التكنولوجيا تضغط وول ستريت رغم دعم «ميتا»
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الأربعاء على تراجع محدود، بعدما تعرض قطاع التكنولوجيا لضغوط بيعية أثرت بشكل خاص على مؤشر ناسداك، في وقت حدّت فيه المكاسب القوية لسهم ميتا بلاتفورمز من خسائر السوق، بينما واصل المستثمرون تقييم تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى جانب متابعة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيرها على أسعار النفط والتضخم.
وجاء الأداء المتباين للمؤشرات الأميركية بعد جلسات اتسمت بتقلبات واضحة، إذ لا تزال الأسواق توازن بين استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، واحتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مقابل انحسار بعض المخاوف المتعلقة بالتضخم، وهو ما جعل المستثمرين أكثر انتقائية في قراراتهم الاستثمارية.
كما ساهمت موجة جني الأرباح التي طالت أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية في زيادة الضغوط على السوق، بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها هذه الشركات خلال الأشهر الماضية.
ناسداك الأكثر تضرراً
قاد مؤشر ناسداك خسائر المؤشرات الأميركية، متراجعاً بنسبة 0.65 % ليغلق عند 26044.16 نقطة، متأثراً بالهبوط الواضح في أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
أما مؤشر ستاندرد آند بورز 500، فتراجع بنسبة 0.19 % ليستقر عند 7485.02 نقطة، بينما أنهى مؤشر داو جونز الصناعي الجلسة منخفضاً بشكل طفيف للغاية بلغ 0.01 % عند 52315.58 نقطة.
ويعكس هذا الأداء استمرار الضغوط على أسهم النمو، في وقت يفضل فيه المستثمرون تقليص انكشافهم على الشركات ذات التقييمات المرتفعة، مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأميركية.
الرقائق الإلكترونية تحت الضغط
تعرضت شركات أشباه الموصلات لموجة بيع جديدة، لتواصل الضغوط التي شهدها القطاع خلال الأيام الأخيرة.
ويأتي هذا التراجع بعد الأداء الاستثنائي الذي حققته شركات الرقائق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال الربع الثاني، حيث دفعت التقييمات المرتفعة كثيراً من المستثمرين إلى جني الأرباح.
ويرى محللون أن القطاع لا يزال يمتلك فرص نمو قوية مدعوماً بالطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن الأسعار الحالية دفعت الأسواق إلى إعادة تقييم مستويات المخاطرة، وهو ما انعكس على أداء أسهم التكنولوجيا بصورة عامة.
ميتا تخالف الاتجاه
في المقابل، برز سهم ميتا بلاتفورمز كأحد أبرز الرابحين خلال الجلسة، بعدما أفادت تقارير بأن الشركة تعمل على تطوير مشروع جديد في مجال الخدمات السحابية يتيح بيع فائض القدرة الحاسوبية المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأثارت هذه الخطوة اهتمام المستثمرين، باعتبارها تمثل توسعاً جديداً في مصادر إيرادات الشركة، وتعكس استمرار المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى للاستفادة من الطلب المتزايد على البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وأشار تيم جريسكي، كبير خبراء المحافظ الاستثمارية في شركة إنجالز آند سنايدر، إلى أن المشروع الجديد قد يوفر دعماً إضافياً لسهم ميتا خلال الفترة المقبلة، خاصة أن أداء السهم كان أقل من بقية شركات التكنولوجيا العملاقة منذ بداية العام.
ويرى مراقبون أن دخول ميتا بقوة إلى سوق الخدمات السحابية قد يعزز موقعها في المنافسة مع الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال، ويمنحها مصادر دخل إضافية بعيداً عن الإعلانات الرقمية.
الفيدرالي يتمسك بالحذر
في الجانب النقدي، ركز المستثمرون على تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي أكد أن مخاطر التضخم تراجعت خلال الفترة الأخيرة، لكنه شدد في الوقت نفسه على التزام البنك المركزي بتحقيق هدف التضخم البالغ 2 %.
وأوضح وارش أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى تيسير السياسة النقدية لمجرد وجود مطالبات بخفض أسعار الفائدة، في إشارة إلى تمسك البنك المركزي باستقلالية قراراته بعيداً عن الضغوط السياسية.
كما أكد أن أي توقعات بخفض سريع للفائدة قد تكون سابقة لأوانها، وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم رهاناتها بشأن السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
ورغم أن تصريحاته خففت قليلاً من توقعات تشديد السياسة النقدية، فإن المتعاملين لا يزالون يرجحون تنفيذ رفع واحد على الأقل لأسعار الفائدة خلال العام، وفق بيانات الأسواق المالية.
النفط يواصل التأثير
واصلت أسعار النفط لعب دور مؤثر في توجهات المستثمرين، بعدما سجلت ارتفاعات قوية في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الماضية.
وعادة ما يؤدي ارتفاع النفط إلى زيادة الضغوط التضخمية، الأمر الذي قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يشكل تحدياً لأسواق الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها بشكل كبير على توقعات انخفاض تكلفة التمويل.
إلا أن الأسواق بدأت تتعامل مع هذه المخاوف بدرجة أقل بعد ظهور مؤشرات على تحسن الأوضاع الجيوسياسية.
الأسواق تبحث عن اتجاه جديد
تعكس تعاملات وول ستريت الحالية مرحلة انتقالية تمر بها الأسواق، حيث لم تعد رهانات المستثمرين تعتمد فقط على نتائج الشركات، بل أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بمسار السياسة النقدية والبيانات الاقتصادية والتطورات الجيوسياسية.
ويترقب المستثمرون خلال الأيام المقبلة صدور بيانات اقتصادية جديدة، وفي مقدمتها مؤشرات سوق العمل والتضخم، لمعرفة ما إذا كان الاقتصاد الأميركي يواصل الحفاظ على زخمه، أو بدأ يظهر علامات تباطؤ قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى مراجعة سياسته النقدية.
كما ستظل أسهم التكنولوجيا تحت المجهر، بعد موجة الصعود التاريخية التي قادتها شركات الذكاء الاصطناعي خلال الأشهر الماضية، وما تبعها من عمليات تصحيح وجني أرباح.
وبين ضغوط قطاع التكنولوجيا، وتمسك الاحتياطي الفيدرالي بنهجه الحذر، واستمرار مراقبة التطورات الجيوسياسية، تدخل وول ستريت مرحلة أكثر حساسية، حيث أصبحت الأسواق أكثر ارتباطاً بتدفق البيانات الاقتصادية وتصريحات صناع القرار، في انتظار مؤشرات أوضح تحدد المسار المقبل لأكبر سوق مالية في العالم.