البنية الخفية للفكر الاقتصادي
يرتبط تاريخ الفكر الاقتصادي ارتباطًا وثيقًا بالباحثين الذين أسهموا في تطويره وتركوا بصماتهم الواضحة فيه، سواء تحقق لهم النجاح خلال حياتهم أو بعد وفاتهم. ويُقاس هذا النجاح بمدى التأثير الذي أحدثته أفكارهم في محيطهم المعاصر أولاً، ثم في الأجيال اللاحقة، إضافة إلى حجم الإسهام الذي قدموه في صياغة التشريعات وتوجيه السياسات الاقتصادية في الفترات التي عاشوا فيها. كما يُنظر إلى الزمن الذي استغرقه ظهور هذا الأثر وانتشاره، وما إذا كان له دور فعّال في إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية في عصرهم أو في العصور التي تلتهم، وكذلك مقدار الإلهام الذي قدموه لباحثين آخرين تبنوا أفكارهم وطوروها ضمن مدارس فكرية لاحقة. إن هذه المعايير مجتمعة تساعد على رسم الفارق بين الباحث الناجح وغيره.
وبصياغة أخرى، فإن الحد الفاصل بين الباحثين يتمثل في قوة أفكارهم وقدرتها على التأثير في مجالات السياسة والتشريع والحركات الفكرية، أو في صياغة الاتجاهات الفكرية ذاتها. ويركز مؤرخ الاقتصاد أولاً على أولئك الذين أسهموا في تشكيل الواقع الاقتصادي الفعلي، بينما يوجه مؤرخ الفكر الاقتصادي اهتمامه إلى الباحثين الذين كان لهم دور في تشكيل مسار الفكر الاقتصادي عبر العصور اللاحقة. وغالبًا ما يجمع الباحثون الذين أسهموا في تشكيل الواقع بين التأثير في الفكر أيضًا، ومن أبرزهم: آدم سميث، وديفيد ريكاردو، وجون ستيوارت ميل، وكارل ماركس. في المقابل، هناك مجموعة أخرى من المفكرين تميزوا بقدرات تحليلية وفكرية عالية، لكن تأثيرهم كان محدودًا في السياسات والتشريعات والحركات، ومن بينهم: جيفونز، ومنجر، ووالراس، وويزر، وبوم باويرك.
ولهذا السبب يُنظر إلى الباحثين من الفئة الأولى باعتبارهم الأهم والأعظم تأثيرًا، إذ إن أفكارهم كانت أوسع انتشارًا وأكثر دوامًا، مما منحهم مكانة الصدارة في سجل تاريخ الفكر الاقتصادي.
تقييم الفكر
ومع ذلك، فإن المؤرخين لم يغفلوا إسهامات بعض الباحثين الذين لم يحظوا بالشهرة الكافية في زمنهم، بل أعادوا إليهم الاعتبار لاحقًا. ومن أبرز هؤلاء ريتشارد كانتيلون، الذي ألّف كتابه «بحث في طبيعة التجارة» عام 1755، والذي يُعد عملًا ذا قيمة نظرية كبيرة وأفكارًا متقدمة على عصره. فقد تناول قضايا اقتصادية سبق بها آدم سميث في «ثروة الأمم»، وتميزت آراؤه بالتماسك والعمق والقوة. وقد اعتبره بعض الباحثين، مثل جيفونز، المؤسس الحقيقي للاقتصاد السياسي. ومع ذلك، لم يحقق كتابه النجاح أو الشهرة في وقته، وبقي لفترة طويلة غير معروف على نطاق واسع، رغم أنه أسهم في تمهيد الطريق لكثير من أفكار المدرسة الطبيعية (الفيزيوقراطية) وأفكار آدم سميث ومالتوس.
كما تأثر به عدد من المفكرين مثل كونديلاك وميرابو وتورغو وآدم سميث، الذين استفادوا من أفكاره، إلا أن شهرته تراجعت لاحقًا مع بروز اسم آدم سميث، حتى كاد اسمه يغيب عن صفحات تاريخ الفكر الاقتصادي، رغم أن القارئ المعاصر يمكنه أن يجد في أعماله الكثير من الأفكار العميقة والمثيرة للاهتمام.
الفرويدية الاجتماعية
أغفل بعض دارسي النظرية المادية للتاريخ كثيرًا من الحقائق المرتبطة بنشأتها الفكرية، إذ إن جذورها لا تنفصل عن السياق النقدي الذي طُرحت فيه أفكار كارل ماركس، ولا سيما في مؤلفه «نقد الاقتصاد السياسي» عام 1859. ففي هذا العمل، وجّه ماركس نقدًا حادًا لعلم الاقتصاد السياسي، معتبراً إياه علمًا يعكس مصالح الطبقة البرجوازية ويخدم منظومة طبقية قائمة على توازنات القوة والمصلحة.
وفي السياق نفسه، كان بعض الاقتصاديين المؤثرين في إنجلترا آنذاك يقودون تيارًا معارضًا للتشريعات الاجتماعية الناشئة، خصوصًا تلك المتعلقة بتحديد ساعات العمل، إذ رأوا أن تقنين العمل يضر بالصناعة ويضعف الإنتاج، على اعتبار أن الأرباح تتحقق في مراحل معينة من اليوم العملي.
غير أن التباينات الفكرية حول التشريع الاجتماعي في إنجلترا، كما عكستها التقارير والكتب الرسمية، أسهمت في بلورة تصورات ماركس حول فائض القيمة بنوعيه: المطلق والنسبي، حيث رأى أن الصراع حول وقت العمل يمثل جوهر الصراع الطبقي في النظام الرأسمالي.
البنية الفوقية
وقد اتهم ماركس الاقتصاد السياسي بأنه ليس علمًا محايدًا، بل يعبر عن مصالح طبقية محددة. ووسع هذا التصور ليشمل الفكر الإنساني كله، معتبرًا أن الفن والأدب والقانون والأفكار ليست سوى “بنية فوقية” تقوم على أساس مادي يتمثل في قوى الإنتاج وعلاقاتها.
ومن هذا المنطلق، لم يكن ماركس يرى أن أصحاب الفكر الاقتصادي يخدعون الآخرين عمدًا، بل إنهم خاضعون لوعي زائف ناتج عن موقعهم الطبقي، بحيث تبدو أفكارهم لهم موضوعية بينما هي في حقيقتها انعكاس لمصالح غير مدركة.
وهكذا يمكن القول إن ما سُمي لاحقًا بـ«الفرويدية الاجتماعية» سبق فرويد نفسه من حيث الفكرة، كما سبقت بعض مظاهر “الداروينية الاجتماعية” داروين، إذ إن تفسير السلوك الفكري والاجتماعي من خلال دوافع غير واعية كان حاضرًا بشكل مبكر في التحليل الماركسي.
الوعي الخفي
إن النظرية المادية والاقتصادية للتاريخ، التي تُرجع البنى الفكرية إلى أساس اقتصادي، تبدو أكثر وضوحًا في مجال الفكر الاقتصادي تحديدًا، وهو المجال الذي انطلقت منه أطروحات ماركس. ومع ذلك، فإن تعميم هذا النموذج على كل أشكال الفكر، خصوصًا الفني، يبقى محل نقاش، بينما يظل المجال الاقتصادي الأكثر قابلية لهذا التفسير.
فالأفكار الاقتصادية غالبًا ما تكون انعكاسًا مباشرًا للظروف الاقتصادية، أو تبريرًا لسياسات قائمة، أو تعبيرًا عن مصالح قائمة، أو دعوة لتغيير هذه السياسات. ومن هنا فإن لكل نظرية جانبًا ظاهرًا واعيًا، وآخر خفيًا يحتاج إلى تحليل أعمق لاكتشافه.
وتتجلى هذه الفكرة في بعض المدارس الاقتصادية مثل مدرسة المنفعة الحدية، التي لم تنشأ فقط من فروض تحليلية صريحة، بل تأثرت أيضًا بخلفيات فلسفية عامة سادت في القرن التاسع عشر، تعكس تصورًا أوسع للحياة والحرية والاختيار.
اللاوعي الجمعي
وفي هذا الإطار، يمكن تطبيق فكرة “شبه الوعي الاجتماعي الجمعي”، حيث تختبئ خلف الأفكار الاقتصادية طبقات غير مرئية من الدوافع والتصورات التي تؤثر في تشكيل النظرية دون أن تكون معلنة.
فكما أن أرسطو عندما دافع عن نظام الاسترقاق لم يكن بالضرورة واعيًا بكل الافتراضات التي بني عليها تصوره، فإن كثيرًا من الاقتصاديين المحدثين لا يدركون كل الخلفيات الفكرية التي تؤثر في صياغة نظرياتهم.
ويشبه ذلك تشبيه جبل الجليد، حيث لا يظهر من الفكر إلا الجزء الظاهر فوق سطح الماء، بينما تبقى الكتلة الأكبر في العمق. ووفق هذا التصور، فإن فهم النظريات الاقتصادية يتطلب النظر إلى ما وراء ظاهرها، لا إلى بنيتها المنطقية فقط.
العقل الاقتصادي
وفي سياق مختلف، يطرح ألفرد مارشال تساؤلًا حول نوع العقول التي تنجذب إلى الدراسات الاقتصادية: هل هي العقول الكبيرة أم المتوسطة أم الصغيرة؟
وقد لاحظ عدد من مؤرخي الفكر الاقتصادي أن الفلاسفة اليونان، رغم عمق تفكيرهم، لم يولوا اهتمامًا واضحًا بالمسائل الاقتصادية، وكذلك الفلاسفة الرومان الذين ركزوا على القانون والتجريد الفكري دون التوسع في تحليل الظواهر الاقتصادية.
ويرى بعض الباحثين أن السبب في ذلك يعود إلى أن موضوع الثروة والعمل لم يكن يُنظر إليه آنذاك كموضوع فلسفي مركزي، بل كان يُعتبر في كثير من الأحيان نشاطًا أقل شأنًا من أن يكون محلًا للتأمل النظري، مما أبعده عن دائرة الاهتمام الفلسفي في تلك الفترات.