التوترات الإقليمية تضغط على مؤشرات وول ستريت
أغلقت المؤشرات الرئيسية في وول ستريت تعاملات الثلاثاء على انخفاض، متأثرة بتراجع أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى وتجدد المخاوف الجيوسياسية، بعدما بددت تصريحات إيرانية جانباً من التفاؤل بإمكان التوصل إلى اتفاق يعيد الاستقرار إلى الشرق الأوسط ويفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الطبيعية.
وأدت التصريحات الجديدة بشأن استمرار إغلاق المضيق إلى زيادة حذر المستثمرين، في وقت تحاول فيه الأسواق تقييم التداعيات المحتملة لاستمرار الأزمة على أسعار النفط والتضخم والنمو الاقتصادي وأرباح الشركات، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل أحد أهم ممرات الطاقة العالمية إلى إبقاء تكاليف الوقود والشحن عند مستويات مرتفعة.
وبحسب البيانات الأولية، انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 25.32 نقطة، أو ما يعادل 0.33%، ليغلق عند 7727.79 نقطة، فيما فقد مؤشر «ناسداك» المجمع 160.36 نقطة، بما يعادل 0.60%، مسجلاً 26445 نقطة.
وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي بدوره 188.41 نقطة، أو 0.35%، لينهي الجلسة عند 53787.57 نقطة، في أداء يعكس عودة الحذر إلى السوق بعد تصاعد الضبابية المحيطة بالتطورات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.
ضغوط التكنولوجيا
وجاءت أسهم التكنولوجيا في مقدمة الضغوط التي واجهتها السوق، مع تراجع سهمي أمازون وألفابت، ما انعكس بصورة مباشرة على مؤشري «ناسداك» و«ستاندرد آند بورز 500»، نظراً إلى الوزن الكبير الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا العملاقة داخل المؤشرات الأميركية.
وتحظى تحركات هذه الأسهم بمتابعة واسعة من المستثمرين، إذ يمكن للتغيرات المحدودة في أسعارها أن تؤثر بصورة ملموسة في الاتجاه العام للمؤشرات، خصوصاً «ناسداك» الذي يضم عدداً كبيراً من شركات التكنولوجيا والنمو.
كما تراجع سهم «سبيس إكس»، في جلسة اتسمت بضعف شهية المخاطرة، مع اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في الأصول الأكثر حساسية لتحركات السوق، بالتزامن مع ارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي.
مأزق هرمز
وعادت التطورات المتعلقة بمضيق هرمز إلى صدارة العوامل المؤثرة في معنويات المستثمرين، بعدما قال محسن رضائي، الأمين العام الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن المضيق سيظل مغلقاً ما لم تغير الولايات المتحدة سلوكها وتقبل شروط الجمهورية الإسلامية لإنهاء الحرب.
وتشير التصريحات إلى استمرار التباعد بين مواقف واشنطن وطهران، وهو ما أضعف الآمال في التوصل سريعاً إلى اتفاق يسمح بإعادة فتح الممر المائي الحيوي واستعادة التدفقات الطبيعية للنفط والغاز من المنطقة.
ويمثل مضيق هرمز نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للأسواق المالية العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة، ولذلك فإن أي تطورات مرتبطة بإغلاقه أو إعادة فتحه تنعكس سريعاً على أسعار النفط وتوقعات التضخم والنمو.
تفاؤل يتراجع
وكان المستثمرون يترقبون خلال الفترة الأخيرة إشارات إلى إمكان إحراز تقدم في المحادثات الرامية إلى تهدئة الصراع، إلا أن التصريحات الإيرانية الأخيرة أعادت الشكوك بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية قريبة.
وقال روس مايفيلد، محلل استراتيجيات الاستثمار في شركة «بيرد» في لويزفيل بولاية كنتاكي، إنه كما كان الحال خلال الأشهر الماضية، لا يزال من الصعب للغاية الوصول إلى اتفاق قادر على إرضاء جميع الأطراف.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط بصورة طفيفة يعكس عودة درجة أكبر من الضبابية إلى الأسواق، موضحاً أن الصراع تسبب أحياناً في تقلبات ملحوظة، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى العائق الكبير الذي توقعه كثيرون في بدايته.
وتعكس هذه الرؤية حالة الأسواق منذ اندلاع الأزمة، إذ شهدت الأسهم موجات متباينة من البيع والشراء مع كل تطور سياسي أو عسكري، لكنها تمكنت في أوقات عديدة من استيعاب الصدمات والعودة إلى التركيز على نتائج الشركات والبيانات الاقتصادية.
نفط أعلى
ويشكل مسار أسعار النفط أحد أهم الروابط بين أزمة الشرق الأوسط وأداء الأسهم الأميركية، إذ يؤدي ارتفاع الخام إلى زيادة تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، ما قد يضغط على هوامش أرباح الشركات ويزيد مخاطر التضخم.
كما يمكن أن يؤدي استمرار أسعار الطاقة المرتفعة إلى التأثير في إنفاق المستهلكين، مع تخصيص الأسر جزءاً أكبر من دخولها للوقود والطاقة، وهو ما يقلص قدرتها على الإنفاق على السلع والخدمات الأخرى.
وفي المقابل، تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع أسعار النفط، ما قد يوفر بعض الدعم لأسهم القطاع، إلا أن تأثير ارتفاع الخام على السوق الأوسع يظل مرتبطاً بحجم الزيادة ومدتها ومدى انعكاسها على توقعات التضخم والسياسة النقدية.
مخاطر التضخم
وتراقب وول ستريت بصورة خاصة العلاقة بين تطورات الشرق الأوسط ومسار التضخم الأميركي، إذ يمكن أن يؤدي استمرار اضطرابات الطاقة إلى زيادة الضغوط السعرية وتعقيد مهمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
فارتفاع تكاليف الوقود والشحن قد ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، ما يحد من قدرة البنك المركزي الأميركي على التحرك نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً إذا ظلت معدلات التضخم مرتفعة.
ولهذا فإن تأثير أزمة هرمز يتجاوز شركات النفط والطاقة، ليصل إلى قطاعات التكنولوجيا والصناعة والنقل والتجزئة، مع إعادة المستثمرين حساباتهم بشأن أسعار الفائدة والنمو المتوقع وربحية الشركات.
شهية المخاطرة
وتبقى شهية المخاطرة في وول ستريت مرتبطة خلال المرحلة المقبلة بمزيج من العوامل السياسية والاقتصادية، وفي مقدمتها مستقبل مضيق هرمز وأسعار النفط ونتائج الشركات ومسار التضخم والسياسة النقدية الأميركية.
وأي تقدم ملموس في الاتصالات بين واشنطن وطهران قد يمنح الأسهم دفعة إيجابية، خصوصاً إذا أدى إلى تراجع أسعار الطاقة وانخفاض علاوة المخاطر الجيوسياسية، بينما قد يؤدي استمرار التصعيد إلى دفع المستثمرين نحو مزيد من الحذر.
ويعني ذلك أن الأسواق قد تظل عرضة لتحركات سريعة في الاتجاهين، إذ أصبحت الأخبار القادمة من الشرق الأوسط قادرة على تغيير توقعات المستثمرين خلال جلسة واحدة، بالتوازي مع العوامل التقليدية التي تحرك وول ستريت.
الأسواق تترقب مصير مضيق هرمز
وتدخل الأسهم الأميركية الجلسات المقبلة في ظل معادلة دقيقة تجمع بين ضغوط شركات التكنولوجيا وعدم اليقين الجيوسياسي ومخاطر ارتفاع أسعار الطاقة. ورغم أن أزمة الشرق الأوسط لم تتحول حتى الآن إلى العائق الكبير الذي خشيته الأسواق، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز يظل مصدراً رئيسياً للتقلبات.
ويبقى التوصل إلى اتفاق يعيد الملاحة الطبيعية عبر المضيق عاملاً مهماً لاستعادة قدر أكبر من الاستقرار، بينما سيعني استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران بقاء المستثمرين في حالة ترقب، مع استمرار تأثير أي تحرك في أسعار النفط على الأسهم وتوقعات التضخم والنمو والسياسة النقدية الأميركية.