب على المشغولات الذهبية في عدد من الأسواق.
ففي السنوات الأخيرة، اتجهت العديد من البنوك المركزية إلى زيادة حيازاتها من الذهب بهدف تنويع الأصول، وتقليل المخاطر المرتبطة بأسواق العملات، وتعزيز الاستقرار المالي في مواجهة الأزمات الاقتصادية أو الجيوسياسية.
ويؤكد خبراء أن الذهب يتمتع بميزة لا توفرها معظم الأصول الأخرى، إذ يحتفظ بقيمته على المدى الطويل، ولا يرتبط مباشرة بالتزامات أي دولة أو مؤسسة مالية، ما يجعله ملاذاً آمناً في أوقات عدم اليقين.
ورغم أن ارتفاع أسعار الفائدة يقلل عادة من جاذبية الذهب لكونه لا يحقق عائداً دورياً، فإن البنوك المركزية تنظر إليه بمنظور مختلف يعتمد على حماية الاحتياطيات وليس تحقيق الأرباح قصيرة الأجل.
بولندا تتصدر
واصل البنك المركزي البولندي تصدر قائمة أكبر المشترين خلال مايو، بعدما أضاف 18 طناً جديدة إلى احتياطياته، لترتفع مشترياته منذ بداية العام إلى 64 طناً.
وأدى ذلك إلى ارتفاع إجمالي احتياطيات بولندا إلى 614 طناً، لتصبح على مسافة قريبة من الهدف الذي حدده البنك المركزي عند 700 طن.
وتأتي هذه السياسة ضمن استراتيجية طويلة الأجل لتعزيز متانة الاقتصاد البولندي، وزيادة وزن الذهب ضمن الاحتياطيات الرسمية، بما يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في مواجهة أي تقلبات مالية مستقبلية.
ويرى محللون أن بولندا أصبحت خلال الأعوام الأخيرة من أكثر الدول نشاطاً في سوق الذهب، حيث اعتمدت سياسة شراء منتظمة ومستقرة بدلاً من تنفيذ صفقات كبيرة متباعدة.
الصين مستمرة
في المقابل، واصل البنك المركزي الصيني تعزيز احتياطياته من الذهب بإضافة عشرة أطنان خلال مايو، مسجلاً أكبر زيادة شهرية منذ ديسمبر 2024.
كما مثلت هذه الزيادة الشهر العشرين على التوالي من عمليات الشراء، في مؤشر واضح على استمرار بكين في تنفيذ استراتيجية تهدف إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.
ويعتقد مراقبون أن الصين تسعى إلى رفع نسبة الذهب ضمن احتياطياتها الرسمية تدريجياً، بما يتناسب مع حجم اقتصادها ومكانتها المالية العالمية.
وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل استمرار المنافسة الاقتصادية بين القوى الكبرى، إلى جانب التقلبات التي تشهدها أسواق العملات العالمية.
دول نشطة
لم تقتصر عمليات الشراء على بولندا والصين، إذ شهد مايو نشاطاً واسعاً من عدة بنوك مركزية أخرى.
وأضاف البنك المركزي الأوزبكي تسعة أطنان إلى احتياطياته، لترتفع مشترياته منذ بداية العام إلى 33 طناً، بينما عزز البنك المركزي الكازاخستاني احتياطياته بشراء سبعة أطنان.
كما عادت سنغافورة إلى شراء الذهب للمرة الأولى منذ سبتمبر 2025، بإضافة أربعة أطنان، في خطوة تعكس عودة اهتمامها بتعزيز احتياطيات المعدن النفيس.
وشهدت التشيك والأردن أيضاً زيادة في احتياطياتهما، حيث اشترى البنكان المركزيان طنين وطناً واحداً على التوالي، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الدول التي تعتمد الذهب ضمن استراتيجياتها الاحتياطية.
ويؤكد هذا التنوع في المشترين أن الإقبال على الذهب لم يعد مقتصراً على الاقتصادات الكبرى، بل أصبح توجهاً عالمياً يشمل دولاً ذات أحجام اقتصادية مختلفة.
ضغوط الفائدة
جاءت هذه المشتريات في وقت تعرضت فيه أسعار الذهب لضغوط واضحة نتيجة ارتفاع الدولار وتوقعات استمرار أسعار الفائدة الأميركية عند مستويات مرتفعة.
ويؤدي ارتفاع الفائدة عادة إلى زيادة جاذبية السندات والأدوات المالية المدرة للعائد، مقابل انخفاض الإقبال على الذهب الذي لا يمنح حامليه عائداً دورياً.
كما ساهمت توقعات استمرار التضخم في الولايات المتحدة في تعزيز احتمالات تشديد السياسة النقدية، وهو ما انعكس سلباً على أسعار المعدن النفيس خلال جزء كبير من العام.
إلا أن استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية ساعد في الحد من تراجع الأسعار، وأبقى الذهب ضمن مستويات مرتفعة نسبياً مقارنة بمتوسطاته التاريخية.
مبيعات محدودة
في المقابل، شهد مايو استمرار بعض عمليات البيع من قبل عدد محدود من البنوك المركزية، حيث خفض البنك المركزي الروسي احتياطياته بنحو ستة أطنان، بينما باع البنك المركزي التركي ثلاثة أطنان.
لكن هذه المبيعات بقيت محدودة مقارنة بحجم المشتريات العالمية، ولم تؤثر في الاتجاه العام الذي ظل يميل بوضوح نحو زيادة الاحتياطيات الرسمية.
ويرى مجلس الذهب العالمي أن استمرار الشراء من جانب البنوك المركزية يعكس تحولاً استراتيجياً طويل الأجل، وليس مجرد استجابة مؤقتة لتحركات الأسعار أو الظروف الاقتصادية الحالية.
ويشير التقرير إلى أن الذهب أصبح جزءاً رئيسياً من سياسات إدارة الاحتياطيات لدى عدد متزايد من الدول، خاصة مع تزايد المخاطر الجيوسياسية، وتقلبات أسواق المال، وارتفاع مستويات الدين العالمي.
احتمال استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة
يتوقع محللون أن يظل الطلب الرسمي على الذهب قوياً خلال النصف الثاني من العام، حتى مع احتمال استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، إذ إن اعتبارات الأمن المالي وتنويع الاحتياطيات أصبحت تتقدم على اعتبارات العائد الاستثماري بالنسبة لمعظم البنوك المركزية.
وفي ظل استمرار هذه التوجهات، يرجح أن يبقى الذهب أحد أكثر الأصول الاستراتيجية أهمية في النظام المالي العالمي، مدعوماً بطلب رسمي مستقر ومتزايد، يمنحه دعماً طويل الأجل حتى في الفترات التي تتراجع فيها شهية المستثمرين أو تتعرض الأسعار لضغوط مؤقتة، وهو ما يعزز مكانة المعدن الأصفر كركيزة أساسية في الاحتياطيات النقدية للدول حول العالم.