التجارة : 98 % من الكيانات سجلت المستفيد الفعلي
أكدت وكيل وزارة التجارة والصناعة بالتكليف مروة بداح الجعيدان أن المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 في شأن مكافحة التستر التجاري يأتي امتداداً لمسيرة تشريعية بدأت بالمادة 23 من قانون التجارة الصادر بالمرسوم بالقانون رقم 68 لسنة 1980، مشيرة إلى أن تطور بيئة الأعمال وتعدد صور الممارسات الاقتصادية فرض الحاجة إلى إطار قانوني متكامل يتعامل مباشرة مع حالات تمكين الغير من ممارسة نشاط اقتصادي بالمخالفة للقانون.
وقالت الجعيدان، في كلمة خلال ندوة «المستفيد الفعلي ومكافحة التستر التجاري» التي استضافتها غرفة تجارة وصناعة الكويت، إن القانون يتعامل كذلك مع استخدام الرخص والسجلات والأسماء التجارية كغطاء قانوني، أو الالتفاف على نسب الملكية المقررة قانوناً، مؤكدة أن القضية ترتبط بصورة مباشرة بسلامة البيئة التجارية والاقتصادية في الكويت، والجهود الوطنية الهادفة إلى تعزيز الشفافية وحماية السوق ودعم نزاهة التعاملات التجارية.
وأوضحت أن مكافحة التستر التجاري ترتبط بالمنظومة الوطنية الأوسع لمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إذ إن إخفاء الشخص الحقيقي الذي يملك النشاط الاقتصادي أو يسيطر عليه أو ينتفع منه قد يتيح استخدام الشركات والكيانات القانونية في غير الأغراض المخصصة لها، سواء عبر إخفاء الملكية الحقيقية أو تمرير الأموال أو إبعاد النشاط الفعلي عن الرقابة القانونية والرقابية.
من التسجيل إلى التدقيق
وأشارت الجعيدان إلى أن الكويت عملت خلال السنوات الماضية على تطوير منظومة المستفيد الفعلي باعتبارها من أهم الأدوات المستخدمة في مواجهة توظيف الشكل القانوني للكيانات في غير الغرض المخصص له، موضحة أن المنظومة انتقلت من مرحلة التسجيل والإفصاح إلى مرحلة الإنفاذ والتحقق والتدقيق في صحة البيانات.
وبينت أن المنظومة تستهدف إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للمستفيدين الفعليين، ومنع استخدام الكيان كستار لإخفاء الملكية أو السيطرة النهائية، فضلاً عن تمكين الجهات المختصة من الوصول عند الحاجة إلى معلومات كافية ودقيقة ومحدثة.
وكشفت أن نسبة تسجيل المستفيد الفعلي لدى الكيانات المستهدفة تجاوزت 98 %، في تقدم ملموس تحقق نتيجة حملات التوعية، وتطوير الأنظمة الإلكترونية، وربط الخدمات، ورفع مستوى الامتثال، بالتوازي مع الانتقال التدريجي من مرحلة التوعية إلى الإنفاذ والتحقق.
وأكدت أن هذه الخطوات تأتي في إطار التزام الكويت بتعزيز منظومتها الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبما يتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي «FATF»، خصوصاً المتطلبات المرتبطة بشفافية الأشخاص الاعتباريين وتحديد المستفيد الفعلي.
وأضافت أن نتائج عمليات التقييم الدولي أكدت أهمية تجاوز مرحلة وجود التشريع إلى إثبات فعاليته على أرض الواقع، من خلال جودة البيانات وسرعة الوصول إليها، وتبادل المعلومات بين الجهات، والقدرة على اكتشاف أي استخدام غير مشروع للكيانات القانونية.
منظومتان متكاملتان
وأكدت الجعيدان أن منظومة المستفيد الفعلي وقانون مكافحة التستر التجاري يكمل أحدهما الآخر، إذ تكشف بيانات المستفيد الفعلي الشخص الحقيقي الذي يملك الكيان أو يسيطر عليه، بينما يتولى قانون مكافحة التستر تحديد ما إذا كانت هذه الملكية أو السيطرة أو الممارسة قد استخدمت بصورة مخالفة للقانون.
وأشارت إلى أن القانون يدعم منظومة مكافحة غسل الأموال عبر تضييق نطاق الأنشطة التي تمارس خارج أطرها القانونية، ويجعل استخدام الرخص أو الشركات أو الأسماء التجارية كواجهة لإخفاء الممارس الحقيقي للنشاط أو المستفيد منه أكثر صعوبة.
وشددت على أهمية التمييز بين المخالفة التجارية وجريمة غسل الأموال، وكذلك بين المستفيد الفعلي الذي يتم الإفصاح عنه بصورة منتظمة وبين من يتعمد إخفاءه، موضحة أن الهدف يتمثل في بناء الثقة على أساس المعرفة الواضحة، وضمان وصول الجهات المختصة إلى الحقيقة عند الحاجة، وإرساء المنافسة القائمة على الكفاءة.
حماية التاجر الملتزم
وقالت الجعيدان إن التاجر الملتزم يأتي في مقدمة المستفيدين من تطبيق المنظومة، إذ إن من يستخرج الترخيص بصفته الحقيقية، ويسجل بياناته بصورة دقيقة، ويلتزم بممارسة النشاط في الحدود المرخصة له، كان يواجه منافسة غير متكافئة من أنشطة تعمل خارج الإطار القانوني ولا تتحمل الكلفة نفسها.
وأضافت أن ضبط تلك الممارسات يحقق الإنصاف للتاجر الملتزم ويعيد المنافسة إلى أساسها الصحيح القائم على جودة السلعة والخدمة.
ولفتت إلى أن وضوح هيكل الملكية والسيطرة يسهل الوصول إلى التمويل المصرفي، كما يعزز قدرة الشركات الكويتية على الدخول في شراكات إقليمية ودولية تشترط معرفة المستفيد الفعلي.
وأكدت أن السجل الواضح أصبح «أصلاً من أصول المنشأة» وأحد عناصر سمعتها التجارية، بدلاً من اعتباره عبئاً إدارياً، مشددة على أن المستهدف هو تحويل الامتثال إلى ميزة تكتسبها المنشأة وليس مجرد كلفة تتحملها.
المسؤولية الفردية
وأوضحت الجعيدان أن المسؤولية تمثل الركيزة الثالثة في المنظومة، باعتبارها العنصر الذي يحول القواعد والتشريعات من مجرد نصوص إلى ممارسة فعلية.
وأكدت أن الرسالة الأساسية تتمثل في ضرورة وضوح صفة صاحب النشاط، ومعرفة الممارس الفعلي، وتحديد المستفيد الحقيقي، إلى جانب ممارسة الأنشطة من خلال التراخيص والكيانات القانونية الصحيحة.
«الغرفة»: اهتمام استثنائي بالقانون
من جانبه، قال المدير العام المساعد لغرفة تجارة وصناعة الكويت عماد الزيد إن المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 بشأن مكافحة التستر التجاري حظي باهتمام استثنائي من المختصين في المجالات الاقتصادية والقانونية، وكذلك من المواطنين والمقيمين، وهو ما انعكس في الدراسات والمقالات والندوات والنقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضاف الزيد أن هذا الاهتمام يعكس أهمية التشريع وارتباطه المباشر بمصالح شريحة واسعة من أصحاب المشاريع الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يضع على المشرع مسؤولية موازية تتمثل في الإحاطة بمختلف جوانب التستر التجاري وأبعاده وآثاره الاقتصادية والمجتمعية.
وأعرب عن تقدير الغرفة للجهات والجهود التي أسهمت في الزخم العلمي والإعلامي المصاحب لصدور القانون، لافتاً إلى أهمية مشاركة وزارة التجارة والصناعة في الندوة باعتبارها الجهة التي تقف وراء التشريع وتقع عليها بالدرجة الأولى مسؤولية إنفاذه، فضلاً عن كونها الأقدر على تفسير مواده وتوضيح آلياته والإجابة عن التساؤلات المرتبطة به.
وأشار الزيد إلى أن الغرفة أجرت قبل عقد الندوة دراسة أولية لقانون مكافحة التستر التجاري لاستخلاص أبرز سماته، موضحاً أن الحوار خلال الندوة أكد إلى حد بعيد ما توصلت إليه الدراسة.
من الإبطال إلى التجريم
وقال الزيد إن صدور قانون مكافحة التستر التجاري جاء استجابة لحاجة ملحة فرضتها الفجوة التي تعمقت على مدى السنوات بين الملكية المعلنة والملكية الحقيقية المستقرة للمشاريع الاقتصادية.
وأضاف أن التشريع أحدث تحولاً في طريقة التعامل مع التستر التجاري، بنقله من مجرد الإبطال المدني إلى التجريم القضائي المدعوم بعقوبات حاسمة، إلى جانب استهدافه تعزيز قدرة الدولة على الرقابة والتمويل والتحصيل.
وفي المقابل، رأى الزيد أن القانون جاء «مقتصراً أكثر مما يجب» في مواده وصياغته وآلياته، وهو ما يجعل نجاح إنفاذه معتمداً إلى حد كبير على اللائحة التنفيذية.
وأبدى تحفظاً بشأن مدى قدرة اللائحة التنفيذية على تحمل هذا العبء، لاسيما أن القانون، وفق قوله، لم يذكرها ولم يحل إليها بصورة واضحة.
كما أشار إلى أن الغرفة كانت تتمنى منح المشاركين في ظاهرة التستر التجاري قبل صدور القانون فرصة كافية لتعديل أوضاعهم في ظل حماية واضحة من توقيع العقوبة عليهم، معرباً كذلك عن عدم رضا الغرفة عن المادة التاسعة المتعلقة بمكافأة المبلغين.
الشريك الصوري
بدوره، استعرض مدير إدارة مركز الكويت للأعمال في وزارة التجارة والصناعة عبدالله الحرز الإطار التشريعي والتنظيمي لمكافحة التستر التجاري ومنظومة المستفيد الفعلي، موضحاً أن المستهدف هو الوصول إلى سوق أكثر شفافية، ومنع إساءة استخدام الرخص والسجلات، وتحديد من يمارس النشاط فعلياً، والفصل بين الشراكة المشروعة والتستر التجاري.
وأوضح الحرز أن المحظور فعلياً يتمثل في ممارسة شخص نشاطاً اقتصادياً من دون أن يكون له الحق في الترخيص، أو بالمخالفة لحدود الترخيص، من خلال شخص آخر يمتلك الاسم التجاري أو الترخيص أو الموافقة أو السجل التجاري أو أي وسيلة أخرى تستخدم للتمكين.
وأكد أن ممارسة التجارة ليست حقاً مطلقاً، إذ تضع القوانين شروطاً لممارستها وتحظر على فئات معينة الاشتغال بالتجارة، مشيراً إلى أن المادة 23 من قانون التجارة وضعت القاعدة العامة لمشاركة غير الكويتي، فيما حددت المادة 25 حالات منع بعض الأشخاص من ممارسة التجارة.
واستعرض الحرز حالتين رئيسيتين، تتعلق الأولى بأن يكون النشاط محظوراً على شخص بسبب صدور حكم بحقه أو وجود مانع قانوني يمنعه من ممارسة التجارة، ثم يلجأ إلى استخدام رخصة شخص آخر لممارسة النشاط والحصول على عوائده.
أما الحالة الثانية فتتمثل في الالتفاف على قيود الملكية الأجنبية، بحيث تكون النسبة المسجلة للشريك الكويتي صورية، في حين تكون السيطرة والملكية الاقتصادية الفعلية للطرف الأجنبي.
وأكد الحرز أن القانون «لا يحارب الشريك الأجنبي، وإنما يحارب الشريك الصوري»، إذ ينصب البحث على تحديد ما إذا كانت نسب الملكية المسجلة تعكس الملكية الحقيقية بالفعل، أم أنها وضعت فقط للالتفاف على القيد القانوني.
حبس وغرامات
وأوضح الحرز أن العقوبات الأساسية المقررة في قانون مكافحة التستر التجاري تشمل الحبس لمدة تتراوح بين سنة و3 سنوات، وغرامة من 10 آلاف إلى 100 ألف دينار، أو ما يعادل قيمة الأرباح المتحصلة أيهما أكبر، أو إحدى هاتين العقوبتين.
وأشار إلى أن الغرامات تتعدد بتعدد الأشخاص أو الأنشطة المخالفة، مؤكداً أن الهدف من التشريع ليس تحصيل الغرامة في حد ذاتها، وإنما ترتيب أوضاع السوق وتصحيح الممارسات وتعزيز بيئة اقتصادية أكثر استقراراً وشفافية.