تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التضخم‭ ‬يسرق‭ ‬المدخرات‭ ‬بصمت

التضخم‭ ‬يسرق‭ ‬المدخرات‭ ‬بصمت

يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬الحسابات‭ ‬البنكية‭ ‬بهدوء،‭ ‬ويقتطع‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الأموال‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬ظاهرًا‭. ‬إنه‭ ‬التضخم،‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬سؤالًا‭ ‬ماليًا‭ ‬مهمًا‭: ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬الادخار‭ ‬وحده‭ ‬لحماية‭ ‬الثروة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬الأسعار‭ ‬وتتغير‭ ‬فيه‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة؟
هذا‭ ‬السؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬نظريًا،‭ ‬إذ‭ ‬تواجه‭ ‬الأسر‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬واقعًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬يجعل‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الادخار‭ ‬والإنفاق‭ ‬والاستثمار‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭. ‬فبينما‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقد‭ ‬يمثل‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬غير‭ ‬المستثمرة‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬

الادخار‭ ‬يتحدى‭ ‬التوقعات
بعد‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬توقع‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬تراجع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬البيانات‭ ‬أظهرت‭ ‬استمرار‭ ‬ميل‭ ‬الأسر‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬باحتياطيات‭ ‬مالية‭ ‬مرتفعة‭.‬
وأوضح‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأوروبي‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬ادخار‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬بلغ‭ ‬14‭.‬4‭% ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬المتاح‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المعدلات‭ ‬السائدة‭ ‬قبل‭ ‬الجائحة‭. ‬ويعزو‭ ‬البنك‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحسن‭ ‬الدخول‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭.‬
وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الادخار‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬مستقبلية‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬منزل‭ ‬أو‭ ‬تمويل‭ ‬التقاعد،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أداة‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

القوة‭ ‬الشرائية

خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬واجه‭ ‬الادخار‭ ‬النقدي‭ ‬تحديًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭.‬
ووفق‭ ‬بيانات‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية،‭ ‬ارتفع‭ ‬متوسط‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬بنحو‭ ‬36‭% ‬بنهاية‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬مقارنة‭ ‬بنهاية‭ ‬عام‭ ‬2019‭. ‬وبمعنى‭ ‬عملي،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬شراؤه‭ ‬بمئة‭ ‬دولار‭ ‬قبل‭ ‬الجائحة‭ ‬يحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬136‭ ‬دولارًا‭ ‬للحصول‭ ‬عليه‭.‬
وفي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية،‭ ‬كان‭ ‬التأثير‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬العملات‭ ‬المحلية‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭. ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬ضغوطًا‭ ‬مماثلة،‭ ‬حيث‭ ‬اضطرت‭ ‬أسر‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مدخراتها‭ ‬لمواجهة‭ ‬النفقات‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للدخول‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭ ‬

ورغم‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬فإن‭ ‬الدافع‭ ‬الأساسي‭ ‬للادخار‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬كثيرًا،‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭ ‬المالي‭ ‬والاستعداد‭ ‬للمستقبل‭.‬
ويشير‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأوروبي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بمستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬المدخرات‭. ‬كما‭ ‬تلعب‭ ‬التحولات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬ارتفاع‭ ‬متوسط‭ ‬الأعمار‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتمويل‭ ‬التقاعد‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭.‬
وفي‭ ‬الصين،‭ ‬تعكس‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوزت‭ ‬ودائع‭ ‬الأسر‭ ‬لدى‭ ‬البنوك‭ ‬160‭ ‬تريليون‭ ‬يوان،‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬22‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬رغم‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ويرى‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬المخاوف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والتعليم‭ ‬والتقاعد‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تدعم‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬الادخاري‭.‬

ركيزة‭ ‬للاستقرار‭ ‬الاقتصادي

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬الادخار‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بأكمله‭. ‬فالمدخرات‭ ‬تمثل‭ ‬مصدرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للتمويل‭ ‬والاستثمار،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭.‬
وأظهرت‭ ‬تجربة‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬أن‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬امتلكت‭ ‬احتياطيات‭ ‬مالية‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬فقدان‭ ‬الدخل‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأسر‭ ‬الأقل‭ ‬ادخارًا‭. ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬تحسن‭ ‬الدخول‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الادخار‭ ‬والإنفاق‭ ‬معًا،‭ ‬ما‭ ‬وفر‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬اتسمت‭ ‬بتقلبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واسعة‭.‬

تكامل‭ ‬لا‭ ‬تنافس

ومع‭ ‬الأداء‭ ‬القوي‭ ‬لبعض‭ ‬الأصول‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬يتكرر‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الاستثمار‭ ‬أصبح‭ ‬بديلًا‭ ‬للادخار‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬المقارنة‭ ‬بينهما‭ ‬غير‭ ‬دقيقة،‭ ‬لأن‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭ ‬وظيفة‭ ‬مختلفة‭.‬
فالادخار‭ ‬يوفر‭ ‬السيولة‭ ‬والأمان‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الطوارئ،‭ ‬بينما‭ ‬يهدف‭ ‬الاستثمار‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬وزيادة‭ ‬العوائد‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الخيارين‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر؛‭ ‬فالمستثمرون‭ ‬تعرضوا‭ ‬لخسائر‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬فقدت‭ ‬المدخرات‭ ‬النقدية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬بسبب‭ ‬التضخم‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬ومخاطر‭ ‬تباطؤ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬المالية‭ ‬للأسر‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الادخار‭ ‬وسيلة‭ ‬لتنمية‭ ‬الثروة‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها،‭ ‬فيما‭ ‬تتولى‭ ‬أدوات‭ ‬الاستثمار‭ ‬مهمة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬النمو‭ ‬والعائد‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتغير‭ ‬قواعده‭ ‬باستمرار‭.‬

رجوع لأعلى