التضخم يهزم بريق الذهب
التضخم يهزم بريق الذهب
تراجعت أسعار الذهب بأكثر من 1% خلال تعاملات الأربعاء، بعدما أعادت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلط أوراق الأسواق العالمية، إلا أن المعدن الأصفر لم يستفد هذه المرة من تصاعد المخاطر السياسية كما جرت العادة، إذ طغت المخاوف من عودة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة على جاذبية الذهب كملاذ آمن.
وجاءت الضغوط بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء اتفاق السلام المؤقت مع إيران، وهي تصريحات دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 5%، وأثارت مخاوف المستثمرين من موجة جديدة من التضخم العالمي قد تجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على تأجيل أي خفض مرتقب لأسعار الفائدة، الأمر الذي انعكس سريعاً على حركة الذهب وبقية المعادن النفيسة.
وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.02% إلى 4063.67 دولاراً للأونصة، بعدما سجل خلال الجلسة أدنى مستوياته منذ الثاني من يوليو، فيما هبطت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أغسطس بنسبة 1.97% إلى 4074.80 دولاراً للأونصة، وسط موجة بيع شملت معظم أسواق السلع والمعادن.
ويرى متعاملون أن رد فعل الذهب هذه المرة يعكس تغيراً واضحاً في طبيعة السوق، إذ أصبح المستثمرون ينظرون إلى انعكاسات الأحداث السياسية على التضخم والسياسة النقدية قبل النظر إلى الطلب التقليدي على الملاذات الآمنة، وهو ما أدى إلى تراجع المعدن الأصفر رغم ارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية.
ويؤكد خبراء أن الذهب يمر حالياً بمرحلة استثنائية تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع التطورات السياسية، الأمر الذي يجعل تحركاته أكثر تعقيداً مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما أصبح المستثمرون يوازنون بين المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها في أسعار الطاقة، وبين انعكاسات ذلك على قرارات البنوك المركزية.
النفط يقلب المعادلة
شكلت القفزة الحادة في أسعار النفط نقطة التحول الرئيسية في تعاملات الأسواق، إذ يرى المستثمرون أن استمرار ارتفاع الخام سيؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، وهو ما سينعكس تدريجياً على أسعار السلع والخدمات حول العالم.
ويخشى المستثمرون من أن تؤدي هذه التطورات إلى عودة الضغوط التضخمية التي بدأت تنحسر خلال الأشهر الماضية، وهو ما قد يجبر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، بدلاً من البدء في دورة تيسير نقدي كانت الأسواق تراهن عليها.
ويقول محللون إن الذهب غالباً ما يستفيد من الأزمات السياسية، لكنه يتعرض لضغوط عندما تتحول تلك الأزمات إلى مصدر للتضخم، لأن ارتفاع الفائدة يقلل من جاذبية المعدن الذي لا يحقق أي عائد لحائزيه.
كما أن ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى معظم الاقتصادات الكبرى، الأمر الذي يزيد من تعقيد مهمة البنوك المركزية في السيطرة على التضخم دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.
تصريحات ترامب
جاءت موجة البيع عقب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن مذكرة التفاهم الموقعة مع إيران لإنهاء النزاع، الذي استمر أربعة أشهر، أصبحت «منتهية»، مؤكداً أنه لا يرغب في الدخول في أي حوار جديد مع طهران.
وتزامنت هذه التصريحات مع تنفيذ الولايات المتحدة ضربات عسكرية جديدة داخل إيران، إلى جانب إلغاء الإعفاء الذي كان يسمح لطهران ببيع النفط، وذلك رداً على هجمات استهدفت ثلاث ناقلات نفط.
ويرى اقتصاديون أن الأسواق باتت تتفاعل بسرعة أكبر مع الأخبار السياسية، خصوصاً في ظل حساسية الاقتصاد العالمي لأي اضطرابات قد تؤثر في إمدادات النفط أو حركة التجارة الدولية.
الفائدة في الواجهة
رغم أن الذهب يعد تاريخياً أحد أهم الملاذات الآمنة، فإن المستثمرين يركزون حالياً بصورة أكبر على مستقبل أسعار الفائدة الأميركية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً في حركة المعدن الأصفر خلال المرحلة الحالية.
ويؤكد محللون أن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة يزيد من جاذبية السندات الأميركية والدولار، ويقلل في المقابل من الإقبال على الذهب، لأن الاحتفاظ بالمعدن يصبح أقل جدوى مقارنة بالأصول التي تحقق عائداً ثابتاً.
كما أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية يزيد من تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار في الذهب، وهو ما يدفع عدداً من المحافظ الاستثمارية إلى إعادة توزيع أصولها بعيداً عن المعادن النفيسة.
ترقب محضر الفيدرالي
وتتجه أنظار الأسواق إلى محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لشهر يونيو، الذي ينتظر أن يقدم صورة أوضح عن توجهات أعضاء البنك المركزي بشأن مستقبل أسعار الفائدة.
ويبحث المستثمرون في المحضر عن أي إشارات تتعلق بموعد بدء دورة التيسير النقدي، ومدى تأثير ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية في قرارات صناع السياسة النقدية.
وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في بنك «يو بي إس»، إن الذهب قد يتحرك في نطاق عرضي خلال الفترة المقبلة، موضحاً أن استئناف موجة الصعود يتطلب تباطؤاً أكبر في سوق العمل الأميركي، وانخفاضاً مستداماً في التضخم، بما يسمح للفيدرالي بتخفيف سياسته المتشددة.
رهانات المستثمرين
وأظهرت بيانات أداة CME FedWatch ارتفاع توقعات الأسواق لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر إلى 66% مقارنة مع 62% في اليوم السابق، وهو ما يعكس إعادة تسعير واسعة لتوقعات المستثمرين بعد تطورات الشرق الأوسط.
كما ارتفع الدولار بالتزامن مع زيادة عوائد السندات، وهو ما زاد من الضغوط على الذهب، لأن قوة العملة الأميركية تجعل المعدن أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين من خارج الولايات المتحدة.
ويرى محللون أن الأسواق تمر حالياً بمرحلة تعتمد بصورة كبيرة على البيانات الاقتصادية والتطورات السياسية، حيث يمكن لأي مستجد جديد أن يغير اتجاه الأسعار خلال ساعات قليلة.
نقطة توازن دقيقة
ويرى محللون أن الذهب يقف حالياً عند نقطة توازن دقيقة بين عاملين متناقضين؛ فمن جهة، توفر التوترات الجيوسياسية دعماً للمعدن الأصفر باعتباره ملاذاً آمناً، ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعزيز مخاوف التضخم وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة، وهو ما يشكل ضغطاً مباشراً على الأسعار.
ويعتقد خبراء أن اتجاه الذهب خلال الأسابيع المقبلة سيعتمد بصورة أساسية على ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في تطورات الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، ومسار أسعار النفط العالمية، ورسائل مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن الفائدة.
ورغم التراجع الحالي، يؤكد محللون أن الذهب لا يزال يحتفظ بعوامل دعم قوية على المدى الطويل، أبرزها استمرار مشتريات البنوك المركزية، وارتفاع الطلب الاستثماري في أوقات الأزمات، إلا أن استعادة الاتجاه الصاعد ستظل مرهونة بانخفاض الضغوط التضخمية وبدء دورة خفض أسعار الفائدة، وهي عوامل يترقبها المستثمرون بحذر خلال النصف الثاني من العام.