تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البنية‭ ‬الخفية‭ ‬للفكر‭ ‬الاقتصادي

BB.33

يرتبط‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بالباحثين‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬تطويره‭ ‬وتركوا‭ ‬بصماتهم‭ ‬الواضحة‭ ‬فيه،‭ ‬سواء‭ ‬تحقق‭ ‬لهم‭ ‬النجاح‭ ‬خلال‭ ‬حياتهم‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬وفاتهم‭. ‬ويُقاس‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬بمدى‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬أفكارهم‭ ‬في‭ ‬محيطهم‭ ‬المعاصر‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬الأجيال‭ ‬اللاحقة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الإسهام‭ ‬الذي‭ ‬قدموه‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬التشريعات‭ ‬وتوجيه‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬عاشوا‭ ‬فيها‭. ‬كما‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬استغرقه‭ ‬ظهور‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬وانتشاره،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬فعّال‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬عصرهم‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬التي‭ ‬تلتهم،‭ ‬وكذلك‭ ‬مقدار‭ ‬الإلهام‭ ‬الذي‭ ‬قدموه‭ ‬لباحثين‭ ‬آخرين‭ ‬تبنوا‭ ‬أفكارهم‭ ‬وطوروها‭ ‬ضمن‭ ‬مدارس‭ ‬فكرية‭ ‬لاحقة‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬مجتمعة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الباحث‭ ‬الناجح‭ ‬وغيره‭.‬
وبصياغة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬أفكارهم‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬السياسة‭ ‬والتشريع‭ ‬والحركات‭ ‬الفكرية،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفكرية‭ ‬ذاتها‭. ‬ويركز‭ ‬مؤرخ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أولاً‭ ‬على‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الفعلي،‭ ‬بينما‭ ‬يوجه‭ ‬مؤرخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬اهتمامه‭ ‬إلى‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مسار‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭ ‬اللاحقة‭. ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬الباحثون‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الواقع‭ ‬بين‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬أيضًا،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزهم‭: ‬آدم‭ ‬سميث،‭ ‬وديفيد‭ ‬ريكاردو،‭ ‬وجون‭ ‬ستيوارت‭ ‬ميل،‭ ‬وكارل‭ ‬ماركس‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬تميزوا‭ ‬بقدرات‭ ‬تحليلية‭ ‬وفكرية‭ ‬عالية،‭ ‬لكن‭ ‬تأثيرهم‭ ‬كان‭ ‬محدودًا‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬والتشريعات‭ ‬والحركات،‭ ‬ومن‭ ‬بينهم‭: ‬جيفونز،‭ ‬ومنجر،‭ ‬ووالراس،‭ ‬وويزر،‭ ‬وبوم‭ ‬باويرك‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الباحثين‭ ‬من‭ ‬الفئة‭ ‬الأولى‭ ‬باعتبارهم‭ ‬الأهم‭ ‬والأعظم‭ ‬تأثيرًا،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أفكارهم‭ ‬كانت‭ ‬أوسع‭ ‬انتشارًا‭ ‬وأكثر‭ ‬دوامًا،‭ ‬مما‭ ‬منحهم‭ ‬مكانة‭ ‬الصدارة‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭.‬

تقييم‭ ‬الفكر

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬المؤرخين‭ ‬لم‭ ‬يغفلوا‭ ‬إسهامات‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يحظوا‭ ‬بالشهرة‭ ‬الكافية‭ ‬في‭ ‬زمنهم،‭ ‬بل‭ ‬أعادوا‭ ‬إليهم‭ ‬الاعتبار‭ ‬لاحقًا‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هؤلاء‭ ‬ريتشارد‭ ‬كانتيلون،‭ ‬الذي‭ ‬ألّف‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬بحث‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬التجارة‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1755،‭ ‬والذي‭ ‬يُعد‭ ‬عملًا‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬نظرية‭ ‬كبيرة‭ ‬وأفكارًا‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬عصره‭. ‬فقد‭ ‬تناول‭ ‬قضايا‭ ‬اقتصادية‭ ‬سبق‭ ‬بها‭ ‬آدم‭ ‬سميث‭ ‬في‭ ‬‮«‬ثروة‭ ‬الأمم‮»‬،‭ ‬وتميزت‭ ‬آراؤه‭ ‬بالتماسك‭ ‬والعمق‭ ‬والقوة‭. ‬وقد‭ ‬اعتبره‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين،‭ ‬مثل‭ ‬جيفونز،‭ ‬المؤسس‭ ‬الحقيقي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬السياسي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬كتابه‭ ‬النجاح‭ ‬أو‭ ‬الشهرة‭ ‬في‭ ‬وقته،‭ ‬وبقي‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬المدرسة‭ ‬الطبيعية‭ (‬الفيزيوقراطية‭) ‬وأفكار‭ ‬آدم‭ ‬سميث‭ ‬ومالتوس‭.‬
كما‭ ‬تأثر‭ ‬به‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المفكرين‭ ‬مثل‭ ‬كونديلاك‭ ‬وميرابو‭ ‬وتورغو‭ ‬وآدم‭ ‬سميث،‭ ‬الذين‭ ‬استفادوا‭ ‬من‭ ‬أفكاره،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬شهرته‭ ‬تراجعت‭ ‬لاحقًا‭ ‬مع‭ ‬بروز‭ ‬اسم‭ ‬آدم‭ ‬سميث،‭ ‬حتى‭ ‬كاد‭ ‬اسمه‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬صفحات‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬القارئ‭ ‬المعاصر‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬العميقة‭ ‬والمثيرة‭ ‬للاهتمام‭.‬

الفرويدية‭ ‬الاجتماعية

أغفل‭ ‬بعض‭ ‬دارسي‭ ‬النظرية‭ ‬المادية‭ ‬للتاريخ‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬المرتبطة‭ ‬بنشأتها‭ ‬الفكرية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬جذورها‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬طُرحت‭ ‬فيه‭ ‬أفكار‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مؤلفه‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1859‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬وجّه‭ ‬ماركس‭ ‬نقدًا‭ ‬حادًا‭ ‬لعلم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي،‭ ‬معتبراً‭ ‬إياه‭ ‬علمًا‭ ‬يعكس‭ ‬مصالح‭ ‬الطبقة‭ ‬البرجوازية‭ ‬ويخدم‭ ‬منظومة‭ ‬طبقية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬القوة‭ ‬والمصلحة‭.‬
وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬المؤثرين‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬آنذاك‭ ‬يقودون‭ ‬تيارًا‭ ‬معارضًا‭ ‬للتشريعات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الناشئة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتحديد‭ ‬ساعات‭ ‬العمل،‭ ‬إذ‭ ‬رأوا‭ ‬أن‭ ‬تقنين‭ ‬العمل‭ ‬يضر‭ ‬بالصناعة‭ ‬ويضعف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الأرباح‭ ‬تتحقق‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬العملي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التباينات‭ ‬الفكرية‭ ‬حول‭ ‬التشريع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬إنجلترا،‭ ‬كما‭ ‬عكستها‭ ‬التقارير‭ ‬والكتب‭ ‬الرسمية،‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬تصورات‭ ‬ماركس‭ ‬حول‭ ‬فائض‭ ‬القيمة‭ ‬بنوعيه‭: ‬المطلق‭ ‬والنسبي،‭ ‬حيث‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬حول‭ ‬وقت‭ ‬العمل‭ ‬يمثل‭ ‬جوهر‭ ‬الصراع‭ ‬الطبقي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭.‬
البنية‭ ‬الفوقية

وقد‭ ‬اتهم‭ ‬ماركس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬علمًا‭ ‬محايدًا،‭ ‬بل‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬طبقية‭ ‬محددة‭. ‬ووسع‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬ليشمل‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬كله،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ ‬والأدب‭ ‬والقانون‭ ‬والأفكار‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬“بنية‭ ‬فوقية”‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬مادي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬وعلاقاتها‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ماركس‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬أصحاب‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يخدعون‭ ‬الآخرين‭ ‬عمدًا،‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬خاضعون‭ ‬لوعي‭ ‬زائف‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬موقعهم‭ ‬الطبقي،‭ ‬بحيث‭ ‬تبدو‭ ‬أفكارهم‭ ‬لهم‭ ‬موضوعية‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬انعكاس‭ ‬لمصالح‭ ‬غير‭ ‬مدركة‭.‬
وهكذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬سُمي‭ ‬لاحقًا‭ ‬بـ«الفرويدية‭ ‬الاجتماعية‮»‬‭ ‬سبق‭ ‬فرويد‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الفكرة،‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬“الداروينية‭ ‬الاجتماعية”‭ ‬داروين،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬تفسير‭ ‬السلوك‭ ‬الفكري‭ ‬والاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دوافع‭ ‬غير‭ ‬واعية‭ ‬كان‭ ‬حاضرًا‭ ‬بشكل‭ ‬مبكر‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬الماركسي‭.‬
الوعي‭ ‬الخفي

إن‭ ‬النظرية‭ ‬المادية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للتاريخ،‭ ‬التي‭ ‬تُرجع‭ ‬البنى‭ ‬الفكرية‭ ‬إلى‭ ‬أساس‭ ‬اقتصادي،‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تحديدًا،‭ ‬وهو‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬انطلقت‭ ‬منه‭ ‬أطروحات‭ ‬ماركس‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تعميم‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الفكر،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الفني،‭ ‬يبقى‭ ‬محل‭ ‬نقاش،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأكثر‭ ‬قابلية‭ ‬لهذا‭ ‬التفسير‭.‬
فالأفكار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬انعكاسًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للظروف‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬تبريرًا‭ ‬لسياسات‭ ‬قائمة،‭ ‬أو‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬مصالح‭ ‬قائمة،‭ ‬أو‭ ‬دعوة‭ ‬لتغيير‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬لكل‭ ‬نظرية‭ ‬جانبًا‭ ‬ظاهرًا‭ ‬واعيًا،‭ ‬وآخر‭ ‬خفيًا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬أعمق‭ ‬لاكتشافه‭.‬
وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المدارس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مثل‭ ‬مدرسة‭ ‬المنفعة‭ ‬الحدية،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنشأ‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬فروض‭ ‬تحليلية‭ ‬صريحة،‭ ‬بل‭ ‬تأثرت‭ ‬أيضًا‭ ‬بخلفيات‭ ‬فلسفية‭ ‬عامة‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬تعكس‭ ‬تصورًا‭ ‬أوسع‭ ‬للحياة‭ ‬والحرية‭ ‬والاختيار‭.‬
اللاوعي‭ ‬الجمعي

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يمكن‭ ‬تطبيق‭ ‬فكرة‭ ‬“شبه‭ ‬الوعي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجمعي”،‭ ‬حيث‭ ‬تختبئ‭ ‬خلف‭ ‬الأفكار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬طبقات‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭ ‬من‭ ‬الدوافع‭ ‬والتصورات‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬النظرية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬معلنة‭.‬
فكما‭ ‬أن‭ ‬أرسطو‭ ‬عندما‭ ‬دافع‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬الاسترقاق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالضرورة‭ ‬واعيًا‭ ‬بكل‭ ‬الافتراضات‭ ‬التي‭ ‬بني‭ ‬عليها‭ ‬تصوره،‭ ‬فإن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬المحدثين‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬كل‭ ‬الخلفيات‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬نظرياتهم‭.‬
ويشبه‭ ‬ذلك‭ ‬تشبيه‭ ‬جبل‭ ‬الجليد،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬إلا‭ ‬الجزء‭ ‬الظاهر‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الماء،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬الكتلة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬العمق‭. ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬النظريات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬يتطلب‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬ظاهرها،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬بنيتها‭ ‬المنطقية‭ ‬فقط‭.‬

العقل‭ ‬الاقتصادي

وفي‭ ‬سياق‭ ‬مختلف،‭ ‬يطرح‭ ‬ألفرد‭ ‬مارشال‭ ‬تساؤلًا‭ ‬حول‭ ‬نوع‭ ‬العقول‭ ‬التي‭ ‬تنجذب‭ ‬إلى‭ ‬الدراسات‭ ‬الاقتصادية‭: ‬هل‭ ‬هي‭ ‬العقول‭ ‬الكبيرة‭ ‬أم‭ ‬المتوسطة‭ ‬أم‭ ‬الصغيرة؟
وقد‭ ‬لاحظ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬مؤرخي‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أن‭ ‬الفلاسفة‭ ‬اليونان،‭ ‬رغم‭ ‬عمق‭ ‬تفكيرهم،‭ ‬لم‭ ‬يولوا‭ ‬اهتمامًا‭ ‬واضحًا‭ ‬بالمسائل‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الرومان‭ ‬الذين‭ ‬ركزوا‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬والتجريد‭ ‬الفكري‭ ‬دون‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الظواهر‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ويرى‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬موضوع‭ ‬الثروة‭ ‬والعمل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬آنذاك‭ ‬كموضوع‭ ‬فلسفي‭ ‬مركزي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يُعتبر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬نشاطًا‭ ‬أقل‭ ‬شأنًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬محلًا‭ ‬للتأمل‭ ‬النظري،‭ ‬مما‭ ‬أبعده‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترات‭.‬

رجوع لأعلى