تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثروات‭ ‬الكبرى‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭ ‬للأزمات

الثروات‭ ‬الكبرى‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭ ‬للأزمات

في‭ ‬عام‭ ‬1929،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المستثمرون‭ ‬يعرفون‭ ‬أنهم‭ ‬يعيشون‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أعنف‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وعندما‭ ‬انهارت‭ ‬الأسهم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭: ‬أين‭ ‬يمكن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالثروة‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬نفسه‭ ‬مصدر‭ ‬الخطر؟
واليوم‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭ ‬مجدداً،‭ ‬بعدما‭ ‬حذر‭ ‬نيكولاي‭ ‬تانجن،‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لصندوق‭ ‬الثروة‭ ‬السيادي‭ ‬النرويجي،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الصندوق،‭ ‬الذي‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمته‭ ‬تريليوني‭ ‬دولار،‭ ‬قد‭ ‬يفقد‭ ‬قيمته‭ ‬بالكامل‭ ‬في‭ ‬سيناريو‭ ‬انهيار‭ ‬عالمي‭ ‬بالغ‭ ‬التطرف،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬توقعه‭ ‬وقوع‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬قريباً‭.‬

مخاطر‭ ‬متزايدة
لا‭ ‬تنقص‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬أسباب‭ ‬القلق‭. ‬فقد‭ ‬صعدت‭ ‬مستويات‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬قمم‭ ‬تاريخية،‭ ‬بينما‭ ‬يحذر‭ ‬بنك‭ ‬التسويات‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬وتزايد‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬غير‭ ‬المصرفية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬السندات‭ ‬يخلقان‭ ‬قنوات‭ ‬أسرع‭ ‬لانتقال‭ ‬الصدمات‭ ‬بين‭ ‬الحكومات‭ ‬والبنوك‭ ‬والأسواق‭.‬
لكن‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬انهياراً‭ ‬شبيهاً‭ ‬بعام‭ ‬1929‭ ‬بات‭ ‬وشيكاً‭. ‬فالنظام‭ ‬المصرفي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬بعد‭ ‬إصلاحات‭ ‬أزمة‭ ‬2008،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬حالياً‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬مصرفية‭ ‬عالمية‭ ‬مماثلة‭.‬
المشكلة‭ ‬الأهم‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬المقبلة،‭ ‬إن‭ ‬وقعت،‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قد‭ ‬يفشل‭ ‬الأصل‭ ‬الذي‭ ‬وفر‭ ‬الحماية‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الدور‭ ‬نفسه‭ ‬مستقبلاً‭.‬
فخلال‭ ‬الكساد‭ ‬الكبير،‭ ‬هبطت‭ ‬الأسهم‭ ‬الأميركية‭ ‬بنحو‭ ‬89‭ % ‬بين‭ ‬القمة‭ ‬والقاع،‭ ‬بينما‭ ‬ارتفعت‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للنقد‭ ‬والسندات‭ ‬مع‭ ‬انهيار‭ ‬الأسعار‭. ‬لكن‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬قدمت‭ ‬الصورة‭ ‬المعاكسة،‭ ‬إذ‭ ‬أضعف‭ ‬التضخم‭ ‬النقد‭ ‬والسندات‭ ‬بينما‭ ‬ازدهر‭ ‬الذهب‭ ‬والسلع‭.‬
وفي‭ ‬أزمة‭ ‬2008‭ ‬تراجع‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‮»‬‭ ‬بنحو‭ ‬56‭ %‬،‭ ‬بينما‭ ‬قدمت‭ ‬سندات‭ ‬الخزانة‭ ‬حماية‭ ‬قوية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكسر‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬عندما‭ ‬تراجعت‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات‭ ‬معاً‭ ‬بسبب‭ ‬التضخم‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭.‬

أمان‭ ‬متغير
هذه‭ ‬التجارب‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الأصل‭ ‬الآمن‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الأزمة‭. ‬فالأرض‭ ‬والعقار‭ ‬والمصانع‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬طمأنينة‭ ‬لأنها‭ ‬أصول‭ ‬ملموسة،‭ ‬لكن‭ ‬قيمتها‭ ‬بدورها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭ ‬والطلب‭ ‬والطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والدخل‭.‬
وفي‭ ‬2008،‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬الطبيعة‭ ‬المادية‭ ‬للنفط‭ ‬سعره‭ ‬من‭ ‬الانخفاض‭ ‬بنحو‭ ‬75‭ % ‬من‭ ‬القمة‭ ‬إلى‭ ‬القاع‭ ‬عندما‭ ‬انهار‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للعقارات‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬يصعب‭ ‬بيعها‭ ‬وتزداد‭ ‬تكاليف‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭.‬
حتى‭ ‬الذهب،‭ ‬الذي‭ ‬يتمتع‭ ‬بتاريخ‭ ‬طويل‭ ‬كمخزن‭ ‬للقيمة،‭ ‬لا‭ ‬يوفر‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭. ‬ففي‭ ‬ذروة‭ ‬هلع‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬تعرض‭ ‬للبيع‭ ‬مع‭ ‬اندفاع‭ ‬المستثمرين‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬السيولة‭ ‬وتغطية‭ ‬الخسائر‭.‬
وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬حفظ‭ ‬القيمة‭ ‬وتوفير‭ ‬السيولة؛‭ ‬فالذهب‭ ‬قد‭ ‬يحمي‭ ‬الثروة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬المستثمر‭ ‬لن‭ ‬يتعرض‭ ‬لخسائر‭ ‬مؤقتة‭ ‬عندما‭ ‬يبحث‭ ‬الجميع‭ ‬عن‭ ‬النقد‭.‬

تنويع‭ ‬استراتيجي
لذلك‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الصناديق‭ ‬السيادية‭ ‬إلى‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬أصل‭ ‬واحد‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬مجموعة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الخيارات‭. ‬فالنقد‭ ‬يمنح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الشراء‭ ‬وقت‭ ‬الانهيارات،‭ ‬والذهب‭ ‬يوفر‭ ‬تحوطاً‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النقدية،‭ ‬والسلع‭ ‬تحمي‭ ‬في‭ ‬صدمات‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بينما‭ ‬تمنح‭ ‬الأصول‭ ‬المنتجة‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬التضخمية‭.‬
وتؤدي‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وظيفة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬التقليدي؛‭ ‬فالدول‭ ‬لا‭ ‬تخزن‭ ‬النفط‭ ‬مثلاً‭ ‬لتحقيق‭ ‬أعلى‭ ‬عائد،‭ ‬وإنما‭ ‬لضمان‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التصرف‭ ‬عندما‭ ‬تتعطل‭ ‬الإمدادات‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬الحقيقية‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات،‭ ‬لأن‭ ‬السيولة‭ ‬نفسها‭ ‬ميزة‭ ‬استراتيجية‭. ‬فالمستثمر‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬سيولة‭ ‬خلال‭ ‬الانهيارات‭ ‬يستطيع‭ ‬اقتناص‭ ‬أصول‭ ‬رخيصة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬مالك‭ ‬العقارات‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬بيعها‭ ‬سريعاً‭.‬
وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التنويع‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬إذ‭ ‬يؤكد‭ ‬بنك‭ ‬التسويات‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬المتنامي‭ ‬لصناديق‭ ‬التحوط‭ ‬والمؤسسات‭ ‬غير‭ ‬المصرفية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسرع‭ ‬انتقال‭ ‬الضغوط‭ ‬عبر‭ ‬أسواق‭ ‬التمويل‭ ‬والحدود‭.‬

الأمان‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬الخيارات
لا‭ ‬تكمن‭ ‬رسالة‭ ‬تحذير‭ ‬صندوق‭ ‬النرويج‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬انهياراً‭ ‬عالمياً‭ ‬بات‭ ‬قريباً،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬استحالة‭ ‬معرفة‭ ‬شكل‭ ‬الصدمة‭ ‬المقبلة‭. ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬أزمة‭ ‬ديون‭ ‬سيادية‭ ‬أو‭ ‬ائتمان‭ ‬خاص‭ ‬أو‭ ‬انهياراً‭ ‬في‭ ‬تقييمات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬وتضخم‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الثروة‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬ليست‭ ‬التي‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬تكرار‭ ‬أزمة‭ ‬1929،‭ ‬وإنما‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سيناريو،‭ ‬فلا‭ ‬تكون‭ ‬رهينة‭ ‬نوع‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬أو‭ ‬مستقبل‭ ‬واحد‭.‬

رجوع لأعلى