البيتكوين تتماسك فوق 60 ألفاً رغم الضغوط
شهدت سوق العملات المشفرة تحسناً نسبياً في ختام تعاملات الجمعة، بعدما نجحت العملات الرقمية الكبرى في تعويض جزء من خسائرها الأخيرة، مدعومة بعمليات شراء انتقائية، رغم استمرار الضغوط التي فرضتها التطورات في أسواق الأسهم العالمية، ولا سيما أسهم شركات الرقائق، إلى جانب تزايد المخاوف من تأجيل الطرح العام الأولي لشركة «أوبن إيه آي»، وهو ما حد من شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
ورغم الأداء الإيجابي في جلسة الجمعة، فإن المكاسب اليومية لم تكن كافية لمحو الخسائر التي تكبدتها العملات المشفرة منذ بداية الأسبوع، في ظل استمرار حالة الحذر التي تسيطر على المتعاملين مع ترقبهم لمزيد من المؤشرات الاقتصادية الأميركية وقرارات السياسة النقدية، والتي تلعب دوراً محورياً في تحديد اتجاهات الاستثمار في الأسواق المالية.
مكاسب يومية
ارتفعت البيتكوين، أكبر عملة مشفرة من حيث القيمة السوقية، بنسبة 1.68 % لتصل إلى 60174 دولاراً، محققة مكاسب بلغت 992 دولاراً خلال تعاملات الجمعة، لتنجح في الحفاظ على تداولها فوق الحاجز النفسي البالغ 60 ألف دولار.
كما ارتفعت الإيثريوم، ثاني أكبر العملات المشفرة، بنسبة 0.92 % لتسجل 1571.61 دولار، فيما صعدت الريبل بنسبة 0.85 % إلى 1.0397 دولار، في إشارة إلى تحسن محدود في أداء السوق بعد عدة جلسات من الضغوط البيعية.
ويرى متعاملون أن هذه المكاسب جاءت مدفوعة بعمليات شراء عند مستويات سعرية منخفضة، بعدما اعتبر بعض المستثمرين أن التراجعات الأخيرة وفرت فرصاً مناسبة للدخول مجدداً إلى السوق.
خسائر أسبوعية
وعلى الرغم من الارتفاع اليومي، لا تزال البيتكوين منخفضة بأكثر من 4% منذ بداية الأسبوع، ما يعكس استمرار الضغوط على سوق العملات المشفرة نتيجة تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.
وتعرضت السوق خلال الأيام الماضية لموجة بيع متأثرة بتراجع أداء الأصول عالية المخاطر عالمياً، وهو ما دفع العديد من المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في العملات الرقمية والاتجاه نحو أصول أكثر استقراراً، مثل الدولار والسندات الحكومية.
ويؤكد محللون أن استمرار التقلبات الأسبوعية يعكس حالة عدم اليقين التي تحيط بالأسواق العالمية، في ظل استمرار تأثير السياسة النقدية الأميركية، وتراجع التوقعات بشأن خفض أسعار الفائدة خلال الفترة القريبة.
أسهم الرقائق
وجاء أحد أبرز عوامل الضغط على سوق العملات المشفرة من التراجعات التي شهدتها أسهم كبرى شركات صناعة الرقائق الإلكترونية، والتي تعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالاستثمارات التقنية والذكاء الاصطناعي.
وأدى تجدد عمليات البيع في هذه الأسهم إلى تراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر المرتفعة، بما في ذلك العملات المشفرة، التي غالباً ما تتحرك بالتوازي مع قطاع التكنولوجيا، خصوصاً خلال فترات اضطراب الأسواق.
ويرى محللون أن استمرار ضعف أسهم التكنولوجيا قد يحد من قدرة العملات الرقمية على تحقيق مكاسب قوية، خاصة إذا استمرت عمليات جني الأرباح في الأسواق العالمية.
أوبن إيه آي
كما ساهمت التقارير التي تحدثت عن احتمال تأجيل الطرح العام الأولي لشركة «أوبن إيه آي» في زيادة حالة الحذر داخل الأسواق، إذ ينظر المستثمرون إلى الشركة باعتبارها أحد أبرز رموز الطفرة الحالية في قطاع الذكاء الاصطناعي.
وأثار احتمال تأجيل الطرح مخاوف من تباطؤ الزخم الذي يشهده القطاع، وهو ما انعكس على معنويات المستثمرين في شركات التكنولوجيا والعملات المشفرة، نظراً للعلاقة الوثيقة بين شهية الاستثمار في التكنولوجيا والأصول الرقمية.
ويرى خبراء أن أي تطورات تتعلق بالشركات الكبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في حركة الأسواق المالية، بعدما تحول القطاع إلى أحد المحركات الرئيسية للاستثمارات العالمية.
ترقب الأسواق
وتتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى البيانات الاقتصادية الأميركية، وفي مقدمتها مؤشرات التضخم وسوق العمل، إضافة إلى تصريحات مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بحثاً عن إشارات جديدة بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
ويرى محللون أن استمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد على السندات قد يبقيان العملات المشفرة تحت الضغط، بينما قد يمنح أي تحول نحو سياسة نقدية أقل تشدداً فرصة لعودة الزخم إلى السوق.
وفي المجمل، تؤكد تحركات الجمعة أن سوق العملات المشفرة لا تزال قادرة على التعافي من موجات البيع، لكنها تبقى شديدة الحساسية للتطورات الاقتصادية وأسواق التكنولوجيا، وهو ما يرجح استمرار التقلبات خلال الفترة المقبلة إلى حين اتضاح مسار السياسة النقدية العالمية.
ارتباط بالأسهم
شهدت العملات المشفرة خلال العامين الأخيرين تغيراً واضحاً في طبيعة تحركاتها، إذ أصبحت أكثر ارتباطاً بأداء أسواق الأسهم، ولا سيما أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بعدما كانت تتحرك في السابق بصورة أكثر استقلالية.
ويفسر خبراء هذا الارتباط بدخول المؤسسات الاستثمارية الكبرى إلى سوق العملات الرقمية، إذ باتت تنظر إلى البيتكوين والإيثريوم باعتبارهما جزءاً من فئة الأصول عالية المخاطر، إلى جانب أسهم التكنولوجيا، وليس كبديل كامل للنظام المالي التقليدي.
ولهذا السبب، فإن أي موجة بيع في أسواق الأسهم الأميركية، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا، تنتقل سريعاً إلى سوق العملات المشفرة، وهو ما حدث خلال الأسبوع الحالي مع تجدد الضغوط على أسهم شركات الرقائق.
ويرى محللون أن استمرار هذا الارتباط يعني أن أداء العملات الرقمية سيظل مرتبطاً بالتطورات الاقتصادية العالمية، وليس فقط بالأخبار الخاصة بقطاع التشفير.
شهية المخاطرة
وتراجعت شهية المستثمرين تجاه الأصول مرتفعة المخاطر خلال الأسبوع الجاري، نتيجة ارتفاع حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهو ما دفع الكثير من مديري المحافظ الاستثمارية إلى تقليص تعرضهم للعملات الرقمية.
ويفضل المستثمرون خلال الفترات التي ترتفع فيها التقلبات الاحتفاظ بجزء أكبر من السيولة أو الاستثمار في أدوات أكثر أماناً مثل الدولار الأميركي والسندات الحكومية، وهو ما ينعكس مباشرة على العملات المشفرة.
ورغم ذلك، يرى مختصون أن احتفاظ البيتكوين بمستويات أعلى من 60 ألف دولار يعد مؤشراً على استمرار وجود طلب استثماري قوي عند مستويات الأسعار الحالية، وأن السوق ما زالت تتمتع بقدر من التماسك رغم موجات البيع.
دعم مؤسسي
ويستمر اهتمام المؤسسات المالية الكبرى بسوق الأصول الرقمية، إذ تواصل صناديق الاستثمار وشركات إدارة الأصول توسيع منتجاتها المرتبطة بالبيتكوين والعملات المشفرة، في ظل تنامي الطلب من المستثمرين الأفراد والمؤسسات.
ويرى خبراء أن هذا الدعم المؤسسي يمثل أحد أهم الفوارق بين الدورة الحالية والدورات السابقة، إذ أصبح السوق أكثر عمقاً وأكثر قدرة على امتصاص عمليات البيع، مقارنة بما كان عليه قبل سنوات.
كما ساهمت المنتجات الاستثمارية الجديدة، مثل الصناديق المتداولة المرتبطة بالبيتكوين، في جذب شرائح جديدة من المستثمرين، ما وفر سيولة إضافية خففت من حدة التقلبات.