تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحنين‭ ‬للماضي‭ ‬ينعش‭ ‬اقتصاد‭ ‬التقنية‭ ‬القديمة

الحنين‭ ‬للماضي‭ ‬ينعش‭ ‬اقتصاد‭ ‬التقنية‭ ‬القديمة

لم‭ ‬أكن‭ ‬أتوقع‭ ‬موجة‭ ‬الشجن‭ ‬التي‭ ‬غمرتني‭ ‬وأنا‭ ‬أمسك‭ ‬بقرص‭ ‬مرن‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭. ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬عرض‭ ‬تقديمي‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬جامعة‭ ‬كامبريدج‭ ‬قدمه‭ ‬باحث‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬حنين‭ ‬المستقبل‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬يهدف،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أمور‭ ‬أخرى،‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مركز‭ ‬رئيسي‭ ‬لإبقاء‭ ‬الأقراص‭ ‬المرنة‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬العامة‭.‬
وبينما‭ ‬كنا‭ ‬نتداول‭ ‬قطعة‭ ‬التقنية‭ ‬القديمة‭ ‬تلك‭ ‬فيما‭ ‬بيننا،‭ ‬تملكتني‭ ‬رغبة‭ ‬عارمة‭ ‬في‭ ‬سماع‭ ‬طقطقة‭ ‬الزر‭ ‬المستطيل‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يخرج‭ ‬الأقراص‭ ‬المرنة‭ ‬من‭ ‬حاسوب‭ ‬عائلتنا‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬‮«‬أمستراد‮»‬‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي؛‭ ‬ذلك‭ ‬الصوت‭ ‬المألوف‭ ‬الذي‭ ‬طواه‭ ‬النسيان‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد،‭ ‬لكنه‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬ذكريات‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭.‬
ولم‭ ‬يكن‭ ‬القرص‭ ‬المرن‭ ‬وحده‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬هذه‭ ‬المشاعر‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الشعور‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬خالجني‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصيف،‭ ‬وأنا‭ ‬أقف‭ ‬وسط‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬امرأة،‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منهن‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر،‭ ‬في‭ ‬استاد‭ ‬لندن‭ ‬لمشاهدة‭ ‬فرقة‭ ‬‮«‬تيك‭ ‬ذات‮»‬‭.‬
وأنا‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬بأن‭ ‬المشاعر‭ ‬ذاتها‭ ‬تملكت‭ ‬من‭ ‬حضروا‭ ‬الجولة‭ ‬الغنائية‭ ‬الأخيرة‭ ‬للفنانة‭ ‬ألانيس‭ ‬موريسيت،‭ ‬وستغمر‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬سيشاهدون‭ ‬فرقة‭ ‬‮«‬دوران‭ ‬دوران‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬الخريف،‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬يتابعون‭ ‬عودة‭ ‬نجوم‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬إلى‭ ‬المسارح،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يبدو‭ ‬فيه‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬ازدهاره‭.‬

جذور‭ ‬الحنين
لم‭ ‬يكن‭ ‬الحنين‭ ‬دائماً‭ ‬شعوراً‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬بإيجابية،‭ ‬فقد‭ ‬اعتُبر‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الاضطراب‭ ‬النفسي‭. ‬وصيغ‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نوستالجيا‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يُعرف‭ ‬بأنه‭ ‬حنين‭ ‬عاطفي‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬عام‭ ‬1688‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬طالب‭ ‬الطب‭ ‬السويسري‭ ‬يوهانس‭ ‬هوفر‭.‬
ويتكون‭ ‬المصطلح‭ ‬من‭ ‬كلمتين‭ ‬يونانيتين،‭ ‬الأولى‭ ‬تعني‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬‮«‬nostos‮»‬،‭ ‬والثانية‭ ‬تعني‭ ‬الألم‭ ‬‮«‬algos‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬تركيب‭ ‬يعكس‭ ‬ذلك‭ ‬المزيج‭ ‬بين‭ ‬السعادة‭ ‬والحزن‭ ‬الذي‭ ‬يصاحب‭ ‬استعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬ذكريات‭ ‬الماضي‭.‬
وفي‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تقاطر‭ ‬كثيرون‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬السينما‭ ‬لمشاهدة‭ ‬المعالجة‭ ‬السينمائية‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬المخرج‭ ‬كريستوفر‭ ‬نولان‭ ‬لملحمة‭ ‬‮«‬الأوديسة‮»‬‭ ‬لهوميروس،‭ ‬والتي‭ ‬حصدت‭ ‬264‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬شباك‭ ‬التذاكر‭ ‬خلال‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬الافتتاحية،‭ ‬حيث‭ ‬يخوض‭ ‬أوديسيوس‭ ‬رحلة‭ ‬الحنين‭ ‬الأكبر،‭ ‬متلهفاً‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬موطنه‭ ‬إثاكا‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬طروادة‭.‬
طمأنينة‭ ‬الماضي

يوفر‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة،‭ ‬فهو‭ ‬يعيدهم‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعتبرونه‭ ‬‮«‬الأيام‭ ‬الخوالي‭ ‬الطيبة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يربطونها‭ ‬بالحرية‭ ‬والسعادة‭ ‬والبساطة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬سنوات‭ ‬الطفولة‭ ‬والشباب‭.‬
وفي‭ ‬عالم‭ ‬يبدو‭ ‬متشرذماً‭ ‬ومضطرباً‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد،‭ ‬يشتاق‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يرونه‭ ‬أوقاتاً‭ ‬أكثر‭ ‬بساطة‭ ‬واستقراراً‭. ‬ومع‭ ‬امتلاء‭ ‬الحياة‭ ‬بالتقنية‭ ‬الرقمية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التشبع،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬التطور‭ ‬السريع‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬يتجه‭ ‬كثيرون‭ ‬نحو‭ ‬الأمان‭ ‬والألفة‭ ‬والبطء‭ ‬الذي‭ ‬توفره‭ ‬التقنية‭ ‬التناظرية‭ ‬التي‭ ‬عرفوها‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬صباهم‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬بالضرورة‭ ‬رفض‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬لاستعادة‭ ‬علاقة‭ ‬مختلفة‭ ‬معها،‭ ‬تمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬قدراً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬وقته،‭ ‬وتخفف‭ ‬شعوره‭ ‬بأن‭ ‬حياته‭ ‬باتت‭ ‬محكومة‭ ‬بالشاشات‭ ‬والإشعارات‭ ‬والخوارزميات‭ ‬والتحديثات‭ ‬المتلاحقة‭.‬

اقتصاد‭ ‬تناظري
بدأ‭ ‬هذا‭ ‬الحنين‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬18‭.‬8‭ ‬مليون‭ ‬بريطاني‭ ‬يمتلكون‭ ‬أجهزة‭ ‬تشغيل‭ ‬موسيقى‭ ‬قديمة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬عودة‭ ‬منتجات‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬أنها‭ ‬انتهت‭ ‬تماماً‭ ‬أمام‭ ‬البدائل‭ ‬الرقمية‭.‬
وتعود‭ ‬أجهزة‭ ‬‮«‬ووكمان‮»‬،‭ ‬ومشغلات‭ ‬أشرطة‭ ‬الكاسيت،‭ ‬وأجهزة‭ ‬‮«‬جيم‭ ‬بوي‮»‬‭ ‬و«الآيبود‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬المنازل‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬بل‭ ‬بات‭ ‬في‭ ‬الإمكان‭ ‬شراء‭ ‬سماعة‭ ‬هاتف‭ ‬ذات‭ ‬طراز‭ ‬قديم‭ ‬لتوصيلها‭ ‬بالهاتف‭ ‬المحمول،‭ ‬في‭ ‬مزيج‭ ‬يجمع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬بتجربة‭ ‬استخدام‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭.‬
وبعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬تنافس‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لإضافة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الميزات‭ ‬إلى‭ ‬أجهزتها،‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس،‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتبسيطها،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬اكتساب‭ ‬حركة‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«الهواتف‭ ‬الغبية‮»‬‭ ‬زخماً‭ ‬متزايداً‭ ‬بين‭ ‬المستخدمين‭.‬

هواتف‭ ‬بسيطة
في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يتجه‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬مطوري‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬سيليكون‭ ‬فالي‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬يدمج‭ ‬البشر‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬بالتقنية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬قطاعاً‭ ‬من‭ ‬المستخدمين‭ ‬بدأ‭ ‬بالرد‭ ‬والمقاومة،‭ ‬مسلحاً‭ ‬بهواتف‭ ‬بسيطة‭ ‬تؤدي‭ ‬وظائف‭ ‬محدودة‭ ‬ولا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬يومه‭.‬
فالعودة‭ ‬إلى‭ ‬هاتف‭ ‬أقل‭ ‬ذكاءً‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العبء‭ ‬الذي‭ ‬فرضته‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تدفق‭ ‬مستمر‭ ‬للمعلومات‭ ‬والتنبيهات‭ ‬والمحتوى‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬افتتان‭ ‬الناس‭ ‬بالأشياء‭ ‬القديمة‭ ‬لمجرد‭ ‬قدمها،‭ ‬بل‭ ‬يعود‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬عصر‭ ‬الوفرة‭ ‬الرقمية‭ ‬اللامحدودة،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريباً‭ ‬متاحاً‭ ‬بضغطة‭ ‬زر،‭ ‬بينما‭ ‬يبدو‭ ‬المستقبل‭ ‬نفسه‭ ‬محاطاً‭ ‬بغموض‭ ‬متزايد‭.‬
وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬ذلك،‭ ‬يشتاق‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬أشياء‭ ‬يمكنهم‭ ‬التفاعل‭ ‬معها‭ ‬مادياً،‭ ‬وتذكرهم‭ ‬بعصر‭ ‬ذهبي‭ ‬مفقود‭. ‬فالكتاب‭ ‬الورقي‭ ‬وشريط‭ ‬الكاسيت‭ ‬والكاميرا‭ ‬التقليدية‭ ‬والقرص‭ ‬المدمج‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات،‭ ‬بل‭ ‬أشياء‭ ‬لها‭ ‬وزن‭ ‬وملمس‭ ‬ووجود‭ ‬مادي‭ ‬واضح‭ ‬يمكن‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬به‭.‬

جيل‭ ‬جديد
المثير‭ ‬للاهتمام‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬التناظري،‭ ‬المدعوم‭ ‬بالطلب‭ ‬على‭ ‬الكتب‭ ‬الورقية‭ ‬والموسيقى‭ ‬القديمة‭ ‬والكاميرات‭ ‬التقليدية،‭ ‬يتلقى‭ ‬دعماً‭ ‬قوياً‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الجيل‭ ‬‮«‬زد‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬منهم‭ ‬لم‭ ‬يعاصروا‭ ‬أصلاً‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬ازدهرت‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭.‬
ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬تحن‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬تعشه‭ ‬قط،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬أنيمويا‮»‬‭ (‬Anemoia‭)‬،‭ ‬ويعني‭ ‬الشعور‭ ‬بالحنين‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬يعشه‭ ‬الشخص‭ ‬بنفسه‭.‬
ويظهر‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬وخارجه‭ ‬بطرق‭ ‬مفاجئة‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬الارتفاع‭ ‬المعلن‭ ‬بنسبة‭ ‬16‭% ‬في‭ ‬مبيعات‭ ‬الأقراص‭ ‬المضغوطة‭ ‬‮«‬CD‮»‬‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬المشترين‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الجيل‭ ‬‮«‬زد‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬حتى‭ ‬أجهزة‭ ‬لتشغيل‭ ‬تلك‭ ‬الأقراص‭.‬

حنين‭ ‬رقمي
المفارقة‭ ‬الأخرى‭ ‬أن‭ ‬الإنترنت،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬رموز‭ ‬التحول‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬التناظري،‭ ‬أصبح‭ ‬المنصة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الحنين‭ ‬إليه‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬11‭.‬7‭ ‬مليون‭ ‬منشور‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬إنستغرام‭ ‬يستخدم‭ ‬وسم‭ ‬nostalgia‭# ‬‮«‬حنين‮»‬‭.‬
كما‭ ‬تضاعفت‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬على‭ ‬جوجل‭ ‬عن‭ ‬‮«‬أفلام‭ ‬التسعينيات‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الماضية،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬اتساع‭ ‬الاهتمام‭ ‬الشعبي‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬الثقافة‭ ‬والترفيه‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬العقود‭ ‬السابقة‭.‬
وتكتظ‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالمنشورات‭ ‬التي‭ ‬تستعيد‭ ‬أزياء‭ ‬الطفولة‭ ‬والبرامج‭ ‬التلفزيونية‭ ‬وكلمات‭ ‬الأغاني‭ ‬والألعاب‭ ‬والأجهزة‭ ‬القديمة،‭ ‬بينما‭ ‬تتحول‭ ‬أقسام‭ ‬التعليقات‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬يتبادل‭ ‬فيها‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والغرباء‭ ‬الذكريات‭ ‬والمشاعر‭.‬
وهذا‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬جوانب‭ ‬الحنين‭ ‬الجماعي‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لأنه‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭ ‬المشتركة،‭ ‬حيث‭ ‬يكتشف‭ ‬أشخاص‭ ‬لم‭ ‬يلتقوا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أنهم‭ ‬يحتفظون‭ ‬بذكريات‭ ‬متشابهة‭ ‬تجاه‭ ‬الأغنية‭ ‬نفسها‭ ‬أو‭ ‬البرنامج‭ ‬التلفزيوني‭ ‬ذاته‭ ‬أو‭ ‬جهاز‭ ‬كان‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭.‬

ذكريات‭ ‬مشتركة
يمتلك‭ ‬الحنين‭ ‬الجماعي‭ ‬قدرة‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬روابط‭ ‬اجتماعية،‭ ‬لأنه‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬تجارب‭ ‬مشتركة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬شخصية‭ ‬سابقة‭. ‬فصورة‭ ‬جهاز‭ ‬قديم‭ ‬أو‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬قد‭ ‬يكونان‭ ‬كافيين‭ ‬لاستدعاء‭ ‬عشرات‭ ‬القصص‭ ‬لدى‭ ‬أشخاص‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬مختلفة‭.‬
وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬نفسها‭ ‬أداة‭ ‬لاستعادة‭ ‬الماضي‭. ‬فالمنصات‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬تتيح‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬للناس‭ ‬إنشاء‭ ‬مجتمعات‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬ذكريات‭ ‬حقبة‭ ‬سبقت‭ ‬ظهور‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬أصلاً‭.‬

رجوع لأعلى