التكنولوجيا تكبح نيكي.. وتوبكس يواصل الصعود
ارتفعت الأسهم اليابانية بصورة متباينة في ختام تعاملات الإثنين، إذ واصل مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً سلسلة مكاسبه للجلسة السادسة على التوالي، مدعوماً بانخفاض أسعار النفط وتحسن معنويات المستثمرين في الأسواق العالمية، بينما أنهى مؤشر «نيكي 225» تعاملاته مستقراً تقريباً تحت ضغط التراجع الحاد في أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وأغلق مؤشر «توبكس» مرتفعاً بنسبة 0.50 % عند 4084.74 نقطة، مسجلاً أطول سلسلة مكاسب منذ أغسطس 2025، في حين استقر مؤشر «نيكي 225» عند 69737.69 نقطة، بعدما حدت خسائر قطاع التكنولوجيا من قدرة المؤشر على مواصلة الارتفاع رغم الأداء القوي لمعظم الأسهم الأخرى المدرجة عليه.
ويعكس هذا التباين استمرار اختلاف أداء القطاعات داخل السوق اليابانية، إذ استفادت الشركات الصناعية وشركات النقل من تحسن البيئة الاقتصادية، بينما تعرضت شركات التكنولوجيا لضغوط مرتبطة بتقييمات مرتفعة وعمليات جني أرباح واسعة. كما يبرز استمرار تماسك السوق اليابانية رغم الضغوط الخارجية قدرة المستثمرين على توجيه السيولة نحو القطاعات المستفيدة من التطورات الاقتصادية الحالية، بدلاً من الاعتماد على أسهم التكنولوجيا وحدها لقيادة السوق.
دعم النفط
وجاءت مكاسب مؤشر «توبكس» مدفوعة بتراجع أسعار النفط العالمية، الأمر الذي عزز توقعات انخفاض تكاليف الإنتاج والنقل بالنسبة للشركات اليابانية، خاصة أن اليابان تعد من أكبر الدول المستوردة للطاقة وتعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط والغاز.
كما ساهمت عودة حركة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز بعد انحسار التوترات الجيوسياسية في تحسين ثقة المستثمرين، مع توقعات باستقرار الإمدادات العالمية وانخفاض الضغوط على أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون أن انخفاض أسعار النفـط يمنـح الشركـات الصناعية اليابانية فرصة لتحسين هوامش الأرباح، وهو ما انعكس على أداء عدد من القطاعات المرتبطة بالإنتاج والتصدير. كما أن انخفاض تكاليف الوقود والشحن يمنح الشركات اليابانية قدرة أكبر على الحفاظ على تنافسيتها في الأسواق الخارجية، خاصة في ظل استمرار المنافسة مع الاقتصادات الآسيوية الأخرى.
ويعتقد خبراء أن استمرار أسعار النفط عند مستويات معتدلة قد ينعكس إيجاباً على أرباح الشركات خلال نتائج الربع الثالث، ولا سيما في قطاعات النقل والصناعة والكيماويات، التي تعد من أكثر القطاعات تأثراً بتكاليف الطاقة.
ضغوط التكنولوجيا
في المقابل، تعرض مؤشر «نيكي 225» لضغوط واضحة نتيجة التراجع الكبير في أسهم شركات التكنولوجيا، التي تستحوذ على وزن كبير داخل المؤشر، الأمر الذي حال دون تحقيقه مكاسب مماثلة لـ«توبكس».
ويؤكد محللون أن أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات لا تزال تمر بمرحلة من التقلبات المرتفعة، بعد المكاسب القوية التي سجلتها خلال الأشهر الماضية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسعار وإجراء عمليات جني أرباح بصورة متكررة.
وتتأثر هذه الشركات أيضاً بتوقعات الطلب العالمي على الرقائق الإلكترونية، إضافة إلى التطورات المرتبطة بالسياسة التجارية وسلاسل الإمداد العالمية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن وتيرة الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي يدفع المستثمرين إلى التعامل بحذر مع أسهم القطاع، بعد الارتفاعات القياسية التي شهدتها خلال العامين الماضيين.
ويرى مراقبون أن قطاع التكنولوجيا سيظل العامل الأكثر تأثيراً في تحركات مؤشر «نيكي»، نظراً للوزن الكبير الذي تمثله شركات الرقائق والمكونات الإلكترونية داخل المؤشر.
ترقب البنوك المركزية
وتتجه أنظار المستثمرين إلى التطورات المرتبطة بالسياسة النقدية العالمية، مع انتظار صدور محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي قد يقدم مؤشرات جديدة حول مستقبل أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
وفي الوقت ذاته، يواصل المستثمرون متابعة توجهات بنك اليابان، الذي يتوقع أن يستمر في مسار التشديد النقدي التدريجي، بعد سنوات طويلة من السياسة النقدية فائقة التيسير.
ويرى خبراء أن أي تغير في توجهات البنوك المركزية الكبرى ستكون له انعكاسات مباشرة على تدفقات رؤوس الأموال وأسواق الأسهم، خاصة في اليابان التي تعتمد شركاتها المصدرة بصورة كبيرة على أوضاع الاقتصاد العالمي.
كما يراقب المستثمرون عن كثب أي مؤشرات تتعلق بوتيرة رفع الفائدة في اليابان، لما لها من تأثير مباشر على الين، وعوائد السندات، وربحية الشركات، في وقت تسعى فيه السلطات النقدية إلى تحقيق توازن بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم التعافي الاقتصادي.
تحركات الين
وشهد الين الياباني استمراراً في اتجاهه الهبوطي أمام الدولار، ما أبقى الأسواق في حالة ترقب لاحتمال تدخل السلطات اليابانية لدعم العملة إذا استمرت وتيرة التراجع.
وعادة ما يستفيد المصدرون اليابانيون من ضعف الين، إذ تصبح منتجاتهم أكثر تنافسية في الأسواق الخارجية، إلا أن استمرار انخفاض العملة يرفع في المقابل تكلفة الواردات، خاصة الطاقة والمواد الخام، وهو ما يشكل تحدياً للاقتصاد الياباني.
ويرى محللون أن السلطات اليابانية قد تتدخل في سوق الصرف إذا تجاوزت تقلبات العملة الحدود التي قد تؤثر في الاستقرار المالي أو تزيد الضغوط التضخمية. وفي المقابل، يواصل المستثمرون مراقبة مستويات الين باعتبارها أحد أهم المؤشرات المؤثرة في أرباح الشركات اليابانية، ولا سيما الشركات المصدرة.
الأسهم القيادية
وقادت قطاعات الشحن والسيارات والآلات مكاسب السوق خلال جلسة الإثنين، مستفيدة من تحسن معنويات المستثمرين وتراجع أسعار الطاقة.
وارتفع سهم «تويوتا موتور» بنسبة 3.36 %، مدعوماً بتوقعات استمرار قوة الطلب العالمي على السيارات، فيما قفز سهم «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» بنسبة 8.39 %، مستفيداً من توقعات تحسن الإنفاق الصناعي وارتفاع الطلب على المعدات الثقيلة.
كما سجلت شركات الشحن أداءً قوياً مع تحسن توقعات حركة التجارة العالمية، في ظل انحسار المخاطر التي كانت تهدد حركة النقل البحري خلال الأسابيع الماضية، وهو ما انعكس إيجاباً على أسهم الشركات المرتبطة بسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
ويرى محللون أن هذه القطاعات تظل من أبرز المستفيدين من تحسن التجارة العالمية واستقرار تكاليف الإنتاج، وهو ما يعزز جاذبيتها لدى المستثمرين خلال المرحلة الحالية.
خسائر التكنولوجيا
في المقابل، تصدرت شركات توريد التكنولوجيا قائمة الخاسرين، إذ هبط سهم «تايو يودن» بنسبة 10.58 %، بينما تراجع سهم «إيبيدن» بنسبة 8.37 %، وانخفض سهم «موراتا للتصنيع» بنسبة 7.49 %.
ويعكس هذا الأداء استمرار الضغوط على شركات مكونات الإلكترونيات، في ظل حالة التذبذب التي يشهدها قطاع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات عالمياً، إضافة إلى المخاوف من تباطؤ الطلب على بعض المنتجات الإلكترونية خلال النصف الثاني من العام.
ورغم هذه الخسائر، أظهرت بيانات السوق اتساع نطاق المكاسب، إذ ارتفع 177 سهماً من أصل 225 شركة مدرجة على مؤشر «نيكي»، مقابل تراجع 48 سهماً فقط، وهو ما يعكس استمرار الزخم الإيجابي في معظم قطاعات السوق، ويؤكد أن الضغوط تركزت في عدد محدود من الأسهم ذات الوزن الكبير داخل المؤشر.
مرحلة جديدة تتسم
بتباين أداء القطاعات
وبين استمرار تراجع أسعار النفط، وترقب قرارات البنوك المركزية، وتقلبات أسهم التكنولوجيا، تدخل الأسهم اليابانية مرحلة جديدة تتسم بتباين أداء القطاعات. ففي حين تواصل الشركات الصناعية والمصدرة الاستفادة من انخفاض تكاليف الطاقة وضعف الين، تبقى أسهم التكنولوجيا أكثر حساسية للتغيرات في شهية المستثمرين والتوقعات العالمية لقطاع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
ويرى محللون أن اتجاه السوق اليابانية خلال النصف الثاني من عام 2026 سيظل مرتبطاً بتطورات السياسة النقدية العالمية، ومسار أسعار الطاقة، وتحركات الين، إلى جانب أداء قطاع التكنولوجيا العالمي، الذي لا يزال يمثل العامل الأكثر تأثيراً في تحركات مؤشر «نيكي 225»، بينما قد يواصل «توبكس» الاستفادة من اتساع المكاسب في بقية القطاعات إذا استمرت الظروف الاقتصادية الحالية.
كما يتوقع مراقبون أن تبقى بورصة طوكيو من أكثر الأسواق الآسيوية قدرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية إذا استمرت أرباح الشركات في التحسن، واستقرت أسعار الطاقة، وتراجعت حدة التقلبات العالمية. وفي المقابل، سيظل أداء قطاع التكنولوجيا العامل الحاسم في تحديد قدرة مؤشر «نيكي» على استئناف مساره الصاعد، بينما يمنح التنوع القطاعي لمؤشر «توبكس» فرصة أكبر لمواصلة تحقيق المكاسب إذا استمرت البيئة الاقتصادية الحالية دون صدمات كبيرة.