البورصة تتحدى التصعيد… والسيولة تنتصر
أنهت بورصة الكويت أولى جلسات الأسبوع على أداء متباين، في مشهد يعكس قدرة السوق على امتصاص المتغيرات الإقليمية واستيعاب المستجدات الأمنية دون الدخول في موجة بيع واسعة أو فقدان للسيولة، وذلك بعد إعلان وزارة الدفاع نجاح القوات المسلحة في التصدي لأهداف جوية معادية داخل المجال الجوي الكويتي.
ورغم حساسية التطورات الأمنية وتأثيرها التقليدي على معنويات المستثمرين، فإن التداولات أظهرت استمرار النشاط بصورة طبيعية، مع ميل واضح نحو الانتقائية في اختيار الأسهم، خصوصاً في السوق الرئيسي، وهو ما انعكس على أداء المؤشرات التي أنهت الجلسة باتجاهات متباينة.
جني أرباح
وتراجع مؤشر السوق الأول بنسبة 0.10 %، متأثراً بعمليات جني أرباح محدودة على عدد من الأسهم القيادية، في حين تمكن المؤشر العام من تحقيق ارتفاع نسبته 0.15 %، مدعوماً بالأداء القوي لأسهم السوق الرئيسي.
وسجل مؤشر السوق الرئيسي مكاسب بلغت 1.33 %، فيما قفز مؤشر الرئيسي 50 بنسبة 1.68 %، ليؤكد استمرار انتقال جزء من السيولة نحو الأسهم المتوسطة والصغيرة التي استحوذت على جانب مهم من اهتمام المستثمرين خلال الجلسة.
ويشير هذا الأداء إلى أن السوق لم يتعامل مع التطورات الأمنية بمنطق الذعر، وإنما اتجه المستثمرون إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية وفق معايير انتقائية، مع استمرار الرهان على الأسهم التي تمتلك محفزات تشغيلية أو تشهد نشاطاً مضاربياً واضحاً.
سيولة قوية رغم التوتر
بلغت قيمة التداولات خلال الجلسة نحو 60.18 مليون دينار، تم تداولها من خلال 271.11 مليون سهم، عبر تنفيذ 15.98 ألف صفقة، وهي مستويات تؤكد استمرار النشاط في السوق وعدم تأثر حركة التداول بصورة كبيرة بالتطورات الأمنية.
وتبرز هذه الأرقام أن السيولة لم تغادر السوق، بل استمرت في التحرك بين القطاعات والأسهم المختلفة، وهو ما يعكس وجود قناعة لدى شريحة واسعة من المستثمرين بأن السوق ما زال يحتفظ بجاذبيته الاستثمارية رغم التحديات الإقليمية.
كما أن استمرار تنفيذ ما يقارب 16 ألف صفقة خلال الجلسة يعكس اتساع قاعدة المتعاملين، سواء من المستثمرين أو المضاربين، وهو ما حافظ على مستويات جيدة من النشاط والسيولة.
السوق الرئيسي
كان السوق الرئيسي صاحب الأداء الأفضل خلال الجلسة، بعدما سجل أعلى معدلات النمو بين المؤشرات، مستفيداً من النشاط الملحوظ على عدد من الأسهم التي استقطبت اهتمام المستثمرين.
ويعكس هذا الأداء استمرار تحول جزء من السيولة نحو الأسهم التي توفر فرص نمو أكبر مقارنة بالأسهم القيادية، خاصة في ظل تراجع وتيرة المكاسب التي حققتها بعض شركات السوق الأول خلال الفترات الماضية.
كما ساهم النشاط المضاربي في تعزيز حركة التداول على العديد من أسهم السوق الرئيسي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أداء المؤشرات.
القطاعات الرابحة
شهدت الجلسة ارتفاع تسعة قطاعات مقابل تراجع أربعة فقط، وهو ما يعكس اتساع نطاق المكاسب وعدم اقتصـارها على قطـاع أو سهم بعينه.
وتصدر قطاع الرعاية الصحية قائمة القطاعات الأكثر ارتفاعاً بعدما سجل مكاسب بلغت 7.80 %، في إشارة إلى الأداء القوي الذي حققته أسهم القطاع خلال الجلسة.
في المقابل، جاء قطاع المواد الأساسية على رأس القطاعات المتراجعة بانخفاض بلغ 3.15 %، نتيجة الضغوط البيعية التي تعرض لها عدد من أسهمه.
ويؤكد هذا التباين استمرار حالة الانتقائية في السوق، حيث تتجه السيولة إلى القطاعات والأسهم التي تمتلك فرصاً أفضل لتحقيق المكاسب.
أسهم رابحة
على مستوى الأسهم، ارتفع سعر 66 سهماً مقابل تراجع 45 سهماً، فيما استقرت أسعار 18 سهماً دون تغيير.
وتصدر سهم مدينة الأعمال قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً بعد صعوده بنسبة 11.31 %، مستفيداً من الطلبات الشرائية التي دفعته إلى تسجيل أكبر مكاسب سعرية خلال الجلسة.
في المقابل، جاء سهم بوبيان للبتروكيماويات في صدارة الأسهم المتراجعة بعدما فقد 5.93 % من قيمته، نتيجة عمليات بيع وجني أرباح.
ويعكس هذا الأداء استمرار التفاوت في حركة الأسهم وفقاً لعوامل العرض والطلب، إضافة إلى اختلاف توجهات المستثمرين بين الأسهم القيادية والمتوسطة.
المستثمرون أكثر هدوءاً
أظهرت تعاملات الجلسة أن المستثمرين تعاملوا مع التطورات الأمنية بدرجة كبيرة من الهدوء، إذ لم تشهد السوق موجة بيع جماعية، كما لم تظهر عمليات تخارج واسعة من الأسهم.
ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس ارتفاع مستوى الوعي الاستثماري لدى المتعاملين، الذين باتوا يميزون بين التأثيرات المؤقتة للأحداث السياسية والعوامل الأساسية التي تحدد القيمة الحقيقية للشركات.
كما أن استقرار النشاط والسيولة يؤكد أن السوق أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الأخبار المفاجئة مقارنة بما كان عليه في فترات سابقة.
نتائج الشركات
ورغم الاهتمام الكبير بالتطورات الإقليمية، فإن نتائج الشركات المالية تبقى العامل الأكثر تأثيراً في اتجاهات السوق خلال المرحلة المقبلة.
فمع اقتراب موسم الإفصاحات، يترقب المستثمرون نتائج النصف الأول من العام، والتي ستحدد بصورة كبيرة توجهات السيولة بين الأسهم والقطاعات المختلفة.
وتشير التوقعات إلى أن الشركات التي ستعلن عن نمو في الأرباح أو توزيعات مجزية ستكون الأكثر قدرة على جذب السيولة خلال الفترة المقبلة.
المرحلة المقبلة
يتوقع محللون أن تستمر حالة التذبذب في المدى القصير مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب للتطورات الإقليمية، إلا أن استمرار السيولة عند مستويات جيدة قد يدعم قدرة السوق على الحفاظ على تماسكه.
كما أن نجاح السوق في تجاوز جلسة شهدت تطورات أمنية حساسة دون خسائر كبيرة في المؤشرات أو السيولة يعد مؤشراً إيجابياً على قوة السوق وقدرته على استيعاب المتغيرات.
ويبقى الأداء المستقبلي مرهوناً بعدة عوامل، أبرزها نتائج الشركات، وحركة أسعار النفط، ومستوى السيولة، إضافة إلى تطورات المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
وبعثت جلسة الأحد برسالة واضحة مفادها أن بورصة الكويت باتت أكثر نضجاً في التعامل مع الأحداث الطارئة، وأن المستثمرين أصبحوا أكثر ميلاً لاتخاذ قرارات مبنية على أسس اقتصادية ومالية، بدلاً من ردود الفعل العاطفية، وهو ما انعكس في استمرار التداولات النشطة، وتماسك السيولة، واتساع قاعدة الأسهم والقطاعات الرابحة رغم حساسية المشهد الإقليمي.