تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنافسية‭ ‬العالمية‭ ‬تكافئ‭ ‬الجدارة‭ ‬وتعزز‭ ‬الثقة

التنافسية‭ ‬العالمية‭ ‬تكافئ‭ ‬الجدارة‭ ‬وتعزز‭ ‬الثقة

يشهد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬مرحلة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والتجارية،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬اعتبارات‭ ‬الأمن‭ ‬والسياسة‭ ‬والقيم‭ ‬السيادية‭ ‬مع‭ ‬القرارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المعقد،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للدول‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أو‭ ‬وفرة‭ ‬الموارد‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬التكاليف،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬بقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتنبؤ‭ ‬تحمي‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتدعم‭ ‬استمرارية‭ ‬الأعمال‭.‬
ويعكس‭ ‬تقرير‭ ‬التنافسية‭ ‬العالمية‭ ‬لعام‭ ‬2026‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بوضوح،‭ ‬إذ‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬الكفاءة‭ ‬الحكومية‭ ‬وفعالية‭ ‬التشريعات‭ ‬وجودة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬ومرونة‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬باعتبارها‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عالمية‭ ‬تتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭.‬

عودة‭ ‬الصدارة
استعادت‭ ‬سنغافورة‭ ‬المركز‭ ‬الأول‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬التنافسية‭ ‬لعام‭ ‬2026‭ ‬محققة‭ ‬العلامة‭ ‬الكاملة‭ ‬البالغة‭ ‬100‭ ‬نقطة،‭ ‬بعدما‭ ‬عززت‭ ‬موقعها‭ ‬بفضل‭ ‬تفوقها‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬الأعمال‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬تنظيمية‭ ‬عالية‭ ‬الكفاءة‭ ‬تدعم‭ ‬الشركات‭ ‬والاستثمارات‭. ‬وجاءت‭ ‬هونج‭ ‬كونج‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الثاني‭ ‬عالمياً،‭ ‬تلتها‭ ‬سويسرا‭ ‬التي‭ ‬احتفظت‭ ‬بمكانتها‭ ‬ضمن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكثر‭ ‬تنافسية‭ ‬بفضل‭ ‬تصدرها‭ ‬مؤشرات‭ ‬الكفاءة‭ ‬الحكومية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭.‬
كما‭ ‬واصلت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬حضورها‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مع‭ ‬احتلال‭ ‬تايوان‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬عالمياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬انتقال‭ ‬مراكز‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬نحو‭ ‬آسيا،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالصناعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭.‬
ويعتمد‭ ‬المؤشر‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬شامل‭ ‬يضم‭ ‬264‭ ‬معياراً‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإحصائية‭ ‬واستطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬التنفيذية،‭ ‬ويتم‭ ‬تصنيف‭ ‬الدول‭ ‬وفق‭ ‬أربعة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭ ‬هي‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والكفاءة‭ ‬الحكومية‭ ‬وكفاءة‭ ‬الأعمال‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬قدرة‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬الجوانب‭ ‬المختلفة‭ ‬للقدرة‭ ‬التنافسية‭.‬

تفوق‭ ‬خليجي
على‭ ‬المستوى‭ ‬العربي،‭ ‬حافظت‭ ‬الإمارات‭ ‬على‭ ‬المركز‭ ‬الخامس‭ ‬عالمياً‭ ‬للعام‭ ‬الثاني‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬مؤكدة‭ ‬مكانتها‭ ‬كأكثر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العربية‭ ‬تنافسية‭. ‬واستند‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬إلى‭ ‬تصدرها‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬محور‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬مدعومة‭ ‬بقوة‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬واستمرار‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتوسع‭ ‬التوظيف،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الإنشاءات‭ ‬والخدمات‭.‬
كما‭ ‬برزت‭ ‬الإمارات‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والانضباط‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬تدفقات‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬إليها‭ ‬رغم‭ ‬حالة‭ ‬التقلبات‭ ‬العالمية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬سجلت‭ ‬السعودية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التحسينات‭ ‬في‭ ‬التصنيف‭ ‬العالمي‭ ‬بعدما‭ ‬تقدمت‭ ‬أربعة‭ ‬مراكز‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬المرتبة‭ ‬الثالثة‭ ‬عشرة‭ ‬عالمياً،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بتحسن‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬فيها‭ ‬المركز‭ ‬التاسع‭ ‬عالمياً‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬نتائج‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المستمرة‭ ‬وجهود‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتطوير‭ ‬البيئة‭ ‬الاستثمارية‭.‬
كما‭ ‬جاءت‭ ‬قطر‭ ‬في‭ ‬المركز‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬عالمياً‭ ‬رغم‭ ‬تراجعها‭ ‬مركزين،‭ ‬فيما‭ ‬واصلت‭ ‬البحرين‭ ‬وعُمان‭ ‬تحسين‭ ‬مراكزهما‭ ‬الدولية‭ ‬لتحتلا‭ ‬المرتبتين‭ ‬العشرين‭ ‬والخامسة‭ ‬والعشرين‭ ‬على‭ ‬التوالي‭.‬

تحديات‭ ‬كبرى
ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬حضور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ضمن‭ ‬قائمة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العشرة‭ ‬الأكثر‭ ‬تنافسية،‭ ‬فإن‭ ‬التقرير‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ارتفاع‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬وتصاعد‭ ‬السياسات‭ ‬الحمائية‭ ‬وتراجع‭ ‬بعض‭ ‬مؤشرات‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭.‬
وجاءت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬العاشرة‭ ‬عالمياً‭ ‬برصيد‭ ‬86‭.‬82‭ ‬نقطة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬المركز‭ ‬الثالث‭ ‬عالمياً،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬شهد‭ ‬تراجعاً‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬ببعض‭ ‬المنافسين‭ ‬الآسيويين‭.‬
وفي‭ ‬أوروبا،‭ ‬تراجعت‭ ‬ألمانيا‭ ‬أربعة‭ ‬مراكز‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬المرتبة‭ ‬الثالثة‭ ‬والعشرين‭ ‬عالمياً‭ ‬نتيجة‭ ‬ضعف‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتراجع‭ ‬كفاءة‭ ‬الحكومة‭ ‬والأعمال‭. ‬أما‭ ‬الصين‭ ‬فتمكنت‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬أربعة‭ ‬مراكز‭ ‬إلى‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬عشرة‭ ‬عالمياً‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتوظيف‭.‬
ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬أن‭ ‬الحجم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحده‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬المراكز‭ ‬المتقدمة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬تحسين‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬المؤسسية‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭.‬

معيار‭ ‬الثقة
أبرز‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬تقرير‭ ‬2026‭ ‬هو‭ ‬التحول‭ ‬المتسارع‭ ‬نحو‭ ‬اعتبار‭ ‬الثقة‭ ‬المؤسسية‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭ ‬معياراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬الاقتصادات‭. ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬يشهد‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقواعد‭ ‬الدولية‭ ‬وازدياداً‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬العقوبات‭ ‬والقيود‭ ‬التجارية‭ ‬وأدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الصادرات،‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬والمستثمرون‭ ‬أكثر‭ ‬اهتماماً‭ ‬باستقرار‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬والتنظيمية‭.‬
وتلعب‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬الفعالة‭ ‬دوراً‭ ‬مباشراً‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬المخاطر‭ ‬وخفض‭ ‬مستويات‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعقود‭ ‬والاستثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بمؤسسات‭ ‬قوية‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬متزايدة‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيرها‭.‬
ويخلص‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬التنافسية‭ ‬العالمية‭ ‬لن‭ ‬يتحدد‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬أو‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬فعالة‭ ‬وقوانين‭ ‬مستقرة‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬متطورة‭ ‬تتيح‭ ‬للاقتصادات‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬المتسارعة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬الإمارات‭ ‬وسنغافورة‭ ‬نموذجين‭ ‬بارزين‭ ‬لكيفية‭ ‬تحويل‭ ‬الكفاءة‭ ‬المؤسسية‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬رئيسي‭ ‬للنمو‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يزداد‭ ‬تعقيداً‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭.‬

رجوع لأعلى